كذبة القصر

لمحة نيوز

ـ "رجعت عشان نسيت حاجة مهمة أوي يا رانيا.."
​رانيا حاولت تقرب منه وتحط إيدها على كتفه:
ـ "نسيت إيه يا حبيبي؟ الأوراق؟ أطلبلك السواق يرجع يجيبها؟"
​سليم مسك إيدها اللي على كتفه، بس مش بحنية.. مسكها بقبة حديدية وخلاها تتوجع، وزقها بعيد عنه بخفة بس بقسوة:
ـ "نسيت أحط الكاميرات في الأوض اللي مكنتش حاطط فيها.. ونسيت أعرف إن الوش الملاك ده مخبي وراه عقربة!"
​رانيا وشها اصفر، وحسّت إن الأرض بتهتز تحت رجلها:
ـ "كـ.. كاميرات؟ كاميرات إيه يا سليم؟ أنت بتقول إيه؟ أنا بس كنت بظبط البنات، أنت عارف إني بحبهم وبحاول أربيهم صح عشان.."
​سليم صرخ فيها بصوت هز النجف اللي في السقف:
ـ "اخرسي! متجيبيش سيرة الحب على لسانك الوسخ ده! أنتِ فاكرة إني مشفتكيش؟ فاكرة إني مسافرتش وبس؟ أنا كنت في أوضة المراقبة من 45 دقيقة! شفت كل كلمة.. شفت مسكتك لأرنب فريدة.. شفت زعقك لفاطمة.. وشفت إيدك وهي ممدودة على بنتي!"روايات_مشيره_محمد
​دادة فاطمة سحبت البنات وراها بسرعة، مريم كانت بتبص لأبوها وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.. أخيرًا الكابوس هيخلص.
​رانيا بدأت تتلجلج وتعيط بكاء مزيف:
ـ "سليم.. افهمني، والله الموضوع مش زي ما أنت فاهم! البنات دول بيكذبوا عليك، بيحاولوا يبعدوني عنك، وهما اللي استفزوني.. أنا كنت بحاول بس.."
​سليم قرب منها، مسكها من دراعها بقوة وعصر صوابعه عليه:
ـ "يكذبوا؟ البنت اللي عندها 6 سنين بتكذب؟ الدادة اللي مربياني أنا شخصيًا بتكذب؟ أنتِ فاكرة نفسك بتتعاملي مع مين؟ أنا سليم الألفي يا رانيا! اللي بيلمس شعرة من بناتي بقطعلة إيده!"
​رانيا بدأت تصرخ وتتوجع من مسكته:
ـ "سيب دراعي يا سليم! أنت بتوجعني! أنت اتجننت؟"
​سليم زقها على الكنبة، وبص ناحية الممر ودق بصوته:
ـ "يا حسن!"
​حسن دخل بسرعة، ووراه اتنين من حراس الفيلا:
ـ "أوامرك يا سليم بيه."
​سليم شاور على رانيا وهي قاعدة على الكنبة بتترعش من الخوف والغضب:
ـ "الهانم شنطتها تترمى برة البوابة فورًا.. مش عايز حتة ورقة من حاجتها تفضل هنا. وتتصل بالشرطة.. بلّغ عن شروع في اعتداء على قُصّر وإساءة معاملة أطفال، والتسجيلات كاملة مع السائق في الطريق للنيابة."
​رانيا قامت وقفت وصرخت بالهيستيريا:
ـ "شرطة؟! أنت هتبلغ عني الشرطة يا سليم عشان خاطر خدامة وبنتين؟ أنا رانيا! أنت عارف بابا مين وممكن يعمل إيه؟"
​سليم ضحك ضحكة هادية، مليانة ثقة وقوة:
ـ "أبوكي؟ خليه يجي يا رانيا.. خليه يجي ويشوف فيديوهات بنته وهي بتمارس قسوتها وغلها على أطفال أيتام أمهم ميتة! خليه يرى صحافة الميديا وهي بتتكلم عن عيلتكم الكريمة! أمشي من هنا بكرامتك اللي فاضلة.. ده لو كان فاضل منها حاجة."
​حسن قرب منها بكل احترام بس بصرامة:
ـ "اتفضلي معانا يا هانم من غير شوشرة.. الشنط جاهزة عند الباب."
​رانيا بصت لسليم بنظرة غل، وبعدها بصت للبنات وقالت بصوت مليان سم:
ـ "مش هسيبك يا سليم.. والله ما هسيبك!"
​سليم مأداش ليها أي اهتمام، ولا حتى بص ناحيتها وهي ماشية مع الحراس ومطرودة من الفيلا زي الكلاب. أول ما الباب الخارجي اتقفل وصوت عربيتها مشي، الفيلا رجعت هادية تمامًا.. هدوء كان غايب من شهور.
​سليم لف بدسمه ناحية بناته ودادة فاطمة. كل القسوة والغضب اللي كانوا في عينيه اختفوا تمامًا، وتحولوا لنظرة حنان وندم. نزل على ركبه قدام "فريدة" و"مريم"، ومد إيديه الاثنين.
​فريدة جرت عليه وحضنته بقوة، وحطت راسها في رقبته وبكت:
ـ "بابا.. متسافرش تاني! متسبناش مع طنط رانيا تاني يا بابا!"
​سليم ضمها لصدرو بقوة لدرجة كان هيخنقها من الشوق والحماية، وبص لـ "مريم" اللي كانت واقفة عينيها ملانة دموع بس ماسكة نفسها. سليم مد إيده التانية ومسك إيد مريم وشدها لحضنه:
ـ "سامحوني يا بناتي.. سامحوني يا حبايب قلبي. أنا السبب.. أنا اللي كنت أعمى ومش شايف. أوعدكم، مش هسافر تاني، ومفيش مخلوق في الدنيا دي كلها هيقدر يمسكم بكلمة بعد النهاردة."
​مريم دفنت وشها في كتف أبوها وبكت بكاء طويل، كل الخوف والرعب اللي كتمته في قلبها الأيام اللي فاتت طلع في الحضن ده.
​سليم رفع راسه وبص لـ "دادة فاطمة" اللي كانت واقفة تمسح دموعها بطرحتها:
ـ "دادة فاطمة.. أنا أسف."
​فاطمة هازت راسها بسرعة وهي بتعيط:
ـ "متسفش يا سليم بيه.. أنت ابن غالي، والبنات دول عينيا. المهم إن ربنا كشفها قبل ما تعمل فيهم حاجة أكتر من كده."
​سليم قام وقف، وبص لدادة فاطمة بامتنان:
ـ "أنتِ مش خدامة هنا يا دادة.. أنتِ أم البيت ده من يوم ما أمي الله يرحمها عاشت فيه، ومن النهاردة الكلمة كلمتك، وأي حاجة تحتاجيها للبنات تتعمل فورًا."
​سليم جاب الأرنب القماش من على الأرض، القماش كان مقطوع من العنق، مسكه بحرص، ونزل لفريدة وابتسم لها ابتسامة دافية:
ـ "فريدة.. الأرنب ده بطل، هتاخده الدادة وتخيطه، وهيفضل معاكي عشان يفتكر إن بابا دائمًا جنبك وبيحميكي."
​فريدة مسحت دموعها بإيدها الصغيرة وازدهت ابتسامة خفيفة:
ـ "وبابا هيفضل هنا؟ مش هيسافر كندا؟"
​سليم شال فريدة على دراعه ومسك إيد مريم بالتانية:
ـ "كندا إيه بس! أنا مكاني هنا.. جنبكم ومعاكم، ومفيش سفر ولا اجتماعات تبعدني عنكم تاني أبداً."
​من اليوم ده، اتغيرت الفيلا. الضحكة اللي كانت غايبة رجعت تاني في الأركان، ورانيا ومشاكلها بقوا مجرد صفحة سودا واطوت من حياة سليم وبناته. سليم اتعلم الدرس الأكبر في حياته: إن الفلوس والشركات والنجاح ميسواش حاجة قدام أمان بناته وضحكتهم، وإن الأب الحقيقي هو اللي بيحمي بيته مش اللي بيوفر الفلوس وبس.

تمت مشيره محمد 

تم نسخ الرابط