ختم احمر.....

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد

سحبت الورقة المقطوعة من على الأرض بهدوء، وأيدي سامية كانت بتتأرجح في الهواء كأنها اتكهربت.

​جمّعت النصين جنب بعض، وقريت الختم الأحمر الكبير اللي كان مفضوح ومكتوب ببنط عريض: "عقد إيجار أملاك دولة / حظر تصرف وتمليك".

​الهدوء اللي حل على الصالة كان أرعب من أي صريخ. أخت سامية وبنتها وقفوا زي التماثيل، وأحمد وشه بقى لون القماش الأبيض اللي مغطي الكنب، وعينيه رايحة جاية بيني وبين أمه.

​مسكت النصين ورفعتهم في وش سامية اللي كانت ريقها ناشف ومش عارفة تنطق:

— إيه ده يا سامية هانم؟ عقد إيجار بحق انتفاع من المحافظة؟ يعني الشقة دي مش ملكك ولا اشتريتيها ولا حاجة؟ دي شقة إيجار من المحافظة وباسم المالك الأصلي اللي هو والدك الله يرحمه وتدفعي لها مليمين كل شهر؟! مال فين مقدم الشقة اللي قرفتوني بيه ثلاث سنين؟ فين "أنا اللي جايبة الشقة" و"أنا اللي شرياها من مالي الخاص"؟

​أحمد اتنطر من مكانه وهجم على الورق، مسكه وإيده بترعش، وبص لأمه بصة ذهول وهو مش مصدق:روايات_مشيره_محمد

— أمي.. الكلام ده صح؟ الشقة دي مش ملكنا؟ أومال الأربعين ألف جنيه اللي أخدتيهم مني قبل الجواز وقلت لي دول كملت بيهم ثمن الشقة وخليت العقد باسمك.. دول راحوا فين؟!

​سامية بلعت ريقها بالعافية، وبدأت تتلجلج ووشها يجيب ألوان، يبص للأرض مرة ولأختها اللي كانت مبلمة مرة ثانية:

— يا أحمد افهم.. أنا.. أنا كنت بحوشهم لك.. العقد ده.. العقد ده قديم وكانوا هيجددوه تمليك بس..

​قطعت كلامها بصوت عالٍ وواضح للعمال اللي واقفين مستغربين:

— ما تتعبش نفسك يا أحمد.. فلوسك وفلوس مقدم الشقة راحت في شبكة ابنة أختها اللي قاعدة هناك دي! مش هي دي العمارة اللي اتجوزت فيها من سنتين؟!

​أخت سامية قامت واقفة فجأة ووشها احمر:

— جرى إيه يا بت أنتِ؟! هتخبطي في الحيط وتجيبي سيرتنا ليه؟!

رديت عليها بثبات وأنا بطلع تليفوني من على الترابيزة وبوقف التسجيل:

— لا يا حبيبتي، أنا ما بخبطش، أنا معايا تسجيل صوت وصورة للست هانم وهي بتهينني وتطردني، ومعايا كارت الكاميرا بتاعة الأستاذ العامل اللي وثق لحظة تقطيع الفواتير والتعدي على ممتلكاتي الخاصة. والورق اللي اتقطع ده كان صورة، الفواتير الأصلية كلها في خزنتي في البنك ومعايا صور إلكترونية منها على الموبايل بمعرفة الشركة اللي اشتريت منها كل حتة خشبة هنا!

​العامل بتاع شركة النقل هز رأسه وقال بجدية:

— يا فندم، إحنا محضرين العربية تحت، والكاميرا مسجلة الواقعة والتلفيات، ولو حضرتك عايزه نبلغ النجدة نعمل محضر إثبات حالة بالتعدي وتمزيق أوراق ومستندات تجارية إحنا جاهزين ونشهد معاكي.

​سامية أول ما سمعت كلمة "نجدة" و"محضر"، رجليها ماشالتهاش وقعدت على أقرب كرسي وهي بتلهث وبتحط إيدها على قلبها:

— نجدة؟! أنتِ جايبة بلطجية في بيتي يا منى؟! عايزة تسجنيني يا فندم في آخر أيامي؟!

​رديت بمنتهى البرود وأنا بأشّر للعمال:

— بيتك؟ ما خلاص عرفنا إنه مش بيتك ولا حاجة! وده مش بيت حد هنا غير الهوا.. اتفضلوا يا شباب، ابدأوا بالتلاجة والشاشة والأنتريه وكل حاجة في الفواتير دي.

​أحمد مسك إيدي بلهفة ورجاء:

— منى.. عشان خاطري اهدي.. نتكلم بالأصول.. أنتِ مراتي وعرضي، ينفع الغرب يشيلوا حاجتنا والناس في الشارع تتفرج علينا؟

شلت إيده عني بمنتهى القسوة وقلت له:

— مراتك وعرضك؟! وينفع مراتك وعرضك يتهانوا كل يوم؟ ينفع مراتك تغسل وتمسح وتطبخ وتدفع أقساط الشقة والنور والمية والغاز من ماهيتها، وحضرتك قاعد تلعب بتليفونك وبتدفع قسط عربيتك وسجايرك وخروجك؟ ينفع أ أمك تاخد دهب أمي الله يرحمها تديه لبنت أختها وأنت واقف زي الأطرش في الزقبة وتقول لي "تحمليها عشان خاطري"؟!

تم نسخ الرابط