الباروكه

لمحة نيوز

كل واحد فينا اتعلم حاجة مهمة.
يوسف اتعلم إن الحب مش بيدينا الحق نتجاوز حدود غيرنا.
وحسام ومنى اتعلموا إن حماية أولادهم مش معناها إنهم يبعدوهم عن الحقيقة، لكن إنهم يواجهوا الحقيقة معاهم، خطوة بخطوة.
أما سلمى، فكانت أخيرًا حاسة إن صوتها مسموع.
بعد يومين، حسام ومنى أخدوا سلمى لموعدها مع طبيب الأورام، وطلبوا منه يشرح لها وضعها وخطة العلاج بطريقة تناسب سنها.
يوسف ما راحش معاهم، لأنه ما كانش جزءًا من القرارات الطبية، لكنه بعت لسلمى رسالة قبل ما تدخل.
مش لازم تردي عليّا دلوقتي. أنا بس عايزك تعرفي إني موجود لو احتجتي تتكلمي بعدين.
سلمى ردت عليه بعد ساعات
الدكتور شرحلي كل حاجة. لسه فيه فحوصات وعلاج، ولسه الطريق طويل، بس على الأقل بقيت فاهمة إحنا بنعمل إيه وليه. أنا لسه خايفة، بس مش حاسة إني لوحدي زي الأول.
يوسف رد
أنا مش هقدر أشيل المرض عنك، بس أقدر أكون صاحبك زي ما كنت دايمًا.
وبعدها رجعوا يتكلموا عن المدرسة، والواجبات، والمدرس اللي بيدي امتحانات مفاجئة، وزميلهم اللي وقع في الفسحة وهو بيحاول يستعرض قدام البنات.
حاجات عادية جدًا.
لكن بالنسبة لسلمى، الحاجات العادية دي كانت مهمة، لأنها فكّرتها إنها لسه بنت عندها حياة، مش مجرد مريضة سرطان.
بعد أسابيع، المدرسة أعلنت عن نشاط لدعم الأطفال اللي بيمروا بتجارب علاج صعبة، بالتعاون مع جمعية بتساعد في توفير الشعر الطبيعي لصناعة البواريك.
مدير المدرسة طلب من يوسف يشارك ويحكي عن تجربته، لكنه رفض في البداية.
قال لي
يا ماما، أنا مش عايز الناس تعرف تفاصيل سلمى من غير ما هي توافق.
فرحت من كلامه، وقلتله
كده إنت اتعلمت أهم درس.
بعدها، يوسف اتكلم مع سلمى، وسألها إذا كانت تحب تشارك في النشاط، من غير ما يحكي أي تفاصيل عن علاجها.
سلمى وافقت، بشرط إنها هي اللي تختار إيه اللي هيتقال.
وفي يوم النشاط، وقف يوسف قدام زمايله، وشعره كان قصير، ووشه فيه ابتسامة هادية.
قال
أنا كنت فاكر إن لما أعمل حاجة كبيرة، زي إني أطوّل شعري شهور وأتبرع بيه، هقدر أخلي صاحبتي تبقى مبسوطة. وده فعلًا فرّحها، وأنا كنت سعيد بده. لكن اتعلمت إن مساعدة حد مش دايمًا معناها إننا نعمل حاجة بإيدينا. ساعات معناها إننا نسمعه، ونحترم قراراته، وما نفترضش إننا عارفين هو محتاج إيه من غير ما نسأله.
الفصل كله كان ساكت.
يوسف كمل
أنا كمان اتعلمت إننا مش لازم نكون أبطال عشان نساعد حد. إحنا بس محتاجين نبقى موجودين، ونحترم بعض، ونعرف إمتى نطلب مساعدة من الكبار.
بعد ما خلص، سلمى طلعت ووقفت جنبه.
كانت لابسة الباروكة، وابتسامتها رجعت تظهر على وشها أكتر من الأول.
قالت قدام زمايلها
أنا كنت فاكرة إن أصعب حاجة في المرض إني فقدت شعري. لكن اكتشفت إن فيه حاجات تانية بتوجع، زي إنك تحس إنك لوحدك، أو إن الناس مش عايزة تسمعك عشان فاكرين إنهم كده بيحموك. أنا مش محتاجة حد يعاملني كأني ضعيفة. أنا محتاجة الناس تسمعني، وتفضل شايفاني سلمى اللي يعرفوها.
بعد النشاط، زمايل يوسف اللي كانوا بيتريقوا عليه بسبب شعره الطويل، جم اعتذروا له.
واحد منهم قال
بصراحة، إحنا كنا فاكرين إنك مطوّل شعرك عشان تلفت النظر. ما كناش نعرف إنك بتعمل كده عشان صاحبتك.
يوسف ابتسم وقال
حتى لو ما كنتوش تعرفوا السبب، ده ما كانش يديكم الحق تتريقوا عليّا.
الولد هز راسه وقال
عندك حق.
والموضوع انتهى من غير خناقة، ولا مشهد انتقام، ولا حد احتاج يثبت إنه أقوى من التاني.
مجرد اعتذار، ودرس اتعلمه أكتر من شخص.
عدّت الشهور، وسلمى فضلت بتتابع علاجها وفحوصاتها مع أهلها وفريقها الطبي.
كان فيه أيام صعبة، وأيام أحسن، وأوقات كانت بتحتاج فيها ترتاح من الكلام عن المرض كله.
ويوسف فضل صاحبها.
كان بيبعتلها صور الواجبات لما تغيب، ويحكيلها عن مواقف المدرسة، ويسألها قبل ما يزورها إذا كانت حابة تستقبل حد ولا محتاجة ترتاح.
وفي يوم، بعد ما عدّى وقت طويل على حكاية الباروكة، كنت قاعدة في الصالة، ويوسف دخل عليّا وهو ماسك علبة صغيرة.
قال
يا ماما، فاكرة اليوم اللي رحنا فيه الجمعية عشان أقص شعري؟
ابتسمت.
طبعًا فاكرة. ده يوم مش هنساه طول عمري.
فتح العلبة، وطلع منها خصلة صغيرة من شعره كانت الجمعية محتفظة بيها كتذكار بعد التبرع، مع بطاقة شكر.
بص للخصلة وقال
أنا وقتها كنت فاكر إن دي أكبر حاجة أقدر أعملها لسلمى. بس دلوقتي عرفت إن الموضوع ما كانش في الشعر نفسه.
سألته
أمال كان في إيه؟
ابتسم وقال
في إني أتعلم أكون صاحب أحسن. إني ما أقررّش عنها، وما أخبيش عنك خوفي، وما أفتكرش إن لازم أحل كل حاجة لوحدي.
حضنته وقلتله
أنا فخورة بيك يا يوسف، مش عشان شعرك طول أو قصير، ولا عشان الناس قالت عليك بطل. أنا فخورة بيك عشان لما عرفت إنك غلطت، قدرت تعترف وتتعلم.
يوسف سكت شوية، وبعدها قال
عارفة يا ماما؟ سلمى قالتلي إن الباروكة خلتها تبص في المراية وتفتكر إنها لسه هي. لكن اللي ساعدها أكتر إنها عرفت إنها تقدر تتكلم عن خوفها من غير ما حد يزعل منها.
ابتسمت وأنا بحس إن عيني بتدمع.
لأن ده كان المعنى الحقيقي للحكاية كلها.
مش مجرد ولد طوّل شعره عشان يعمل باروكة لصاحبته.
لكن ولد صغير اتعلم إن الحب مش بطولة ولا تضحية وخلاص، وإن أحيانًا أصعب حاجة نعملها هي إننا نسمع الشخص اللي بنحبه من غير ما نفرض عليه إحنا شايفين إيه الصح.
وأب وأم اتعلموا إن السكوت مش دايمًا حماية، وإن الحقيقة، حتى لما تكون صعبة، لازم تتقال برحمة وصدق.
وبنت اتعلمت إن المرض ممكن يغيّر حاجات كتير في حياتها، لكنه ما يقدرش ياخد منها حقها في إنها تفهم، وتسأل، وتخاف، وتضحك، وتحلم، وتعيش سنها زي أي بنت تانية.
وفي النهاية، اكتشفت إن الباروكة اللي بدأت الحكاية ما كانتش مجرد شعر طبيعي اتعمل عشان يغطي راس سلمى. كانت بداية طريق خلت كل واحد فيهم يشوف التاني بطريقة مختلفة.
يوسف فهم إن الصداقة مش معناها إنك تنقذ صاحبك من كل وجع، لكن إنك تفضل جنبه من غير ما تسلبه حقه في الاختيار.
وسلمى فهمت إنها مش مضطرة تواجه خوفها بابتسامة طول الوقت.
وحسام ومنى فهموا إن أولادهم مش محتاجين أهل يخفوا عنهم كل حقيقة، قد ما محتاجين أهل يقدروا يواجهوا معاهم الحقائق الصعبة.
أما أنا، ففضلت فاكرة اليوم اللي دخلت فيه مكتب المدير وأنا مرعوبة، وفاكرة الجملة اللي قالها حسام
إنتِ عندك فكرة ابنك عمل إيه؟
ساعتها افتكرت إنه أكيد عمل مصيبة.
لكن الحقيقة إن ابني عمل حاجة غلط، وحاجة جميلة في نفس الوقت.
غلط لما تعدّى حدود مش من حقه يتعداها، وجميل لما حاول يخفف عن صاحبة عمره.
والفرق بين الاتنين هو اللي علّمه يكبر.
لأن مش كل حكاية بتبدأ بخوف بتنتهي بخسارة، ومش كل شخص بيغلط بيكون شخص سيئ. ساعات الغلط بيكون أول خطوة لفهم أعمق، بشرط إننا نمتلك الشجاعة نعترف بيه ونصلحه.
روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط