يـوسـف

لمحة نيوز

شبكة التلاعب المالي
أما الاعتداء على نادية فكان هدفه إجبارها على تسليم الملف والتوقيع على التنازلات قبل ما تتمكن من اللجوء للشرطة
لكن خطتهم فشلت بسبب طفل صغير رفض يصدق إن أمه راحت منه للأبد
بعد أيام من الخوف
بعد مرور أسبوع بدأت حالة نادية تتحسن بشكل ملحوظ
الدكتور سمح ليوسف يقعد جنبها وقت أطول وبقى يجيب لها رسومات عملها في المستشفى
كل يوم كان يرسم بيت صغير وشمس كبيرة وست ماسكة إيد طفل
وفي آخر كل رسمة كان يكتب بمساعدة الممرضة
أنا بحبك يا ماما
وفي يوم دخل محمود الغرفة ومعاه كيس صغير
يوسف جري عليه وسأله بفرحة
جبت إيه يا محمود بيه
محمود طلع من الكيس دبدوب جديد شبه الدبدوب القديم اللي يوسف كان ماسكه طول الوقت
يوسف بص للدبدوب وبعدين بص للدبدوب القديم اللي كان متحطوط على الكرسي
وقال
ده حلو أوي بس أنا مش هسيب دبدوبي القديم
محمود ضحك
ومين قال لك تسيبه
يوسف ضم الدبدوبين لبعض وقال
عشان القديم كان معايا لما كنت خايف والجديد هيبقى معايا لما أفرح
نادية ابتسمت ودموعها لمعت في عينيها
محمود حس إن الكلام البسيط ده لمس حاجة جواه كان ناسيها من سنين
قعد جنبها وقال
الشرطة خلصت جزء كبير من التحقيقات والملف اتسلم للنيابة وكل الأدلة بتتراجع رسمي
نادية سألته بقلق
يعني حقي هيرجع
محمود رد
هنفضل متابعين القضية لحد ما الحقيقة تظهر كاملة واللي عمل الغلط يتحاسب بالقانون
نادية بصت لابنها وقالت
أنا مش عايزة حاجة غير إني أربي يوسف في أمان وأخليه يكبر من غير ما يخاف من الناس
محمود سكت شوية وبعدين قال
عارفة يا نادية أنا عندي شركات ومباني وفنادق كتير لكن من سنين طويلة كنت فاكر إن النجاح معناه إنك تقدر تشتري أي حاجة تحتاجها
لحد ما شوفت ابنك واقف قدام صندوق الزبالة بيترجى الناس تساعده ومحدش كان مستعد يسمعه
أنا يومها مشيت وسِبته
نادية بصت له باستغراب
إنت كنت هناك من أول يوم
محمود هز راسه
أيوه وأنا مش هكدب عليكي وأقول لك إني كنت بطل من البداية
أنا كنت واحد من الناس اللي خذلوه
لكن لما رجعت الصبح وشوفته لسه مستني أمه فهمت إن أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان مش إنه يعجز عن المساعدة
أسوأ حاجة إنه يقدر يساعد ويختار يمشي
نادية ردت بهدوء
إنت رجعت يا محمود بيه وده اللي فرق
محمود بص ليوسف اللي كان بيلعب بالدبدوبين على الكرسي وقال
الفضل لابنك هو اللي علمني إن الشجاعة مش إنك ما تخافش
الشجاعة إنك تفضل تحاول حتى وإنت خايف ومحدش مصدقك
الحق رجع لأصحابه
بعد أسابيع من التحقيقات اتأكدت النيابة من صحة مستندات مهمة في الملف واتجمعت أدلة إضافية من حسابات الشركة وشهادات موظفين كانوا خايفين يتكلموا
وبدأت إجراءات القضية ضد سامح وفؤاد وكل شخص ثبت تورطه
أما مستحقات نادية المالية فبدأت إجراءات مراجعتها من خلال الجهات المختصة بعد ما ظهرت المستندات اللي بتوضح حقوق زوجها
محمود كمان ساعدها تتواصل مع محامٍ مستقل يتابع حقوقها من غير ما يطلب منها أي مقابل
وفي أول يوم خرجت فيه نادية من المستشفى كانت واقفة عند الباب مستندة على يوسف اللي كان ماسك إيدها بكل قوته
محمود كان مستنيهم بعربيته
يوسف جري عليه وقال
محمود بيه ماما هترجع البيت
محمود ابتسم
أيوه يا بطل هترجع بيتها وهتنام في سريرها وإنت هتفضل جنبها
يوسف بص له بجدية شديدة وقال
طب لو شفت حد تاني بيعيط في الشارع هتساعده
محمود حس إن السؤال أكبر من سن الطفل
نزل لمستواه وقال
هحاول أساعده على قد ما أقدر يا يوسف
الولد فكر شوية وبعدين قال
حتى لو هدومك اتوسخت
محمود ضحك من قلبه لأول مرة من أيام طويلة
حتى لو هدومي كلها اتوسخت يا سيدي
يوسف ابتسم وضم الدبدوب لصدره
وبعدها ركبوا العربية واتحركوا ناحية البيت
في الطريق كانت نادية باصة من الشباك على الشوارع اللي كانت بتخاف تمشي فيها لوحدها وبعدين بصت لابنها اللي كان بيتكلم بحماس عن الرسومات اللي هيعلقها في أوضته
لأول مرة من شهور حست إنها تقدر تتنفس من غير خوف
لكن الحكاية ما انتهتش عند رجوع نادية لبيتها
لأن محمود كان لسه محتاج يواجه نفسه
بعد يومين رجع لشركته وعقد اجتماع مع مديرين المشروعات
طلب منهم مراجعة نظام الشكاوى والتعامل مع العمال والموظفين وأي شخص بيطلب المساعدة من الإدارة
واحد من المديرين اعترض وقال
يا فندم إحنا شركة كبيرة ومش هنقدر نحل مشاكل كل الناس
محمود بص له وقال
أنا مش بطلب منك تحل مشاكل كل الناس
أنا بطلب منك ما تستهونش بمشكلة حد قبل ما تسمعه
وبعدين أضاف
الفلوس اللي بنصرفها على المباني مش هتخلينا محترمين لو إحنا مش قادرين نحترم الإنسان اللي واقف قدامنا
الاجتماع خلص ومحمود خرج لمكتبه
على المكتب كان فيه جاكيت البدلة الرمادي القديم
الجاكيت اللي يوسف وسخه يوم ما جري عليه يطلب منه ينقذ أمه
محمود كان يقدر يوديه المغسلة ويخليه يرجع جديد
لكنه قرر يحتفظ بيه زي ما هو
مش عشان يفتكر إنه أنقذ نادية
لكن عشان يفتكر إنه في البداية خذل يوسف وإنه كان ممكن يمشي للأبد لو ما رجعش في الصبح
وفي مساء يوم هادي بعد مرور شهر تقريبا كان محمود بيزور نادية ويوسف في بيتهم
البيت كان بسيط لكنه مليان حياة
نادية كانت بتحضر العشا ويوسف قاعد على الأرض بيرسم
أول ما شاف محمود جري عليه ورفع رسمة كبيرة قدامه
بص يا محمود بيه دي ليك
محمود أخد الرسمة وبص لها
كانت فيها عربية شرطة وصندوق زبالة أخضر وولد صغير ماسك إيد أمه وعلى الناحية التانية راجل طويل واقف جنبهم
فوق الرسمة يوسف كاتب بخط كبير ومتعرج
الناس مش كلها وحشة بس لازم نسمع بعض
محمود فضل باصص للكلام فترة طويلة
وبعدين سأل يوسف
هو أنا الراجل الطويل ده
يوسف هز راسه
أيوه عشان إنت رجعت تاني
محمود ضم الرسمة لصدره وقال
دي أحسن هدية أخدتها في حياتي
نادية خرجت من المطبخ وهي بتبتسم وقالت
يوسف كل يوم بيحكي عن اليوم اللي رجعت فيه
محمود بص للولد وقال
وأنا كمان عمري ما هنساه
يوسف قرب منه وسأله
طب يا محمود بيه هو إنت كنت خايف لما فتحت الصندوق
محمود فكر شوية وبعدين رد بصراحة
أيوه كنت خايف
يوسف سأله بفضول
طب ليه فتحته
محمود ابتسم وقال
عشان كنت خايف أرجع بيتي وأنام وأفضل فاكر صوتك وإنت بتقول إن أمك جوه ومحدش عايز يصدقك
يوسف هز راسه كأنه فهم الكلام بطريقته الخاصة وبعدين قال
يعني أنا لما كنت بخبط على الصندوق كنت شجاع
محمود قرب منه وحط إيده على كتفه
إنت كنت أشجع مني يا يوسف
لأنك ما كنتش عارف إذا كان فيه حد هيساعدك ولا لأ ومع ذلك فضلت تنادي على أمك لحد ما حد سمعك
الولد ابتسم وبعدين رجع يكمل رسمته
وفي اللحظة دي محمود فهم إن الطفل اللي قابله في الشارع ما كانش مجرد ولد محتاج مساعدة
كان سبب في إنه يكتشف إن الإنسان ممكن يمتلك الدنيا كلها ويكون فقير من جواه لو نسي يحس بغيره
أما يوسف فكبر وهو فاكر اليوم ده مش باعتباره اليوم اللي أمه كانت هتموت فيه
لكن باعتباره اليوم اللي عرف فيه إن صوته مهما كان ضعيف يقدر يوصل وإن الحقيقة مهما الناس كذبتها ممكن تظهر في النهاية
وإنه حتى لو كل الناس مشيت في طريقها وسابته لوحده لازم يفضل متمسك بالأمل
لأن أحيانا شخص واحد بس لما يقرر يسمعك ممكن
يغير مصير حياتك كلها
والدرس اللي فضل مع محمود طول عمره إنك ما تحكمش على صرخة استغاثة قبل ما تسمع صاحبها لأن اللحظة اللي بتعتبر فيها وجع غيرك مشكلة مش بتخصك ممكن تكون هي اللحظة اللي شخص بريء بيفقد فيها آخر أمل عنده
تمت.. روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط