قاعده فى خير ابنى

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت كحتي اللي كانت هتخلع صدري. الصوت كان مخنوق، وحاسي بإن الشقة كلها بتتهز معايا. فتحت عيني بالراحة، لقيت الشباك متورب وداخلي منه شعاع شمس خفيف، ومرام واقفة عند حرف السرير ماسكة صينية صغيرة عليها كوباية دوا وقمة تلج ومية.

​بصت لي بعيون دبلانة، باين عليها إنه ما نامتش طول الليل. وشتها كان شاحب، والابتسامة اللي كانت بتجامل بيها اختفت، وحل محلها نظرة انكسار وخوف.

​قربت مني وبصوت واطي زي الهشيم قالت:

ـ صباح الخير يا أمي.. حاسة بإيه النهاردة؟

​عدلت قعدتي بالعافية، وحاولت أفرك وشي عشان أداري زغللة عيني. وقلت بجفاف:

ـ زي ما أنا.. البرد ماسك في عظمي، والجو عندك في الشقة يرد الروح للعيان، بس الرطوبة عالية شوية.

​حطت الصينية على الكمودينو، وقعدت على طرف الكرسي البعيد، ما قربتش مني زي كل يوم. وقالت وهي بتبص للسيحة اللي على الأرض:

ـ أمي.. أنا ما نمتش طول الليل. الكحة اللي عندك دي مش كحة برد، والنفس اللي طالع منك يحرق. أنا مش عيلة صغيرة عشان يفوت عليا ده كله.. أنتِ عندك إيه بالظبط؟

​قلبي اتنفض، وحسيت بريقي نشف أكتر. مسكت اللحاف وضغطت عليه بإيدي المرتعشة، وقلت بعلو صوتي عشان أغلوش على خوفي:

ـ جرى إيه يا مرام؟ أنتِ هتحققي معايا ولا إيه؟ قلت لك دور برد شديد! هو أنتِ بقيتي دكتورة وبتقيمي مرضي؟ ولا تكوني زهقتي من الوقفة في المطبخ وخير ابني اللي بياكلك أنتِ وعيالك؟

​مرام رفعت رأسها وبصت لي بصة عمري ما هنسى شكلها. عينيها كان فيها دموع محبوسة، بس المرة دي ما كانتش مكسورة.. كانت مجروحة لدرجة القسوة.

​قالت بصوت ثابت ورزين، كل كلمة طالعة منه متقاسة بميزان:

ـ خير ابنك؟ فلوس ابنك؟ أنتِ من ساعة ما دخلتي من الباب ده وأنتِ ما عندكيش غير النغمة دي! ابنك شقيان وغريب عشان يفتح بيت وعشان يسترنا ويسترك.. محدش منكر ده! بس البيت ده مش مجرد حيطان وبلاط وفلوس بتتبعت في تحويل أول كل شهر! البيت ده أنا اللي شايلاه، أنا اللي مربية عياله، وأنا اللي ساهرة في خدمتك أسبوع كامل من غير ما أسمع منك كلمة عدلة واحدة!

​وقفت مرام وحطت إيدها في وسطها، وصوتها بدأ يعلى بس بنبرة وجع:

ـ أنا سبت أمي تعبانة عشان أقف جنبك! طردت اختي وقلت لها روحي أنتِ لأمي عشان حماتي أمانة في رقبتي! أسبوع كامل بغسل وأطبخ وأحمي وأكمد، وأنتِ كل ما أقدم لك لقمة ترمي لي كلمة تسم البدن! تقولي لي "أنتِ مجبرة"! تقولي لي "ده من خير ابني"! هو خير ابنك يعميكي عن إن في بني آدمة قدامك بتموت نفسها عشان خاطرك؟

​كنت بتهز من الجهد، والكحة كانت كاتمة نفسي، بس كبريائي منعني أضعف. قلت لها وأنا بنهج:

ـ أيوا واجب عليكي! مراته ولازم تشيلي أهله! ولولا ابنك ما كنتي لقيتي اللقمة دي!

​ضحكت مرام ضحكة مكسورة، ضحكة فيها كل الوجع اللي في الدنيا، وقالت:

ـ الواجب حاجة، والخير والفضل حاجة تانية يا أمي.. أنا كنت بعمل ده بحب، بطيب خاطر، عشان ربنا وعشان ابنك اللي بعيد.. بس أنتِ أصريتي تلغي وجودي، أصريتي تعامليني كأني خدامة مأجورة بفلوس ابنك! ووقفتك دي وحرصك إنك تخبي عليا مرضك الحقيقي مش عشان خايفة عليا ولا على العيال.. أنتِ خايفة أقولك ارجعي بيتك! أنتِ استخصرتي بناتك ودخلتي المرض بيتي أنا وعيالي!

​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. أتاريك عارفة؟ أتاريكِ كاشفاني؟

​بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مخنوق:

ـ أ أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ مرض إيه؟

​مرام قربت من الكمودينو، ومسكت الورقة اللي كانت تحت كيس المخدة. ورقة الرشتة القديمة اللي كنت خافياها من الدكتور لما جالي البيت من شهر وقال لي على العدوى الصدرية الشديدة ولازم أعزل نفسي.

​رمت الورقة على السرير وقالت:

ـ وقعت منك وأنا بغير الملاية امبارح بالليل وأنتِ نايمة غرقانة في عرقك. الرشتة دي من شهر يا أمي! الدكتور كاتب لك فيها عزل تام عشان العدوى تنتقلش! وأنتِ جيتي هنا.. جيتي بخطوتك، وضحكتي عليا، ودخلتي وسط عيالي الصغار وأنتِ عارفة إنك شايلة مرض معدي! خفتِ على بناتك اللي مناعتهم ضعيفة.. وما خفتيش على عيال ابنك؟ ولا عيال ابنك دول مالهمش قيمة؟

​الشقة سكتت تماماً. ما بقاش مسموع غير صوت نفسي العالي والمقطوع. الكلام اتسحب من لساني. اتفاجئت إن كل دفاعاتي اتهدمت في لحظة. السر اللي كنت خايفة منه بانت معالمه، والحقيقة المرة ظهرت للشمس.

​قعدت على الكنبة اللي قصاد السرير، وحطت وشها بين إيديها وبدأت تعيط.. عياط مكتوم يقطع القلب.

​ـ أنا عملت لك إيه؟ ـ قالتها وهي بتشهق ـ أنا طول عمري بعاملك زي أمي.. لما جوزي يسافر، كنت أقول حماتي هي السند. كل كلمة حلوة أقولها لك، وكل طبخة تحبيها أعملها لك. ليتك جيتي وقلتي لي يا مرام أنا تعبانة ومحتاجة عزل وخدمة.. والله العظيم كنت هشيلك في عيني، كنت هحطك في أوضة وأقفل عليكي وأخدمك برجليا وأحمي عيالي بالحرص! بس ليه التغفيل؟ ليه تعامليني كأني عدوتك؟ ليه تحسسيني إني عايشة هنا بعطف ابنك وقسوته؟

​كانت كلماتها بتمر على قلبي زي السكاكين. لأول مرة من أسبوع، بصيت لمرام ومش شايفاها "مرات ابني اللي عايشة من خيره"، شفتها ست أصيلة، شايلة بيتي وابني وعياله، وواقفة قدامي مغدورة ومجروحة في كرامتها وأمومتها.

تم نسخ الرابط