مصعب روايات مشيره محمد

لمحة نيوز


على السجادة، ماسكة المسبحة في إيدها، وبتبكي بصوت واطي زي عادتها كل ليلة وهي بتدعي لمصعب.
أمي.. قلتها بصوت يرتجف.
رفعت رأسها وبصت لي باستغراب إبراهيم؟ مالك يا بني؟ وشك أصفر ليه كده؟ تأخرت ليه في شغل بحري؟
قربت منها، وقعدت على ركبي قدامها ومسكت إيديها الاتنين
أمي.. أنا عايزك تتشجعي وتسمعيني كويس. فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها ولازم تقومي معايا دلوقتي فوراً.
أمي بصت لي بقلق فيه إيه يا إبراهيم؟ أبوك فين؟ اتصل بيا وقال إنه جاي في الطريق ومعاه ناس.. فيه إيه يا بني قلقلتني؟
قلبي دق برعب.. أبويا جاي في الطريق!
أمي.. تعالي معايا المطبخ بسرعة، مش وقت كلام هنا!
سحبت أمي من إيدها وهي مستغربة ومش فاهمة حاجة، ونزلنا للمطبخ في الدور الأرضي.
أول ما دخلنا المطبخ، الباب الخشبي الخلفي اتفتح بشويش.. ودخل منه مصعب!
أمي اتجمدت في مكانها. المسبحة وقعت من إيدها على الأرض.
عينيا كانت بتراقب وشهما الاتنين. مصعب وقفت الدموع في عينيه، وقال بصوت حنون وبيرتعش
أمي..
أمي رجعت خطوة لورا، حطت إيدها على قلبها، وبقت تبص له بذهول ورعب، وشفايفها بتهتز مش قادرة تنطق.
م.. مصعب؟ قالتها بصوت طالع بالعافية، كأنها بتشوف شبح.
أيوة يا أمي.. أنا مصعب.. أنا حي يا أمي، ما متّش!
مصعب جري عليها وضمها بقوة. أمي صرخت صرخة مكتومة، وانكبت على صدره تبكي وتشم في هدومه وتلمس وشه وشعره بذهول وجنون!
ابني! ابني حي! يا حبيبي يا مصعب! يا رب أنت كريم! إزاي؟ إزاي يا بني ثمان سنين؟ أنت فين؟ مين اللي دفنّاه؟
أمي كانت بتبكي وتصرخ بهستيريا ومصعب حاضنها وبيعيط معاها
سامحيني يا أمي.. سامحيني والله ما كان بإيدي، أبويا هو اللي عمل كده.. أبويا حاول يقتلني وكدب عليكِ كل السنين دي!
أمي اتسمرت مكانها، وبصت لمصعب بصدمة مش قادرة تستوعبها
أبوك؟ أنت بتقول إيه يا بني؟ أبوك الحنين؟
أمي ما فيش وقت للشرح! قاطعتها بلهفة وأنا ببص من شباك المطبخ أبويا جاي في الطريق ومعاه رجالة، ولازم نخرج من هنا فوراً، أبويا مش الراجل اللي أنتِ فاكراه، ده راجل مجرم وكان عايز يستغلني أنا كمان ويدمرنا كلنا!
وفجأة.. سمعنا صوت فرامل عربيات قوية قدام البيت!
وصوت أبواب بتتخبط بقوة!
مصعب بص لي برعب وصلوا!
أمي كانت لسه مش مستوعبة الصدمة، بتتنقل بنظراتها بيني وبين مصعب.
سمعنا صوت مفتاح بيدور في الباب الرئيسي، وصوت أبويا الطالع بقوة وغضب في الصالة
إبراهيم! يا إبراهيم أنت فين؟
صوت خطوات ثقيلة كانت بتقدم ناحية المطبخ.
مصعب شد أمي من إيدها بسرعة وقال لي اخرجوا من الباب الخلفي للجنينة بسرعة، أنتوا اركبوا عربيتك اللي ركناها بعيد وأنا هحصلكم!
مش هسيبك يا مصعب! قلت له بإصرار.
يا إبراهيم اخلص وأمّن أمي! هما عايزيني أنا!
أبويا دخل المطبخ فجأة!
كان ماسك في إيده مسدس، ووراه الراجل اللي اسمه عثمان.
أول ما أبويا بص ورأى مصعب واقف حاد قدامه.. المسدس اهتز في إيده، ووشه اتغير وأسودّ من الصدمة والغضب!
مصعب؟! نطقها أبويا بصوت زي الفحيح.
أمي وقفت قدام مصعب وجسمها كله بيرتعش، وصرخت في وش أبويا
يا ظالم! يا فاجر! ابنك حي؟ أنت عملت إيه في ابنك ثمان سنين؟ أنت إيه من البشر؟
أبويا استرد ثباته بسرعة عجيبة، وبص لنا ببرود مرعب.. نفس البرود اللي كان بيتكلم بيه طول السنين اللي فاتت.
كنت عارف إن الحساب هييجي في يوم من الأيام.. قال أبويا وهو بيرفع المسدس ناحية مصعب .. بس ما كنتش فاكر إنك غبي للدرجة دي يا مصعب، ترجع بنفسك عشان تنهي كل حاجة!
أنت اللي غبي يا حاج! رد عليه مصعب بثبات وقوة الفلوس والتجارة الممنوعة طمت عينيك لحد ما نسيت ربنا ونسيت بيتك! أنا بلغت عن كل أوراقك وشبكتك للشرطة والأجهزة الأمنية قبل ما أجي هنا بساعة! زمانهم في الطريق دلوقتي!
وش أبويا اتغير تماماً، والذعر ظهر في عينيه لأول مرة في حياتي
أنت عملت إيه يا مجنون؟
في اللحظة دي، سمعنا سرينات عربيات الشرطة بتدوي في الشارع وبتقرب من البيت بسرعة شديدة!
أبويا اتلخبط وبص لعثمان، وعثمان جرى وربك وخرج من الباب الخلفي يهرب!
أبويا رفع المسدس بغل ناحية مصعب، وجاي يضغط على الزناد..
أنا ما فكرتش! رميت نفسي بكل قوتي على أبويا، ومسكت إيده اللي فيها المسدس. طلقة خرجت من المسدس وضُربت في السقف!
سقطنا إحنا الاتنين على الأرض، ومصعب جرى معايا ودخلنا في عراك مع أبويا لحد ما قدرنا ننتزع المسدس من إيده ونثبته على الأرض.
الشرطة اقتحمت البيت في ثواني، ودخلوا المطبخ بالسلاح المرفوع
اثبت مكانك أنت وهو!
مصعب رفع إيديه وهو بينهج أنا اللي بلغت، والراجل ده هو المطلوب في قضايا التهريب وتزوير الحوادث!
الشرطة كلبشت أبويا، وهو بيصدم وبيصرخ فينا بنظرات مليانة كره وغضب. أمي كانت قاعدة في الأرض بتبكي بحرقة، حاضنة مصعب اللي قعد جنبه يهدّيها ويدمع معاه.
عدت أيام على الليلة المظلمة دي..
الأجهزة الأمنية فتحت التحقيق في كل قضايا أبويا، وانكشفت شبكة كبيرة من التهريب وغسيل الأموال، وأبويا واتحكم عليه بالسجن المؤبد.
أما الحادثة القديمة، فكانت الجثة اللي اتدفنت فيها تخص راجل مجهول الهوية كان أبويا استغل جثته عشان يلفق موت مصعب ويهرب من متابعة أعدائه وتجار الممنوعات.
النهاردة.. الصبح كان مختلف تماماً.
الشمس كانت طالعة دافية وجميلة في أم درمان.
قاعدين في الصالة.. أنا، وأمي، ومصعب.
أمي كانت قاعدة جنبه، ماسكة إيده ومش راضية تسيبها لحظة واحدة، وكأنها خايفة يختفي
تاني. وشه رجعت له الضحكة، ورغم كل الندوب والجراح اللي في قلبه وجسمه، كان شكله مرتاح لأول مرة من ثمان سنين.
بصيت لأمي وهي بتبتسم وسط دموعها، وبتحط له الأكل في بؤه زي ما كانت بتعمل وهو صغير.
مسكت إيد مصعب وقلت له
عارف يا مصعب.. ثمان سنين كنا فاكرين إننا فقدناك، بس التمن اللي تدفع كان كبير قوي عشان نكشف الحقيقة.
مصعب ابتسم وبص لأمي بحب وقال
أهم حاجة إن الكابوس خلص يا إبراهيم.. وإن أمي رجعت تبتسم تاني.
أمي رفعت إيديها للسما وقالت بصوت مليان إيمان وراحة
الحمد لله الذي رد إليّ يوسف بعد طول غياب.. الحمد لله يا بني إنك في حضني حي يرزق.
وانتهت السنين العجاف، وتبدلت دموع الحزن بدموع الفرح.. وبدأنا حياة جديدة، نظيفة وخالية من الأسرار والخوف.
تمت.. روايات_مشيره_محمد

 

تم نسخ الرابط