العمياء...

لمحة نيوز

ما تضربنيش!
قربت منه ببطء، وقعدت على ركبتي قدامه، عشان أكون في نفس مستوى عينيه. حطيت إيدي على كتفه براحة
اهدى يا ابني... محدش هيلمسك. أنا رأفت المراكبي، واللي يقربلك وأنا موجود أقطعه. أنت في أمان.
الولد بدأ يهدا شوية، بس دموعه كانت لسه على خده.
قولي يا ابني... اسمك إيه؟
اسمي سيف...
ماشي يا سيف. افتح قلبك لي وما تخافش من حاجة واكسب راجل هيحميك طول عمرك. إنت شفت إيه؟ وعرفت إزاي إن مراتي بتحط حاجة في أكل بنتي؟
سيف أخد نفس مكسور وبدأ يتكلم، وصوته كان بيرعش
أنا... أنا ساعات بلف حوالين الفيلات اللي في الشارع بتاعكم عشان ألم إزايز البلاستيك أو العلب الفارغة من الزبالة... ومن شهرين كده، كنت واقف ورا السور الخشب بتاع الجنينة بتاعتكم... كانت الدنيا ليل. شفت هانم الفيلا... الست بتاعتك... كانت واقفة في المطبخ اللي شباكه ألمونتال باصص على الجنينة.
كمل يا سيف... شفتها بتعمل إيه؟
كانت ماسكة إزازه قطرة صغيرة جداً... لونها غامق. وكانت بتنقط منها في طبق الشوربة وفي كوباية العصير بتوع البنت الصغيرة. أنا ما كنتش فاهم حاجة في الأول... بس شفتها بعد ما حطت القطرة، مسحت الإزازة بمنديل واستخبت ورا ستارة لما الدادة دخلت تأخد الطبق.
وبعدين؟
تاني يوم وثالث يوم... الم اتكرر. أنا بقيت أراقبها من الشباك. وفي يوم... نسيت شباك المطبخ مفتوح سنه... وسمعتها بتتكلم في التليفون بصوت واطي وبتقول الجرعة دي هتخلي العصب البصري يضعف بالتدريج... الدكاترة حمار مش حيعرفوا حاجة وهتقيد ضد مجهول... وبعد ست شهور مش هتكون شايفه ضوء الشمس، ورأفت هيتجنن ويسلمني كل حاجة.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. الدم اتجمد في عروقي.
سيف كمل وهو بيعيط
هي شافتني مرة وأنا باصص من السور... هددتني وقالتلي لو رجعت هنا تاني هتبلغ عني الشرطة وتقول إني حرامي وتهبسني... ومن ساعتها وأنا مرعوب. بس لما شفتك النهاردة في الجنينة والبنت ماسكة العصاية البيضا... ما قدرتش أسكت. أنا أمي ماتت بنفس المرض، وكنت بشوفها بتتألم... ما قدرتش أشوف البنت دي بتضيع.
وقفت على طولي. الإحساس بالذنب كان بيقطع في قلبي. أنا... رأفت المراكبي... اللي كنت فاكر إني حامي بيتي، كنت بلعّم بنتي السم بيد مراتي كل يوم!
بصيت لشيكو
شيكو... الولد ده يتروق عليه. أكل، هدوم، وتاخده تعيشه في شقة من شقق الشركة، ويكون تحت حراستك 24 ساعة. لو لمسه صباع، إنت المشئول.
شيكو هز رأسه بثبات
رقبتي يا معلم.
رجعت الفيلا. الفجر كان بدأ يطلع. السماء كانت رمادي، والهدوء كان يخنق.
دخلت المطبخ ببطء. بدأت أدور في كل مكان. الأدراج، الدولاب، الشفاط... مفيش حاجة.
افتكرت كلام سيف... استخبت ورا ستارة.
مشيت ناحية الشباك الألمونتال. ورا الستارة التقيلة، كان في علبة كهرباء قديمة مش مستعملة. فتحت غطا البلاستيك... ولقيتها.
إزازه صغيرة جداً، مكتوب عليها بلغة أجنبية تركيبات كيميائية خطيرة، بتسبب تلف تدريجي ومؤقت للأعصاب البصرية لو اتأخدت بجرعات صغيرة على فترات طويلة.
مسكت الإزازة في إيدي. جسمي كله كان بيبتعد من الغضب. كنت عاوز أطلع فوق، أصحى نيرمين من شعرها وأرميها من البلكونة... بس دا مش أسلوب رأفت المراكبي.
الموت السريع رحمة... ونيرمين ما تستاهلش الرحمة.
طلعت على أوضة ليان بالراحه. فتحت الباب. كانت نايمة زي الملاك، العصاية البيضا جنبه على السرير. قعدت على طرف السرير وبست رأسها. دمعة نزلت من عيني على خدها
أوعدك يا ليان... نور عينيكي هيرجع، وحقك هيجيلي تحت رجلي.
صباح اليوم التالي.
قعدنا على سفره الفطار. الشمس كانت مالية الصالة.
نيرمين كانت قاعدة، لابسة روب ستان أبيض، وبتصوب القهوة بكل رقة.
صباح الخير يا حبيبي... شكل تامس ما نمتش كويس؟
لا يا نيرمين... نمت كويس جداً. بل بالعكس، صحيت مركز أكتر من أي وقت فات.
الدادة جابت كوباية العصير Fresh وتحطها قدام ليان.
نيرمين بسرعة أخدت الكوباية
هاتي يا دادة أنا هأكل ليان بنفسي... روح شوف باقي شغل البيت.
أنا كنت باصص عليها ببرود تام. شفتها وهي بتميل بجسمها وتداري الشباك، ومسكت معلقة العصير... بس قبل ما تحط المعلقة في كوباية العصير، أنا مسكت إيدها بقوة.
نيرمين اتفاجأت وبصلتي باستغراب
إيه يا رأفت؟ في إيه؟ مسكت إيدي جامد كده ليه؟
العصير ده شكله حلو أوي يا نيرمين... إيه رأيك تشربيه إنتي الأول؟
وشها أصفر في ثانية. حاول تضحك ضحكة باردة
إيه الهزار ده يا رأفت؟ دا عصير ليان... أنا عملت لنفسي قهوة.
لا مش هزار... اشربيه.
نيرمين حاولت تسحب إيدها بس أنا كنت ماسكها زي الكلبش الحديد.
رأفت إنت تجننت؟ سيب إيدي! وجعتني!
قولتلك اشربي الكوباية دي يا نيرمين!
ليان اتخضت وقعدت تعيط
بابا... في إيه؟ طنط نيرمين بتعيط ليه؟
بصيت لليان بصوت حنون
ما تخافيش يا ليان... ادخلي أوضتك دلوقتي يا حبيبتي مع الدادة.
الدادة أخدت ليان وطلعت تجري بيها فوق.
أول ما باب الأوضة اتفلق، زقيت نيرمين للورا. وقعت على الكرسي، والعصير اتقلب على الترابيزة الستانلس.
طلعت إزازه القطرة من جيبي وحطيتها قدامها على الترابيزة.
أول ما شافتها، عينيها وسعت من الرعب. شفايفها بدأت اترعش، واللون طار من وشها تماماً
إيه... إيه دي؟ أنا... أنا ما أعرفش حاجة عن دي!
قربت منها ببطء، ووطيت لغاية ما بقى وشي في وشها. صوته كان واطي، بس مرعب أكتر من أي صريخ
الإزازة دي
تم نسخ الرابط