مصعب روايات مشيره محمد
بيتمشى في الأوضة بخطوات مضطربة
أبوك هو اللي تلفن الجنازة وهو اللي دفن السر. لما عرفت إن أبوك هدر دمي وقادر يقتل ابنه عشان فلوسه وشبكة الإجرام بتاعته، عرفت إن لو رجعت.. هيموتني بجد، وممكن يؤذي أمك أو يؤذيك أنت كمان عشان يسكتنا كلنا. هربت لبحري، غيرت اسمي، اشتغلت شغلات بسيطة، وعشت في الضلام ثمان سنين زي الميتين، بتابع أخباركم من بعيد لبعيد، وقلبي بيموت كل يوم وأنا عارف إن أمي بتبكي عليا في المقابر.
دموعي نزلت بانهيار. الثمان سنين اللي فاتوا مروا قدام عينيا زي الشريط. أمي وهي بتعنس في هدومه القديمة، أبويا وهو قاعد يتابع شغله ببرود ويقول لن يغير ذهابي شيئاً.. كان عارف إن المقبرة فاضية! أو فيها جثة حد تاني خالص!
طب وليه دلوقتي يا مصعب؟ ليه ظهرت لي دلوقتي؟ وليه الجملة المرعبة دي في الورقة؟
مصعب قرب مني، ومسك أكتافي بحزم
لأن اللعبة كبرت يا إبراهيم. أبوك بدأ يدخلك أنت كمان في الشبكة دي من غير ما تحس! الطرد اللي أنت أخدته الليلة عشان تسلمه في بحري.. عارف كان فيه إيه؟
بصيت له باستغراب
كان فيه حليب وأغراض دكان!
مصعب ابتسم بمرارة
الطرد اللي مديره المباشر بعتهولك، ده كان غطاء لتهريب أوراق وشيكات مشبوهة لصالح أبوك! أبوك بيستغلك أنت دلوقتي عشان تبقى الواجهة، ولو الحبل اتقفل على رقابيهم، أنت اللي هتشيل الشيلة وهتترمي في السجن أو تروح فيها زي ما حصل معايا! المدير بتاعك شغال مع أبوك يا إبراهيم!
الدم اتجمد في عروقي.
أنا؟ أبويا يعمل فيا أنا كده؟
أبوك ما بقاش بيشوف غير الفلوس والسلطة. والنهارده الصبح.. سمعت بالصدفة من واحد من رجاله اللي بيجوا المحل عندي إن أبوك ناوي يبيع البيت الكبير ويسافر برة السودان وياخد كل الثروة، ويسيب أمك تتواجه مع الديون والقضايا والورطة اللي هيحطك فيها!
حسيت بغضب عارم بيجتاح صدري. غضب ما حسيتش بيه في حياتي كلها.
طب هنعمل إيه يا مصعب؟ أمي لازم تعرف! لازم ننقذها ونوقف المهزلة دي!
مصعب بص لي بعينين ثابتة وصارمة
أمي لو عرفت فجأة كده، قلبها مش هيستحمل، وأبوك لو حس بإن السر اتكشف قبل ما نأمن أمك.. ممكن يعمل أي حاجة مجنونة. الخطورة كلها إن أبوك عنده عيون في كل مكان.
سكتنا شوية، وصوت المروحة القديمة في السقف كان الصوت الوحيد اللي مالي المكان.
وفجأة.. سمعنا صوت حركة برة البيت!
صوت خطوات ثقيلة على التراب في الشارع الجانبي!
مصعب اتجمد مكانه، وطفا الكشاف بسرعة. الأوضة غرقت في الضلام.
همس لي وهو ماسك دراعي بقوة ما تتنفسش!
قربنا من شباك خشب صغير وبصينا من بين الفتحات.
كانت فيه عربية سوداء كبيرة واقفة في أول الشارع.. ونزل منها راجل بطول وعرض، ماسك موبايل على أذنه وبيتكتم في الكلام، وبينظر ناحية البيت!
مصعب همس في أذني بصوت مرتعد ده عثمان.. دراع أبوك اليمين! إزاي عرف المكان؟
قلبي سقط في رجلي. افتكرت المكالمة اللي جت لي من أبويا وأنا في العربية.. وافتكرت إن الموبايل بتاعي فيه خاصية تحديد الموقع!
مصعب.. الموبايل بتاعي! يمكن تتبعوا موفي عن طريق الموبايل!
مصعب بص لي برعب اطفيه فوراً!
قفلت الموبايل بسرعة، بس كان الوقت متأخر. الراجل كان بيقرب من باب البيت بخطوات هادية ومحسوبة.
لازم نخرج من الباب الخلفي! همس مصعب وهو بيشدني من إيدي.
مشينا على أطراف صوابعنا في الممر الضيق لحد ما وصلنا لباب خشب صغير ورا البيت بيفتح على أزقة ضيقة. مصعب فتح الباب بشويش، وخرجنا للشارع الخلفي.
سمعنا صوت خبط قوي وبيكسر في الباب القدامي!
اجري! قالها مصعب بصوت مكتوم.
جرينا في الأزقة المظلمة بتاعة حي الديوم الشرقية، بنتنفس بصعوبة ونطاطي عشان محدش يشوفنا. مصعب كان حافظ الأزقة دي حارة حارة زي ظهر إيده.
بعد حوالي عشر دقائق جري مستمر، وصلنا لشارع عمومي. وقفنا ورا شجرة كبيرة وبنحاول نلتقط أنفاسنا.
كده أبوك عرف إنك وصلت لي يا إبراهيم.. قال مصعب وهو بينهج .. اللعبة بقت على المكشوف دلوقتي. ما فيش وقت.
هنعمل إيه دلوقتي؟ سألته وأنا حاسس بالضياع.
مصعب بص لي بجدية وقوة عمرى ما شفتها فيه قبل كده
الآن.. هنروح لأمي!
دلوقتي؟ الساعة 12 بالليل!
أيوة، لازم نأمن أمي ونخرجها من البيت قبل ما أبوك يرجع أو يبعت رجاله وياخدوها ورقة ضغط علينا. أمي لازم تعرف الحقيقة الليلة، ولازم تطلع معانا.
ركبنا تاكسي كان معدي بالصدفة من الشارع العمومي، وطلبنا منه يودينا أم درمان بسرعة.
طول الطريق، كانت أفكاري بتتضارب. ثمان سنين من الخداع والكذب، ثمان سنين وأنا فاكر إن أبويا سند وأمان، وطلع هو التعبان اللي يعيش معانا في نفس البيت!
وصلنا أم درمان حوالي الساعة واحدة صباحاً. نزلنا بعيد عن البيت بشارعين، ومشينا في الضلمة لحد ما قربنا من بيتنا.
البيت كان هادي، والأنوار كلها مطفية، ما عدا نور صالة الدور الأرضي.
عربية أبويا ما كانتش واقفة برة. ده معناه إنه لسه ما رجعش، أو إنه برة بيتابع رجاله.
مصعب أخد نفس عميق، وبص لي
أنا أدخل من السور الخلفي بتاع الجنينة، وأنت ادخل من الباب القدامي عادي عشان ما تثيرش الشبهات لو فيه حد بيراقب. ادخل ونادي على أمك وانزلوا تحت في المطبخ، وأنا هدخل لكم من باب المطبخ.
هزيت رأسي بالموافقة.
مشيت ناحية الباب الرئيسي، فتحت بالمفتاح ودمي محروق. دخلت الصالة، المكان كان هادي وموحش.
طلعت السلم بسرعة ودخلت أوضة أمي.
لقيتها قاعدة