العمياء...
الجزء الثاني والأخير
وقفت في مكاني كأني اتسمّرت في الأرض. الصوت جمد في حلسي، والدنيا حواليا هديت فجأة لدرجة إني بقيت سامع ضربات قلبي بتدق في وداني زي الطبول.
لفت ببطء شديد. عيني راحت أول حاجة على الشجرة اللي ورايا... وبعدين للرصيف... وبعدين لمدخل الجنينة.
كانت واقفة هناك.
نيرمين... مراتي.
كانت واقفة تحت ظل شجرة كبيرة، لابسة عبايتها الكحلي وطرحتها الشيك، وفي إيدها شنطة بلاستيك فيها عصير وحلويات. كانت بتبص علينا بابتسامة هادية... بس الابتسامة دي، ولأول مرة في حياتي، حسيت إنها مش واصلة لعينها. عينيها كانت باردة... باردة ومفتوحة بتركيز مرعب على الولد المشرد.
الولد أول ما شافها، جسمه كله اترعش. خطى خطوتين لورا ورجله خبطت في الدكة، وكأنه كان عاوز يختفي جوه الأرض.
نيرمين مشيت ناحيتنا ببطء، خطواتها كانت متزنة وواثقة، الصوت الوحيد اللي طالع كان كعب جزمتها وهو بيخبط في الزلط
رأفت؟ إيه يا حبيبي، اتأخرت عليكم؟ جبت لليان العصير اللي بتحبه.
ليان أول ما سمعت صوتها، مسكت في جاكتتي بقوة، وشها اتدفر في جمبي. الموقف كله كان غريب، إحساس الأب اللي جوايا كان بيصرخ ويقولي في حاجة غلط، بس العقل اللي ممشي شغل السوق والحراسات العشرين سنة اللي فاتوا كان بيقولي اهدَى يا رأفت، ما تكشفش ورقك بدري.
بلعت ريقي وأخدت نفس طويل، وحاولت أظبط نبرة صوتي عشان تطلع طبيعية وزي كل يوم
لا يا نيرمين، ما اتأخرتيش ولا حاجة... كنت بس بتكلم مع الولد ده.
نيرمين بصلت للولد بنظرة سريعة، ابتسامتها وسعت بس عينيها ضاقت
ولد مين؟ اه... الشحات ده؟ بيعمل إيه هنا؟ هو ضايقكم يا رأفت؟
الولد بصلي بصة رجاء أخير، عينيه كانت بتقولي أنا حذرتك، وقبل ما حد فينا ينطق كلمة زيادة، لف وطلع يجري بكل قوته بين الشجر واختفى في زحمة الشارع.
نيرمين هزت رأسها بقرف وهي بتبص على اتجاه جريه
عيال شوارع مقرفة... بيبقوا عاوزين يسرقوا أي حاجة. تعالوا بينا يا حبيبي، الشمس بدأت تغيب والجو هيبرد على ليان.
مسكت إيد ليان ببطء. إيد بنتي كانت متلجة. وقفت وسبتها تمشي قدامي هي ونيرمين. طول الطريق للعربية، كنت باصص على ظهر نيرمين. الست دي اللي اتجوزتها من سنتين بس، بعد وفاة أم ليان الله يرحمها... الست اللي دخلت بيتي وهيا بتعيط وبتقولي إنها هتعوض ليان عن حنان الأم... معقولة تكون هي الأذى نفسه؟
طول السكة في العربية، الهدوء كان سيد الموقف. نيرمين كانت بتشغل الكاسيت على أغنية هادية، وبتلف ورا كل شوية تطبطب على ركبة ليان وتعدل لها البلوفر
اشربي العصير يا لياني... عشان صحتك تبقى كويسة يا قلب ماما.
ليان هزت رأسها بالرفض وهي باصة للناحية التانية من الشباك
مش عطشانة يا طنط... بطني بتوجعني.
نيرمين اتنهدت بصوت عالي وبصلتي في المراية الفوقانية
شايف يا رأفت؟ من ساعة ما نظرها ضعف وهي رافضة الأكل والشرب. أنا بجد تعبت معاها، ونفسيتي اتدمرت وأنا شايفاها بتتألم كده وما بيديهاش حاجة أعملها.
بصيت لها في المراية، تقاطعت عيني بفي عينها. عينيا كانت هادية... بس جوايا كان في بركان.
معلش يا نيرمين... كل حاجة هتبان قريب. ربك ما بيبسبش حد.
وصلنا الفيلا. الفيلا اللي كانت أماننا، بقت فجأة بالنسبة لي مسرح جريمة. نيرمين أخدت ليان طلعتها أوضتها عشان تنام. وأنا دخلت المكتب.
قفلت الباب عليا بالمفتاح. قعدت على الكرسي الجلد الكحلي، وحطيت راسي بين إيديا.
رأفت المراكبي... اللي كان بيهز السوق بفكرة، ومحدش كان بيسترجي يقف قدامه... قاعد دلوقتي مش عارف يعمل إيه ولا يصدق مين.
بس الشك لما يدخل قلب راجل زيي، ما بيرحمش.
مسكت التليفون وطلبت رقم شيكو... شيكو ده كان ذراعي اليمين في كل الشغل الخاص. الراجل اللي ينبش تحت الأرض ويجيبلي السر من بؤ الأسد.
أيوة يا باشا... تؤمرني.
شيكو... عاوزك في خدمة، والخدمة دي لو طلعت برانا، رقبتك هي التمن.
صوت شيكو اتغير وبقى جاد تماماً
عيب يا معلم رأفت... رقبتي سدادة من غير كلام ؤمر.
عاوزك تجيبلي الولد ده. ولد عنده بتاع عشر سنين، مشرد، بيلف في الجنينة العامة اللي جنب المستشفى الكبيرة. هدومه متبهدلة، وجزمته مقطوعة. عاوزك تجيبهولي حياً يرزق، ومن غير ما حد يحس بيك... وفي أسرع وقت.
ساعة زمن ويكون عندك يا باشا.
قفلت مع شيكو، وقمت وقفت ورا شباك المكتب المظلم الباصص على الجنينة. الأفكار كانت بتطحن في دماغي.
ليه نيرمين تعمل كده؟
عشان الفلوس؟
أنا كاتب لها كتب رسمي، ومأمن حياتها... بس ليان هي الوريثة الشرعية والوحيدة لكل أملاكي وشركاتي وملاهيا الليلية. لو ليان جرى لها حاجة، أو أصبحت غير قادرة على إدارة أملاكها... مين اللي هيبقى الوصي عليها؟
نيرمين!
القطعة الأخيرة في البازل اكتملت في دماغي. الصورة بقت واضحة زي الشمس... بس كنت محتاج الدليل.
بعد ساعتين بالضبط، تليفوني رن.
يا باشا... الولد معايا في المقر القديم بتاع السبتية.
سيبت الفيلا من غير ما أحسس نيرمين بأي حاجة، وركبت عربيتي وطرت على السبتية.
المخزن القديم كان ضلمة ومفيهوش غير لمبة واحدة نيون بتذبذب. الولد كان قاعد على كرسي خشبي، مرعوب وجسمه بيفز مع كل حركة. شيكو كان واقف جنبه ورباط إيده مرخي عشان ما يخوفوش زيادة.
أول ما دخلت، الولد انكمش في نفسه وبدأ يعيط
والله العظيم ما سرقت حاجة يا باشا! والله أنا قولتلك الحقيقة!