يـوسـف
روايات_مشيره_محمد
أول ما غطا صندوق الزبالة اتفتح بالكامل اتسمع صوت شهقة جماعية من كل اللي واقفين
كانت فيه ست مرمية وسط أكياس الزبالة وقطع الكرتون القديمة وإيديها مربوطة من ورا ووشها شاحب لدرجة تخض وأثر الدم ناشف على جنب راسها وكانت لابسة هدوم بيت بسيطة ومقطوعة من عند الكم
لكن أكتر حاجة وجعت قلب محمود إن الست كانت لسه بتحاول تحرك صوابعها رغم إنها بالكاد قادرة تتنفس
الظابط اللي كان بيضحك من شوية رجع خطوتين لورا وهو بيقول بصدمة
يا نهار أسود دي عايشة
رئيس المباحث صرخ فيه
بدل ما تقف تتفرج اتصل بالإسعاف حالا
وفي اللحظة دي يوسف رمى الدبدوب من إيده وجري ناحية الصندوق وهو بيصرخ
مامااااا
حاول يطلع جوه الصندوق لكن محمود لحقه وشاله قبل ما يقع وسط الحديد والأكياس
يوسف بدأ يخبط على صدر محمود بإيديه الصغيرة وهو بيعيط
سيبني يا بيه دي أمي أنا عايز أروح لها أمي خايفة من الأماكن الضلمة وأنا وعدتها إني مش هسيبها لوحدها
الكلام نزل على قلب محمود زي السكينة
الولد اللي الناس كلها اتهمته بالكذب كان فاكر إن أمه طول الليل مرعوبة وبتستنجد بيه وإنه لو مشي ممكن تموت من الخوف قبل ما تموت من التعب
محمود ضمه لصدره وقال له بصوت مخنوق
مش هسيبها يا يوسف والله العظيم مش هسيبها
لكن يوسف كان بيقاومه بكل قوته
ماما يا محمود بيه أرجوك نزلني أنا لازم أمسك إيدها
محمود قربه من الصندوق بحذر ومد إيده ناحية الست وهو بيحاول يتأكد إنها لسه بتتنفس من غير ما يحرك رقبتها
في اللحظة دي الست فتحت عينيها بصعوبة
كانت عينيها بتلف في المكان كأنها مش فاهمة هي فين
ولما شافت يوسف حاولت تتكلم لكن صوتها ما طلعش
يوسف مد إيده ناحيتها وصرخ
ماما أنا هنا بصيلي يا ماما أنا يوسف
الست حركت صوابعها حركة بسيطة جدا
وبعدين خرج من شفايفها صوت ضعيف
يو... سف
الولد انفجر في العياط وحط إيده على بقه وهو بيهز راسه
أنا هنا يا ماما أنا هنا والله ما مشيت
محمود حس إن رجليه مش شايلاه
في اللحظة دي فهم إن يوسف ما كانش مجرد طفل بيطلب المساعدة
ده كان طفل قضى ليلة كاملة بيحارب عشان الشخص الوحيد اللي عنده في الدنيا ما يموتش
وصلت الإسعاف بعد دقايق طويلة بالنسبالهم
المسعفين بدأوا يفكوا الحبال عن إيد الست بحذر ورفعوها على النقالة بعد ما ثبتوا رقبتها وبدأوا يفحصوا تنفسها
واحد منهم بص لرئيس المباحث وقال بجدية
الست حالتها حرجة جدا ولازم تتحرك للمستشفى فورا واضح إنها اتعرضت لضربة قوية في الرأس وكمان جسمها بارد جدا
يوسف جري ناحية عربية الإسعاف لكن أحد المسعفين وقفه وقال له
إنت ابنها يا حبيبي
يوسف هز راسه بسرعة
أيوه أنا ابنها وأنا لازم أروح معاها
المسعف بص لمحمود
محمود رد من غير ما يفكر
الولد هيروح معاها وأنا هتحرك وراهم
وبعدين بص لرئيس المباحث وقال له
عايزك تتعامل مع المكان ده باعتباره مسرح جريمة ومحدش يلمس حاجة قبل ما فريق المعاينة يوصل
رئيس المباحث هز راسه المرة دي من غير ما يعترض
لأنه أخيرا فهم إن الموضوع مش حكاية طفل بيكدب عشان يلفت الانتباه
دي جريمة حقيقية والست اللي كانت جوه الصندوق ممكن تكون الضحية الوحيدة اللي لسه عندهم فرصة ينقذوها
قبل ما باب الإسعاف يتقفل يوسف مسك إيد محمود وقال له بخوف
يا بيه هو ربنا هيخلي ماما تعيش
محمود اتسمر مكانه
كان يقدر يشتري مستشفى كامل لو احتاج لكنه ما كانش يقدر يشتري إجابة للسؤال ده
ومع ذلك نزل لمستوى يوسف وبص في عينيه
هنعمل كل اللي نقدر عليه عشان ماما تقوم بالسلامة يا حبيبي
يوسف فضل باصص له شوية وبعدين سأله بصوت مكسور
طب إنت مش هتمشي وتسيبني زي ما كل الناس عملت
السؤال ده وجع محمود أكتر من أي اتهام ممكن يسمعه في حياته
رد عليه وهو بيمسح التراب من على خده
لأ يا يوسف أنا مش همشي
المرة دي هفضل جنبك لحد ما تطمن على ماما
وبعدها ركب يوسف عربية الإسعاف وانطلقت ناحية المستشفى بينما محمود ركب عربيته وراها وهو لأول مرة من سنين مش بيفكر في صفقة ولا في اجتماع ولا في فلوس
كان كل اللي بيفكر فيه هو الطفل اللي كاد يموت من البرد قدام صندوق زبالة عشان محدش صدقه
وما كانش يعرف إن اللي هيكتشفه خلال الساعات الجاية هيغير حياته هو كمان
في المستشفى ظهرت أول خيوط الحقيقة
وصلت عربية الإسعاف مستشفى الطوارئ في أقل من ربع ساعة
الأطباء أخدوا الست على غرفة الإنعاش وفضل يوسف واقف قدام الباب ماسك الدبدوب بتاعه اللي محمود جابهوله من الأرض قبل ما يمشوا
كان كل شوية يبص للباب ويسأل أي ممرضة تعدي
هو ماما هتخرج إمتى
هي فتحت عينيها
هي سألت عليا
لكن محدش كان عنده إجابة تطمنه
محمود كان واقف جنبه بيتابع كل حاجة وبيكلم إدارة المستشفى عشان يضمن إن الست تاخد الرعاية اللازمة من غير ما حد يعطلها بسبب إجراءات أو فلوس
وبعد حوالي أربعين دقيقة خرج الدكتور من غرفة الإنعاش
محمود قرب منه بسرعة
طمني يا دكتور
الدكتور خلع الكمامة وقال بجدية
الحالة لسه خطيرة يا فندم الست عندها إصابة في الرأس ونزيف تحت الجلد وكدمات كتير في جسمها واضح إنها اتعرضت لاعتداء عنيف وكمان قضت فترة طويلة في مكان مغلق وبارد
يوسف جري ناحية الدكتور ومسك طرف البالطو بتاعه
يعني ماما هتعيش يا دكتور
الدكتور نزل لمستواه وقال برفق
إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه يا حبيبي
يوسف بص له شوية وبعدين قال
أنا سمعت ماما بتخبط جوه الصندوق امبارح بس كنت بخبط ومحدش بيسمعني
الدكتور سكت للحظة وبعدين بص لمحمود
محتاجين نعرف إيه اللي حصل بالضبط عشان نقدر نفهم الإصابات دي
محمود رد عليه
الشرطة هتتولى التحقيق وأنا مش هسمح لحد يضغط على الولد دلوقتي
وبعدين أخد يوسف وقعده على كرسي في طرقة المستشفى
الولد كان مرهق لدرجة إنه مش قادر يفتح عينيه كويس لكنه كل ما يحاول ينام يفزع فجأة ويبص ناحية باب غرفة الإنعاش
محمود لاحظ ده فخلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتف يوسف
نام شوية يا حبيبي وأنا هفضل هنا
يوسف هز راسه برفض
لأ
ليه يا يوسف
عشان لما كنت صغير كنت بنام وماما كانت بتقولي إنها هتفضل جنبي ولما أصحى ألاقيها موجودة
محمود ابتسم بحزن
طب ما أنا هفضل جنبك لحد ما تصحى
يوسف بص له بريبة طفولية وقال
وعد
محمود مد إيده الصغيرة في إيديه
وعد
بعدها بدقايق غلب النوم يوسف ونام وهو قاعد على الكرسي والدبدوب في حضنه
محمود فضل باصص له فترة طويلة لحد ما موبايله رن
كان رئيس المباحث
رد محمود بسرعة
وصلتوا لإيه
الظابط قال
فريق المعاينة لقى آثار دم على الأرض جنب الصندوق وآثار عجلات عربية نقل صغيرة ولقينا كمان قطعة من شريط لاصق ملزوقة في الغطا من جوه
محمود عقد حواجبه
يعني الست اتحطت جوه الصندوق وهي لسه عايشة
أيوه يا فندم وده اللي هنحاول نثبته من خلال الأدلة وتقارير الطب الشرعي
محمود سكت شوية وبعدين سأله
والولد قال لكم إيه
رئيس المباحث تنهد وقال
لسه ما خدناش أقواله لأنه صغير وتعبان ومش عايزين نضغط عليه لكن فيه حاجة تانية
إيه هي
فيه كاميرات مراقبة لمحل قطع غيار في الشارع الجانبي ممكن تكون صورت عربية دخلت المنطقة بالليل وإحنا بنراجع التسجيلات
محمود قال بحسم
راجعوا كل كاميرا في المنطقة ومش