الباروكه
روايات_مشيره_محمد
بصيت ليوسف وأنا حاسة إن قلبي بيتعصر من الخوف، وقلتله بصوت مهزوز
يوسف، حبيبي، بصلي... أنا أمك، ومهما كان اللي حصل، احكيلي. إنت عملت إيه؟
ابني رفع عينه ليا، وكانت عينيه مليانة دموع، لكنه ما اتكلمش.
أبو سلمى، اللي كان قاعد جنبه، خبط بإيده على المكتب وقال بعصبية
أنا مش فاهم إزاي ولد عنده أربعة عشر سنة يقدر يعمل حاجة بالحجم ده، وفي نفس الوقت يخبيها عن أمه!
بصيتله بصدمة وقلت
لو سمحت، أنا مش فاهمة أي حاجة. ممكن حد فيكم يفهمني إيه اللي حصل بدل ما أنا هموت من الخوف؟
مدير المدرسة، الأستاذ محمود، اتدخل بهدوء وقال
يا مدام نادية، إحنا نفسنا لسه بنحاول نفهم الصورة كاملة. أستاذ حسام، والد سلمى، هو اللي طلب الاجتماع ده بعد ما اكتشف حاجة مهمة جدًا.
بصيت لأبو سلمى، اللي اسمه حسام، وقلت
حاجة إيه؟
حسام حط إيده في جيب الجاكيت وطلع ظرف بني، حطه قدامه على المكتب، وبعدها بص ليوسف وقال
يا يوسف، آخر مرة هطلب منك تتكلم بنفسك.
يوسف مسح دموعه بطرف كم قميصه، وأخد نفس طويل، وبعدها قال بصوت مبحوح
يا ماما، أنا آسف.
الجملة دي لوحدها خوفتني أكتر.
قربت منه وقلت
آسف على إيه يا حبيبي؟
بصلي، وبعدين بص لأبو سلمى، وقال
أنا كنت عارف إن سلمى ممكن تفقد الأمل... وكنت خايف عليها.
حسام رد بسرعة
وده مش مبرر إنك تخبي الحقيقة عننا!
يوسف انتفض من صوته، وأنا وقفت بين الاتنين تقريبًا وقلت
من فضلك، سيبه يتكلم. أنا عايزة أسمع ابني.
يوسف سكت شوية، وبعدها بدأ يحكي.
من حوالي تلات شهور، كانت سلمى بدأت تدخل في مرحلة صعبة من العلاج.
شعرها كان راح كله تقريبًا، ووشها بقى شاحب، وجسمها ضعُف، وبقت بتغيب عن المدرسة أيام كتير.
يوسف كان بيزورها كل ما نقدر نروح، وكان بيحاول يضحكها ويحكيلها عن اللي بيحصل في الفصل، ويعمل نفسه إن الدنيا عادية.
لكن الحقيقة إن سلمى كانت بتتغير.
البنت اللي كانت دايمًا بتجري في الفسحة وتضحك بصوت عالي، بقت ساعات ترفض حتى تفتح كاميرا الموبايل لما أصحابها يكلموها.
وفي مرة، يوسف راح يزورها، لقاها قاعدة قدام المراية، لابسة طاقية صوف، وبتحاول تغطي راسها.
لما شافته، ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
إنت جيت ليه؟
يوسف استغرب السؤال.
يعني إيه جيت ليه؟ أنا مش صاحبك؟
ردت وهي باصة في المراية
ما أنا مش عايزة حد يشوفني كده.
قرب منها وقعد على الكرسي اللي جنبها.
كده إزاي؟
شالت الطاقية لحظة، وبصتله من خلال المراية.
أنا بقيت شكلي غريب يا يوسف. حتى لما ببص لنفسي، بحس إني مش أنا.
يوسف ما عرفش يرد.
كان نفسه يقولها إن شكلها ما اتغيرش في عينه، وإنها لسه نفس البنت اللي كان بيتخانق معاها على كرسي الشباك في الفصل، واللي كانت بتغششه في مسائل الحساب، واللي كانت بتضحك عليه لما يقع وهو بيلعب كورة.
لكنه كان عارف إن الكلام لوحده مش كفاية.
فقالها
طب إيه رأيك نعمل حاجة تخليكي تفرحي؟
سلمى هزت راسها.
مفيش حاجة هتفرق.
يوسف رجع البيت يومها وهو بيفكر في كلامها.
ولما عرف إن فيه جمعيات بتصنع بواريك من الشعر الطبيعي، قرر يطوّل شعره ويتبرع بيه.
كان متخيل إنه لما يديها الباروكة، هتشوف نفسها زي الأول، وترجع تضحك وتخرج وتتكلم مع الناس من غير ما تحس إنها مختلفة.
لكن اللي يوسف ما كانش يعرفه، إن المشكلة اللي كانت بتوجع سلمى ما كانتش كلها في شعرها.
كانت خايفة من حاجات أكبر بكتير.
يوسف كمل كلامه وهو بيبص للأرض
بعد ما سلمى أخدت الباروكة، كانت مبسوطة أوي يا ماما. فضلت تجربها وتبص في المراية، وبعدها حضنتني. بس لما روحت، بعتتلي رسالة بالليل.
أنا سألته
رسالة إيه؟
يوسف طلع موبايله بإيد بتترعش، وفتحه، وبعدها مدّهولي.
كانت رسالة من سلمى مكتوب فيها
يا يوسف، أنا فرحت بالباروكة أكتر من أي حاجة من زمان، بس أنا خايفة.
وتحتها رسالة تانية
أنا سمعت الدكتور بيتكلم مع بابا وماما عن نتيجة التحاليل، وحسيت إنهم مخبيين عني حاجة. كل ما أسألهم يقولولي متقلقيش. أنا تعبت من إني أبقى آخر واحدة تعرف أي حاجة عن حياتي.
قلبي وجعني وأنا بقرأ الكلام.
يوسف كمل
أنا فضلت أسألها هي تقصد إيه، لكنها قالتلي إنها مش قادرة تتكلم، وإنها نفسها تعرف الحقيقة. وأنا وعدتها إني هساعدها.
هنا حسام اتكلم لأول مرة من غير عصبية، وقال
وعدتها بإيه بالظبط؟
يوسف بلع ريقه وقال
وعدتها إني مش هسيبها لوحدها، وإنها لو خايفة من حاجة، هسمعها.
حسام هز راسه وقال
وده كل اللي حصل؟
يوسف سكت.
وهنا حسيت إن فيه حاجة تانية لسه مستخبية.
مسكت إيده وقلت
يا يوسف، كمل. مهما كان اللي حصل، لازم نعرف الحقيقة.
ابني أخد نفس عميق، وقال
بعدها بيومين، سلمى قالتلي إنها سمعت بابا بيقول لماما إنه لازم يكلم الدكتور بخصوص تغيير العلاج، وإن فيه ورق لازم يتراجع. هي افتكرت إن حالتها بقت أسوأ، وإنهم مش عايزين يقولولها.
حسام حط إيده على وشه، وكأنه بدأ يفهم ابنه كان بيفكر إزاي.
يوسف كمل
أنا خفت عليها، فقلت لها إني هحاول أفهم إيه اللي بيحصل. هي طلبت مني ما أقولش لحد إنها كلمتني، لأنها كانت خايفة بابا يزعل منها.
بصيت لابني بعتاب ممزوج بالخوف.
بس يا يوسف، إنت مش المفروض تشيل مسؤولية زي دي لوحدك. كان لازم تيجي تقولي.
رد بسرعة
عارف يا ماما، وأنا غلطان إني ما قلتلكيش. بس أنا كنت فاكر إن لو عرفت، هتقولّي ما أتدخلش، وإن الموضوع مش بتاعنا.
ما قدرتش أرد.
لأن جزءًا مني كان عارف إنه ممكن يكون عنده حق في الحتة دي. ساعات الكبار، من كتر خوفهم على الأطفال، بيخلّوهم يحسوا إن أسئلتهم مالهاش مكان، وإن مشاعرهم أقل أهمية من قرارات الكبار.
لكن حسام كان لسه عنده سؤال.
بص ليوسف وقال
طب والورق اللي في الظرف ده؟
يوسف غمض عينيه.
وبعدين قال الجملة اللي غيّرت كل حاجة
أنا دخلت أوضة المكتب عند سلمى من غير إذن، وشفت ورقة عليها اسمها... وخدتها صورة بالموبايل.
حسام وقف مرة واحدة.
إنت عملت إيه؟!
أنا اتخضيت وقلت
يوسف! دخلت مكتبهم إزاي؟
يوسف بدأ يعيط.
أنا عارف إني غلطان! بس أنا ما كنتش عايز أسرق حاجة، والله. أنا كنت خايف تكون سلمى عندها حق، وإنهم مخبيين عنها إنها بتموت.
الكلمة الأخيرة وقعت على المكتب زي الحجر.
حسام رجع قعد، وشكله اتغير.
أما أنا، فحسيت إن الدنيا بتلف بيا.
مدير المدرسة قال بهدوء
طيب، خلينا نفصل بين خوف يوسف وتصرفه الغلط، ونفهم الورقة بتقول إيه.
حسام فتح الظرف وطلع منه صورة ورقة طبية.
كانت فيها بيانات سلمى، وتحتها ملاحظات عن مراجعة الخطة العلاجية، وطلب فحوصات إضافية، وتقييم لاستجابتها للعلاج.
ما كانش فيه أي جملة بتقول إن الأطباء فقدوا الأمل، ولا إن حالتها ميؤوس منها.
حسام بص للصورة وقال
دي نسخة من تقرير قديم نسبيًا. إحنا فعلًا كنا بنراجع الخطة العلاجية، لكن مش بالشكل اللي يوسف تخيله.
بصيتله وقلت
يعني سلمى مش عارفة تفاصيل حالتها؟
حسام سكت شوية قبل ما يرد.
إحنا كنا بنحاول نحميها. في البداية، لما النتائج ما كانتش واضحة، مراتي وأنا اتفقنا إننا ما نقلقهاش غير لما يبقى عندنا كلام مؤكد من الدكتور.
قلتله
بس هي كده عاشت في خوف أكبر. لما الطفل يحس إن كل اللي حواليه بيخبوا عنه حاجة، خياله ممكن يوديه لأصعب احتمال.
حسام نزل عينه.
أنا عارف دلوقتي إننا غلطنا في الطريقة.
لكن لسه ما كنتش فاهمة ليه طلب مقابلتي في