قاعده فى خير ابنى

لمحة نيوز

​حاولت أمتد إيدي أطولها، بس جسمي كان ثقيل. الكحة مسكتني تاني، المرة دي كانت أشد، حسيت بغمة نفس ودوخة شديدة، والرؤية بدأت تظلم قدامي.

​مسكت في طرف السرير وأنا بنادي بصوت واطي:

ـ مرام.. مرام يا بنتي..

​مرام رفعت رأسها بسرعة أول ما سمعت نبرة العجز في صوتي. رغم كل الزعل، ورغم كل الإهانة والكسرة اللي سببتها لها، ما ترددتش لحظة. قامت جري عليا، مسكتني من كتفي قبل ما أقع على الأرض، وسندت رأسي على صدرها.

​ـ أمي! مالك؟ اهدى.. اهدى يا أمي واستغفري ربنا!

​شفت في عينيها الخوف المخلص، الخوف اللي ما يتزيفش، الخوف اللي مش جايباه فلوس ولا واجب مادي. كان خوف بنت على أمها.

​حطتني بالراحة على المخدات، وطلعت تجري على المطبخ، جابت مية بثلج وقماش ونزلت على ركبتها جنب السرير. بدأت تعمل لي كمدات على أورتي وزندي، وإيدها كانت بترتعش، ودموعها نازلة على خدها بتنزل على وشي.

​ـ يا رب سلم.. يا رب اشفيها.. يا رب عديهالنا على خير..

​كنت بصلها وأنا بين الصاحي والمغمى عليه. كنت بفتكر كلامي القاسي ليها: "أنتِ مجبرة"، "ده خير ابني"، "أنتِ عايشة في الشقة بفضله".

ولقيت نفسي بسأل نفسي في سري: هو الفلوس تقدر تشتري الخوف ده؟ هو القرشين اللي بيبعتهم ابني من الغربة يقدروا يشتروا حنية الإيد دي وهي بتحط الكمادة على وشي؟ هل الفلوس تقدر تخلي واحدة أهنتها ودخلت بيتها بمرض معدي، تقعد تحت رجلي تعيط وتدعي لي بالشفاء؟

​بعد نص ساعة، الحرارة بدأت تهدى شوية، ونفسي بدأ يرجع منتظم. مرام كانت لسه قاعدة على الأرض، ضامة ركبتها لراسي، وماسكة القماشة في إيدها.

​بصيت لها، والدموع نزلت من عيني لأول مرة من سنين. دموع ندَم وكسرة نفس.

​ـ مرام.. ـ قلتها بصوت مكسور، طالع بالعافية.

​بصت لي بلهفة:

ـ نعم يا أمي.. حاسة بإيه دلوقتي؟ أطلب الإسعاف؟

​ـ سمحيني يا بنتي.. ـ الكلام خرج من صدري زي الحجر الشديد اللي انزاح. ـ سامحيني يا مرام.. أنا غلطت في حقك.. غلطت كبرياء وقسوة.

​مرام اتفاجئت، وعينيها وسعت.

​كملت وأنا بدمع:

ـ أنا خفت.. خفت أكون عبء، وخفت من المرض، وخفت بناتي يترعبوا مني.. فلجأت لكِ. بس بدل ما أجيلك بقلب مفتوح وبترجي، جيت لكِ بكبرياء فارغ. استقويت عليكي بفلوس ابني وببيته.. عشان أداري على ضعفي وخوفي من إنك ترفضيني.

​قعدت مرام على حرف السرير، ودموعها نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.

​قلت لها وأنا بمسك إيدها الدافية:

ـ أنا كنت فاكرة إن البيت ده بفلوس ابني بس.. بس اكتشفت النهاردة إن البيت ده قايم بيكي أنتِ. الفلوس تجيب أكل وشرب وجدران، بس ما تجيبش حنية، ولا تجيب أصل، ولا تجيب واحدة تسهر على حماتها وهي عارفة إنها شايلة مرض. أنتِ أصيلة يا مرام.. وأنا ظننت فيكي ظن السوء، وقسيت عليكي عشان أحمي كرامتي الزايفة.

​مرام حطت إيدها التانية على إيدي، وابتسمت ابتسامة هادية، صافية زي المية النظيفة:

ـ مسامحاكي يا أمي.. مسامحاكي من كل قلبي. أنتِ زي أمي، والأم لما بتتعب أو تخاف ممكن تقسى. أنا ما زعلتش من قعدتك ولا من خدمتك والله.. أنا زعلت إنك ما اعتمدتيش عليا كبنت لكِ. اعتمدتي عليا كواجب وفرض.

​دموعي نزلت أكتر، وقعدت أهز رأسي:

ـ أنتِ بنتي يا مرام.. وأحسن من بناتي كمان. بناتي اللي خفت عليهم من العدوى، ما فكرتش إنك أنتِ وعيالك حتة مني برضه. أنا كان غشاوة على عيني.

​مرام وقفت، ومسحت دموعها بمناديل، وقالت بنبرة فيها قوة وحنان في نفس الوقت:

ـ دلوقتي بقى يا أمي.. السكوت انتهى. احنا هنكلم الدكتور فوراً، وهنلتزم بالعلاج والمطهرات. وأنا هعزل العيال في الأوضة التانية وهطهر الشقة كلها. وأنتِ هتفضلي هنا، في سريرك، معززة مكرمة، مش عشان فلوس فلان ولا شقى علان.. عشان أنتِ أم جوزي وبركة البيت ده، وأنا برضايا وحبي هخدمك لحد ما تقومي على رجليكي بألف سلامة.

​مسكت إيدها ، وجسمي كله بيترعش من التأثر:

ـ ربنا يرضى عنك يا بنتي.. ربنا يبارك لك في عيالك وفي صحتك، ويجعل خير البيت ده في ميزان حسناتك أنتِ قبل أي حد.

​دخلت مرام المطبخ، وسمعتها بتكلم الدكتور في التليفون بكل ثبات، وتطلب منه ييجي البيت ويجيب معاه العلاج اللازم والأكسجين لو احتاجنا. وبعدها سمعتها بتكلم ابني في الغربة.. ما قالتلوش كلمة واحدة عن قسوتي أو كلامي السم.

​سمعتها بتقول له بصوت دافي:

ـ اطمن يا حبيبي.. أمك بخير ومعايا في العيون. دور برد شديد ومسيرين عليه بالدوا والراحة. الشقة منورة بوجودها، وما تشيلش هم أي حاجة خالص.. ركز أنت في شغلك وربنا يرجعك لنا بالسلامة.

​سمعت الكلام ده، ودموعي ما وقفتش. وعرفت ساعتها إن العز مش عز الفلوس ولا القرشين اللي بيتبعتوا في البوسطة.. العز الحقيقي هو الست الأصيلة اللي تصون البيت وتصون أهله، وتحول القسوة للطف، والمشاحنة لحب.

​ومن اليوم ده، اتغير كل حاجة في الشقة. مرام بقت تدخل عليا بالابتسامة، وأنا بقيت أستقبلها بالدعاء. الدوا اتاخد في موعده، والشقة اتطهرت، والعيال كانوا بيقفوا عند باب الأوضة يلوحوا لي ببديهم ويقولوا: "سلامتك يا تيتا"، وأنا أدعي لهم من جوة قلبي.

​بعد أسبوعين كاملين من العلاج والرعاية والاهتمام الشديد، قمت من السرير على رجليا. الحرارة راحت، والكحة اختفت، ورجعت صحتي زي الأول وأحسن.

​في اليوم اللي قررت فيه أرجع بيتي، كنت واقفة في الصالة ماسكة شنطتي الصغيرة. مرام كانت واقفة جنبي، محضرة لي شنطة تانية مليانة أكل وطباخ وعصاير عملتها بإيدها عشان أخدها معايا.

​بصيت للشقة، للشقة اللي كنت فاكراها مجرد "بيت ابني اللي بفلوسه"، وبصيت لمرام، وقلت لها وأنا:

ـ البيت ده مفتوح ومتبارك بيكي أنتِ يا مرام. ابني شقيان برة، بس أنتِ الحارس والأمان هنا. أنا ماشية النهاردة وأنا عارفة إن ابني اتجوز جوهرة.. ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش من أصلك ولا طيبة قلبك.

​ابتسمت مرام، والدموع في عينيها، وقالت:

ـ البيت بيتك في أي وقت يا أمي.. بمرضك وبصحتك، بحزنك وبفرحك. أنتِ رأس المطر، وإحنا من غيرك ما نسواش.

​خرجت من الشقة، وأنا بجر رجلي بخفة ونفس راضية. تعلمت الدرس الأكبر في حياتي: إن البيت مش حيطان وفلوس، البيت قلوب حنينة بتشيل بعضها في وقت الشدة، وإن الأصالة ما تشتريهاش أموال الدنيا كلها.

تمت. روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط