كذبة القصر
روايات مشيره محمد
وقف سليم بيه في نص أوضة المراقبة ووشه شاحب زي الجثة، عينيه مش قادرة تترفع عن الشاشات المترتبة قدامه. الحارس حسن كان واقف وراه حاطط إيده على جيب البدلة ومش عارف ينطق كلمة النفس بالكتير طالع بالعافية. الصورة على الشاشة كانت أوقع وأبشع من أي كابوس ممكن يتخيله.. "رانيا" خطيبته، الست اللي اختارها بقلبه ووثق فيها عشان تخلي بالها من بناته بعد وفاة أمهم، كانت واقفة في وسط الصالة زي الشيطانة، بتصرخ في "دادة فاطمة" الست الغلبانة اللي مربية البنات من يوم ما اتولدوا، وفي أقصى الركن، "فريدة" الصغيرة و"مريم" الكبيرة ماسكين في بعض وبيترعشوا.
سليم حط إيده على المكتوب القديم اللي على المكتب، صوابعه اتقبضت على الحافة لدرجة إن عروق إيده ازرقت. كل حاجة كانت واضحة دلوقتي؛ الغياب المفاجئ، الخوف اللي كان بيشوفه في عيون بناته كل ما يرجع من السفر، السكوت الغريب، النظرات المستنجدة.. كله اتجمع في المشهد ده.
بص لـ "حسن" بصة تخوف، بصة راجل مفيش في قلبه رحمة خلاص، وقال بصوت واطي ومبشوم:
ـ "شغل التسجيلات من ساعة ما خرجت.. واقفل البوابة الخارجية. مش عايز كائن ينزل أو يطلع من البيت ده لحد ما أنا أقول."
حسن هز رأسه بسرعة:
ـ "حاضر يا سليم بيه.. أوامرك."
سليم مشي خطوات بطيئة ناحية الباب، كل خطوة كانت بتقصر المسافة بينه وبين الحقيقة، وبينه وبين الانتقام. وهو نازل على السلم الداخلي المظلم اللي بيوصل لغرفة التحكم للفيلا الرئيسية، كان صوت صراخ رانيا جواه أشد من الصوت اللي على الشاشات.
في الصالة الرئيسية، كانت "رانيا" واقفة حاطة إيدها في وسطها، وصوت كعب جزمتها يرن في الصالة الواسعة. "دادة فاطمة" كانت لمّة "فريدة" الصغيرة تحت دراعها، و"مريم" واقفة قدامهم بتحاول تتمالك نفسها وتداري خوفها.
رانيا قربت خطوة من فاطمة، وشها كان متشنج وزوايا بوقها مشدودة بشر:
ـ "أنا قلت كلمة وحدة يا فاطمة! لما أقول البنتين دول ينزلوا الجنينة يعني ينزلوا! أنتِ فاكرة نفسك مين هنا؟ فاكرة عشان بقالك سنين في البيت ده هتتكلمي وتتناقشي معايا؟ أنتِ هنا مجرد خدامة بتياخدي أجر! فاهمة ولا أفهمك بطريقتي؟"
دادة فاطمة رفعت راسها وصوتها بيترعش بس فيه ثبات أم:
ـ "يا رانيا هانم، فريدة حرارتها مرتفعة من الصبح وعاملة كمادات، الدكتور قال بلاش هواء برة.. أنا مش بعاند حضرتك، أنا خايفة على البنت!"
رانيا ضحكت ضحكة جافة مليانة استهزاء، وقربت أكتر لحد ماقت بينها وبين فاطمة سنتيمترات:
ـ "دكتور مين والناس نايمين؟ أنتِ هتدرسيلي؟ البنت دي دلوعة وأبوها مدلعها، وأنا هنا الكلمة كلمتي لما سليم يغيب! وإذا كان مش عاجبك كلامي، الشنطة بتاعتك تجهز في خمس دقائق وتفتحي الباب روايات_مشيره_محمد وتتفضلي برة! مش عايزة أشوف وشك هنا تاني!"
مريم الكبيرة، اللي كانت لسة كملت ۱۲ سنة، فتحت بوقها بالظبط وقالت بصوت بيترعش من القهر:
ـ "طنط رانيا.. طنط فاطمة ملهاش دعوة، أنا اللي قلتلها فريدة تعبانة ومتقدرش تخرج.. متزعقيش لدادة فاطمة لو سمحتي!"
رانيا لفت لـ "مريم" وبصتلها بنظرة مليانة كره، وقربت منها بالبطيء.. مسكت الأرنب القماش اللي كان في إيد فريدة الصغيرة، وشدته بقوة لدرجة إن القماش اتقطع في إيدها. فريدة صرخت:
ـ "لعبتي! هات لعبتي!"
رانيا رمت الأرنب على الأرض بكل قوتها وضربته برجلها في الكرسي الخشب:
ـ "لعبة إيه وزفت إيه! لما أنا أتكلم، الكبار والصغار يحطوا جزمهم في بوقهم ويسكتوا! أبوكم سابكم في رقبتي، وأنا هعرف أربيكم من أول وجديد!"
رانيا رفعت إيدها وكانت نازلة على وش مريم بالقلم.. مريم غمضت عينيها واستعدت للضربة وهي حاطة إيدها على وشها..
لكن القلم منزلكش.
صوت قاطع، قوي زي الرعد، هز أركان الصالة كلها:
ـ "رانيا!"
الكل اتجمد في مكانه. رانيا إيدها اتعلقت في الهواء، وشها اتغير في ثانية من الغل والخوف، ولفت بطيئة عشان تشوف "سليم" واقف عند مدخل الصالة، لابس جكت البدلة، عينه حمرا زي الدم، ومش باين عليه أي تعب من "السفر" اللي كان المفروض هيسافره!
رانيا ارتبكت، حاولت تبتسم ابتسامة صفرا وتعدل شعرها بسرعة:
ـ "سليم؟! حـ.. حبيبي! أنت رجعت إمتى؟ مش كنت رايح المطار ومسافر كندا؟ إيه اللي حصل؟"
سليم مشي بخطوات هادية، بس كل خطوة كانت زي دقات الساعة قبل الانفجار. قرب منها، عينيه كانت ثابتة في عينيها.