غامض روايات مشيرة محمد
روايات_مشيره_محمد
عمري ما كنت أتخيل إن طبق الأكل اللي أمي كانت بتحطه كل يوم ورا البيت، هيكون سبب في حكاية عمري ما هنساها طول حياتي.
أنا اسمي شروق، عندي 28 سنة، وعايشة مع أمي في بيتنا القديم في منطقة شعبية في طنطا.
أبويا مات وأنا عندي 8 سنين، ومن يومها وأمي، الحاجة عفاف، وهي شايلة البيت كله على كتافها. اشتغلت في الخياطة، وكانت بتصحى من الفجر علشان تقدر توفرلنا أنا وأخويا لقمة العيش.
كانت ست بسيطة، لكن قلبها كبير بطريقة عمري ما شفتها في حد تاني.
من حوالي 20 سنة، ظهر طفل صغير في الشارع اللي جنب بيتنا.
كان عنده تقريبًا 7 سنين، هدومه مقطعة، وشعره طويل ومتشابك، ووشه دايمًا عليه تراب. مكنش بيتكلم مع حد، وكان بينام في مكان مهجور ورا بيتنا، جنب مخزن قديم كان صاحبه قافله من سنين.
أول مرة أمي شافته كانت في عز الشتا.
كنت وقتها صغيرة، وراجعة من المدرسة، لقيت أمي واقفة في المطبخ بتحط أكل في طبق كبير.
سألتها
بتعملي إيه يا ماما؟ إحنا لسه متغديين.
قالتلي وهي بتغطي الطبق
ده مش لينا يا بنتي.
أمال لمين؟
للواد الصغير اللي بينام ورا البيت.
بصتلها باستغراب وقلت
هو إنتِ تعرفيه؟
لأ، بس كل يوم بشوفه قاعد هناك، وشكله غلبان ومفيش حد بيسأل فيه.
طب ما يمكن يكون بيشتغل مع ناس وبيستخبى هنا!
بصتلي أمي بعتاب وقالت
يا شروق، حتى لو غلطان، هو في الآخر طفل. والطفل اللي جعان مش محتاج حد يحاسبه، محتاج حد يأكّله.
خرجت أمي بالطبق، وبعد شوية رجعت وهي مبتسمة.
سألتها
أكله؟
قالتروايات_مشيره_محمد
أيوه، وكان جعان أوي. أكل بسرعة كأنه بقاله يومين مشافش أكل.
ومن اليوم ده بدأت الحكاية.
كل يوم أمي كانت بتعمله طبق أكل، مرة رز وخضار، ومرة مكرونة، ومرة فول وعيش، ولو فيه لحمة كانت بتحطله حتة كبيرة.
وفي يوم رجعت أمي من بره ومعاها جاكيت قديم لأخويا.
قلت لها
إيه ده؟
قالت
هديه للواد، الجو بقى برد ومش معقول يفضل بالهدوم الخفيفة دي.
قلت لها وأنا متضايقة شوية
يا ماما، إحنا مش ناقصين. إنتِ بتصرفي عليه أكتر ما بتصرفي علينا!
سكتت أمي لحظة، وبعدين قالتلي
أنا مش باخد من حقكم حاجة يا بنتي. بس ربنا رزقنا بلقمة، وفيه طفل مش لاقيها. هو أنا لو أكلته هنجوع؟
مكنتش مقتنعة بكلامها وقتها، لكني سكت.
بعد كام يوم، الطفل بدأ يقرب من البيت.
كان واقف بعيد، مستني أمي تخرج بالطبق.
وفي يوم، أمي نادته
تعالى يا حبيبي، متخافش.
فضل واقف مكانه.
قالتله
اسمك إيه يا ابني؟
رد بصوت واطي
ياسين.
عندك كام سنة يا ياسين؟
معرفش.
استغربت أمي وقالت
يعني إيه متعرفش؟
رد وهو باصص للأرض
معرفش أنا اتولدت إمتى.
أمي قربت منه وناولته الطبق.
طب تعالى اقعد هنا وكل براحتك.
الولد مسك الطبق بإيدين بيرتعشوا، وقعد على كرسي صغير جنب الباب.
فضل ياكل، وكل شوية يبص لأمي كأنه مش مصدق إن فيه حد ممكن يديه أكل من غير ما يطلب منه حاجة في المقابل.
بعد ما خلص، قام ووقف قدامها.
قالها
شكراً يا طنط.
أمي ابتسمت
العفو يا حبيبي. بس اسمع، من بكرة لما تيجي تاخد الأكل، متقفش بعيد. اخبط على الباب وأنا هطلعلك.
ومن يومها بقى ياسين جزء من يومنا.
مرت السنين، وياسين كبر قدام عيني.
في الأول كان طفل خايف من كل حاجة، وبعدها بدأ يتكلم ويحكي شوية عن نفسه.
قال لأمي إنه كان عايش مع أمه في منطقة بعيدة، وإنها ماتت وهو صغير، وإنه بعد وفاتها اتنقل بين بيوت ناس كتير، لكن محدش كان بيستحمله.
وفي مرة سألته أمي
طب أبوك فين يا ياسين؟
سكت شوية، وبعدين قال
معرفش. أمي كانت بتقول إنه مسافر، بس أنا عمري ما شفته.
أمي حاولت تعرف إذا كان ليه قرايب، لكنه مكنش فاكر أسماء حد.
كانت نفسها توديه ملجأ أو جهة تساعده، لكن ياسين كان بيرفض بشدة.
كان بيقول
أنا مش عايز أروح مكان تاني. أنا مرتاح هنا.
وفي يوم، أمي قالتله
يا ياسين، إنت مش لازم تفضل في الشارع. إنت تستاهل تعيش زي باقي العيال، تروح مدرسة وتتعلم.
رد عليها
هو ينفع أروح المدرسة وأنا معنديش ورق؟
أمي بصتله بحزن.
هنشوف حل يا حبيبي.
وبالفعل، بمساعدة واحدة جارتنا كانت بتشتغل في جمعية خيرية، قدروا يوصلوا لجهة تساعده، وبعد محاولات طويلة اتعملت له أوراق واتفتح قدامه باب التعليم.
أمي كانت فرحانة بيه كأنه ابنها.
كانت تصحى الصبح تجهزله سندوتشات، وتستناه بعد المدرسة علشان تعرف عمل إيه.
وفي يوم رجع البيت ومعاه كراسة.
قالها بفرحة
يا طنط عفاف، شوفي أنا كتبت اسمي!
أمي أخدت الكراسة وبصت للاسم، ودموعها نزلت.
برافو عليك يا حبيبي. ربنا يفتحها في وشك.
قالها
أنا لما أكبر هبقى غني.
ضحكت أمي وقالت
وليه يعني؟
رد بمنتهى الجدية
علشان أجيبلك بيت كبير، ومتبقيش بتتعبي في الخياطة.
أمي ضحكت ومسحت على راسه.
أنا مش عايزة منك غير إنك تبقى راجل كويس.
لكن ياسين مكنش بينسى أي حاجة.
كل كلمة طيبة، كل طبق أكل، كل مرة أمي سألته فيها عن يومه، كانت بتفضل في ذاكرته.
مرت عشر سنين.
ياسين بقى شاب عنده حوالي 17 سنة، طويل وهادي، ومجتهد جدًا.
كان بيشتغل بعد المدرسة في ورشة نجارة، ويوفر جزء من فلوسه علشان يكمل تعليمه.
أمي كانت بتزعقله كل ما تعرف إنه بيشتغل ساعات طويلة.
يا ابني إنت لسه صغير، ركز في دراستك وسيب الشغل ده.
يرد عليها
أنا مش عايز أفضل حمل على حد يا طنط.
وإنت حمل على مين؟ هو أنا قلتلك قبل كده إنك حمل عليا؟
كان يبتسم ويقول
عشان كده أنا بحبك.
في الفترة دي، أمي بدأت تتعلق بيه جدًا، لدرجة إنها كانت بتعتبره واحد من ولادها.
أخويا محمود كان ساعات يهزر ويقوله
إنت يا ياسين، أمي بتحبك أكتر مني.
فيرد ياسينروايات_مشيره_محمد
دي أمك إنت، وأنا مليش أم.
ومجرد ما كان يقول الجملة دي، أمي كانت بتسكت وتدخل المطبخ علشان تخبي دموعها.
وفي يوم، حصل موقف غريب.
كنت واقفة في البلكونة، وشفت ياسين بيتخانق مع راجل كبير في الشارع.
الراجل كان بيزعقله
إنت فاكر نفسك بقيت حد؟ إنت أصلك إيه أصلاً؟
ياسين كان واقف ساكت، لكن عينيه مليانة غضب.
نزلت بسرعة، ولما وصلت لقيت الراجل بيقوله
إنت مش ابن حد، ومفيش حد يعرفك. خليك فاكر مقامك.
ياسين رد لأول مرة بصوت عالي
أنا ممكن أكون مليش أهل، بس مش معنى كده إني مليش كرامة.
الراجل مشي، وياسين قعد على الرصيف وحط إيده على وشه.
قربت منه وقلت
مالك يا ياسين؟
قال
مفيش.
متكدبش، أنا سمعت اللي حصل.
رفع عينه ليا وقال
هو أنا فعلًا مليش حد؟
معرفتش أرد.
قال وهو بيحاول يمنع دموعه
أنا ساعات بحس إن كل الناس عندها حكاية، إلا أنا. مش عارف أنا ابن مين، ولا اتولدت فين، ولا ليه محدش دور عليا.
قلتله
عندك أمي.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
عارف. وعشان كده أنا لسه واقف على رجلي.
بعد سنين، ياسين اتخرج من معهد فني، واشتغل في شركة مقاولات صغيرة.
كان شاطر جدًا، وبيتعلم بسرعة.
وبعد فترة، بدأ يشتغل في شركة أكبر، وسافر القاهرة علشان شغله.
قبل ما يسافر، جه عندنا البيت.
كان شايل شنطة صغيرة، وفي إيده علبة حلويات.
أمي أول ما شافته قالت
إيه