غامض روايات مشيرة محمد
مين أو معاه كام.
وبعدين طلع ورقة تانية.
قال
دي وصية ياسين، وطلب مني أقرأها قدامكم.
فتح الورقة وبدأ يقرأ.
أنا ياسين فؤاد الشناوي، أو ياسين ابن الحاجة عفاف زي ما كنت بحب أعرّف نفسي، أوصي بأن تحصل الحاجة عفاف على المنزل اللي كانت عايشة فيه، وأن تتحمل الشركة جميع مصاريف علاجها واحتياجاتها مدى الحياة.
وأوصي بتخصيص مبلغ مالي لتأسيس جمعية خيرية لرعاية الأطفال بلا مأوى، على أن تحمل الجمعية اسم أمي عفاف.
وأطلب من كل شخص يعرفني إنه يفتكر إن الإنسان مش بيتقاس بالبيت اللي اتولد فيه، ولا بالفلوس اللي ورثها، لكن بالخير اللي بيعمله في حياة غيره.
أمي فضلت ساكتة.
وبعدين سألت المحامي
هو أنا كنت بطعمه علشان آخد كل ده؟
المحامي اتفاجئ من السؤال.
طبعًا لأ يا حاجة.
قالت وهي بتمسح دموعها
أنا كنت بديه طبق أكل، وكنت بعمل كده علشان ربنا. مكنتش أعرف إنه ابن رجل غني، ولا إنه هيبقى معاه فلوس.
المحامي ابتسم.
وهو عارف ده كويس جدًا. وعلشان كده اختارك إنتِ.
بعد يومين، جالنا اتصال من رقم غريب.
رديت، وكان المتصل راجل صوته حاد.
أنا شادي الشناوي، أخو ياسين.
قلتله
أهلًا، خير؟
قال
أنا عايز أقابل الحاجة عفاف بخصوص موضوع الوصية.
قلتله
ممكن تتفضل.
بعد ساعة، وصل شادي البيت.
كان شاب في أواخر الثلاثينات، لابس غالي، وساعته شكلها أغلى من شقتنا كلها.
دخل وبص حواليه باستخفاف.
قال
هو ده البيت اللي ياسين كان بيجيله؟
أمي ردت بهدوء
أيوه يا ابني.
قعد على الكرسي وقال من غير مقدمات
أنا عايز أفهم إيه اللي حصل بالظبط. إزاي واحد يوصي بكل الممتلكات دي لست غريبة؟
أمي اتنرفزت.
أنا مش غريبة عنه.
رد بسخرية
حضرتك كنتي بتأكليه وخلاص، وده شيء كويس، لكن مش معناه إنك بقيتي أمه.
أمي بصتله بوجع.
أنا عمري ما قلت إني أمه اللي ولدته، لكن كنت أمه اللي خافت عليه وهو جعان، واللي كانت بتستناه لما يتأخر، واللي كانت بتسأل عليه لما يمرض.
شادي ضحك باستخفاف.
الكلام ده كله جميل، بس الفلوس دي ملك العيلة.
قلتله
لو عندك اعتراض، اتكلم مع المحامي.
قام من مكانه وقال
أنا مش هسيب الموضوع ده يعدي بسهولة.
وقبل ما يمشي، بص لأمي وقال
نصيحتي ليكي، متدخليش نفسك في مشاكل أكبر منك.
بعد ما خرج، أمي قعدت على الكرسي وفضلت ساكتة.
قلت لها
متخافيش يا ماما، إحنا معملناش حاجة غلط.
ردت
أنا مش خايفة على نفسي، أنا خايفة إنهم يضيعوا حق ياسين.
بعد أسبوع، المحامي اتصل بينا وقال إن فيه جلسة لمناقشة الاعتراض اللي قدمه شادي على الوصية.
روحنا المكتب، وهناك قابلنا شادي ومعاه محاميين.
أول ما شاف أمي قال
أتمنى تكوني فكرتي في كلامي.
أمي مردتش.
المحامي بتاع ياسين بدأ يعرض الأوراق، وأثبت إن الوصية مكتوبة بشكل قانوني، وإن ياسين كان واعي ومدرك وقت تحريرها.
لكن محامي شادي قال
موكلنا بيشكك في سلامة الحالة النفسية للمتوفى وقت كتابة الوصية، خصوصًا إنه كان بيعاني من مرض خطير.
أمي اتخضت.
يعني إيه؟ هو ابني كان مش في وعيه؟
المحامي طمنها
متقلقيش، كل حاجة موثقة.
وفجأة، المحامي طلب تشغيل تسجيل صوتي.
كان تسجيل لياسين قبل وفاته بشهر تقريبًا.
سمعنا صوته واضح
أنا ياسين فؤاد الشناوي، وبأكد إن كل القرارات اللي اتخذتها بخصوص ممتلكاتي ووصيتي كانت بإرادتي الكاملة، ومن غير أي ضغط من أي شخص.
وأنا عارف إن فيه ناس هتستغرب إني خصصت جزء كبير من فلوسي لست اسمها عفاف، لكن اللي عاش من غير أم، يعرف قيمة إن حد يحطلك طبق أكل ويسألك إنت كويس ولا لأ.
أنا مش بردلها تمن الأكل، لأن مفيش فلوس تقدر ترد تمن الحنية.
أنا بس بحاول أقولها شكرًا، بالطريقة الوحيدة اللي أقدر عليها.
أمي انفجرت في العياط.
حتى شادي نزل عينه للأرض.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
المحامي طلب عرض مستند تاني.
وقال
فيه كمان تسجيل من كاميرات الشركة، يوضح إن ياسين تعرض لضغط شديد علشان يتنازل عن ممتلكاته.
شادي قام فجأة.
أنا مش هسمح بالكلام ده!
المحامي رد بهدوء
التسجيل موجود، وإحنا مش بنوجه اتهام لحد من غير دليل.
بعدها اتعرضت رسائل ومحادثات تثبت إن شادي كان بيهدد ياسين ويضغط عليه.
القاضي قرر تأجيل الفصل في الاعتراض لحين مراجعة المستندات.
خرجنا من الجلسة، وشادي كان وشه أحمر من الغضب.
قرب من أمي وقال
إنتِ مش هتتهني بالفلوس دي.
أمي بصتله وقالت
أنا مش عايزة فلوس أبوك ولا فلوسك. أنا كنت عايزة ياسين يعيش، بس إنتوا مش فاهمين يعني إيه حد يبقى عنده ابن ويروح منه.
وسابته ومشيت.
بعد حوالي شهر، المحكمة رفضت الاعتراض، وثبتت الوصية بعد مراجعة المستندات.
لكن أمي رفضت تنتقل للقصر اللي كان ياسين عايش فيه آخر أيامه.
المحامي حاول يقنعها.
يا حاجة، ده حقك، وياسين كان نفسه تشوفي المكان.
ردت
أنا مش محتاجة قصر يا ابني. أنا محتاجة أسمع صوته وهو بيخبط على الباب ويقولي جعان.
لكن كان فيه حاجة تانية ياسين كاتبها في خطاب منفصل.
المحامي سلمهولنا بعد انتهاء الإجراءات.
فتحناه، ولقينا مكتوب
أمي عفاف...
لو رفضتي تاخدي أي حاجة من اللي سيبتها، فأنا عارفك كويس، وهتعملي كده.
بس فيه طلب واحد أتمنى متكسريش خاطري فيه.
فيه أطفال كتير عايشين في الشوارع زي ما كنت أنا. أطفال ممكن يكبروا وهم فاكرين إن الدنيا كلها قاسية، لمجرد إن محدش وقف معاهم يوم.
أنا عايزك تفتحي مكان صغير ليهم.
مش دار أيتام كبيرة، ولا مؤسسة فيها أبواب مقفولة.
عايز مكان يدخلوا فيه يلاقوا أكل، وهدوم نضيفة، وحد يسمعهم.
عايز كل طفل يدخل المكان ده يحس إنه مش عبء على حد.
وسميه بيت عفاف.
علشان أنا طول عمري كنت بعتبر بيتك هو بيتي.
أمي فضلت ماسكة الورقة، وبعدها بصتلي وقالت
شروق، هننفذ وصيته.
قلت لها
هنبدأ منين؟
ردت
من المكان اللي كان بينام فيه أول مرة.
بعد شهور من الإجراءات، اشترينا المخزن القديم اللي كان ورا بيتنا، واتحول لمكان كبير ونضيف.
عملنا فيه مطبخ، وغرف نوم، وفصل صغير للتعليم، ومكان للعب.
وافتتحنا الجمعية باسم بيت عفاف لرعاية الأطفال.
يوم الافتتاح، أمي أصرت تلبس نفس الفستان البسيط اللي كانت بتلبسه وهي بتطلع لياسين طبق الأكل.
كان فيه أطفال كتير حضروا، وبعض المتطوعين، وناس من المنطقة.
وقفت أمي قدامهم وقالت
أنا مش هقولكم إني هقدر أحل كل مشاكلكم، لكن أوعدكم إن محدش فيكم هينام جعان طول ما المكان ده مفتوح. واللي محتاج يسمع كلمة حلوة، هيلاقي حد يسمعه.
واحد من الأطفال رفع إيده وقال
هو إحنا ممكن ناكل هنا كل يوم؟
أمي ابتسمت وقالت
مش بس تاكلوا، ده إنتوا كمان هتتعلموا وتلعبوا وتكبروا وتبقوا أحسن ناس في الدنيا.
الطفل ابتسم وجري ناحية المطبخ.
أمي فضلت تبص عليه، وبعدها دموعها نزلت.
قربت منها وقلت
مالك يا ماما؟
قالت
افتكرت ياسين أول يوم جه فيه. كان واقف بعيد وخايف ياخد الطبق.
حضنتها وقلت
هو دلوقتي مبقاش جعان يا ماما.
بصت للسما وقالت
ربنا يرحمك يا ابني.
بعد سنة، الجمعية بقت معروفة في المنطقة.
بقينا بنستقبل أطفال من أماكن مختلفة، وبنساعدهم يرجعوا التعليم، ونوصلهم بأسرهم لما يكون فيه فرصة آمنة لكده.
وفي يوم، دخل علينا ولد صغير اسمه آدم، عنده حوالي 9 سنين.
كان هادي جدًا، ومش بيرضى يقعد مع باقي الأطفال.
أمي لاحظته، وقربت منه وهي شايلة طبق أكل.
قالتله
مالك يا حبيبي؟ مش جعان؟
رد
لأ.
طب ليه مش بتاكل؟
قال وهو باصص للأرض
محدش بيحبني.
أمي سكتت لحظة، وبعدين قعدت جنبه.
مين قالك كده؟
كل الناس بتزعقلي، وبيقولولي إني مش مرغوب فيا.
أمي مسحت على شعره وقالت
بص يا آدم، ساعات الدنيا بتخلينا نحس إننا لوحدنا، بس ده مش معناه إننا ملناش قيمة. إنت ليك قيمة كبيرة، ومش لازم تعمل حاجة علشان تستحق إن حد يحبك.
الولد رفع عينه ليها وسأل
يعني ممكن أفضل هنا؟
ابتسمت وقالت
المكان ده بيتك، لحد ما ربنا يكتبلك الخير.
بعد ما مشي، دخلت أوضة ياسين القديمة اللي احتفظنا فيها بصورته وبعض حاجاته.
وقفت قدام صورته وقلت
شفت يا ياسين؟ إنت كنت فاكر إنك مجرد طفل جعان، لكنك بقيت سبب إن أطفال كتير تلاقي بيت.
وفجأة، لقيت ظرف صغير كان موجود في درج المكتب، ومكتوب عليه بخط ياسين
افتحيه يا شروق لما بيت عفاف يستقبل أول طفل.
كنت قد نسيت الظرف تمامًا.
فتحته، ولقيت جواه ورقة وصورة قديمة.
الصورة كانت لياسين وهو طفل، قاعد قدام بيتنا، وماسك طبق الأكل اللي أمي كانت بتقدمهوله.
وفي الورقة مكتوب
يا شروق...
أنا عارف إنك زمان كنتِ بتتضايقي لما أمي كانت بتديني من أكل البيت.
أنا مكنتش بزعل منك، كنت عارف إنك صغيرة ومش فاهمة.
بس عايز أقولك حاجة.
في يوم من الأيام، لما كنت قاعد ورا البيت جعان، سمعت أمي بتقولك إن الطفل اللي جعان محتاج حد يأكله مش حد يحاسبه.
الجملة دي غيرت حياتي.
علشان كده، لو جه يوم ومقدرتيش تساعدي طفل بفلوس، ساعديه بكلمة حلوة.
ولو مقدرتيش تديه طبق أكل، متكسريش قلبه بكلمة.
إحنا ساعات بنفتكر إن المعروف لازم يكون كبير علشان يغير حياة حد، لكن الحقيقة إن طبق أكل ممكن ينقذ إنسان من إنه يفقد الأمل في الدنيا كلها.
وأنا عمري ما نسيت طبق الأكل الأول.
قعدت على الكرسي وعيطت.
مش علشان ياسين مات بس، لكن علشان فهمت إننا ساعات بنكون بنعمل حاجات صغيرة جدًا في نظرنا، ومش بنعرف إنها بتفضل عايشة جوا إنسان تاني طول عمره.
بعد سنتين، بقى عندنا أكتر من 40 طفل بيستفيدوا من الجمعية.
وأمي، رغم إنها كبرت وتعبت، كانت مصممة تكون موجودة كل يوم.
وفي عيد ميلاد ياسين، عملنا احتفال بسيط في الجمعية.
علقنا صورته على الحيطة، وكتبنا تحتها
مش كل اللي بيصنعوا فرق في الحياة بيكونوا أصحاب مال أو نفوذ... ساعات بيكونوا مجرد ناس قلبهم رحيم.
الأطفال وقفوا قدام الصورة، وكل واحد حط وردة.
آدم، الطفل اللي استقبلناه في السنة الأولى، قرب من أمي وقال
طنط عفاف، هو ياسين ده مين؟
أمي ابتسمت وقالت
ده ابني يا حبيبي.
هو كان بيشتغل هنا؟
بصت للصورة وقالت
لأ، هو اللي خلاني أعمل المكان ده.
الولد فكر شوية، وبعدين قال
يعني لو هو كان عايش، كان هيبقى مبسوط؟
أمي مسحت على راسه وقالت
أوي يا حبيبي. كان هيبقى مبسوط إنك هنا.
وبعدين آدم سألها سؤال خلانا كلنا نسكت
طب هو لما كان جعان ومفيش حد بيأكله، مين كان بيحبه؟
أمي عينيها دمعت، وانحنت لمستوى عينه وقالت
ربنا كان شايفه يا حبيبي، وبعتله ناس تساعده. وإنت كمان ربنا شايفك، ومش هيسيبك.
الولد حضنها وقال
أنا بحبك يا طنط عفاف.
أمي حضنته بقوة.
وفي اللحظة دي فهمت إن ياسين، رغم إنه رحل، لكنه قدر يسيب وراه عيلة أكبر من أي عيلة كان ممكن يحلم بيها.
ومن يومها، كل ما أشوف طفل داخل الجمعية وخايف أو جعان، بفتكر ياسين، وبفتكر أمي وهي خارجة بطبق الأكل من غير ما تستنى شكر ولا مقابل.
لأن الحقيقة اللي اتعلمتها من الحكاية دي إن المعروف مش دايمًا بيرجعلك من نفس الشخص، ومش شرط يرجعلك في نفس الوقت، لكن الخير اللي بتزرعه ممكن يكبر ويعيش بعدك بسنين.
وياسين عمره ما نسي طبق الأكل اللي أمي قدمتهوله وهو طفل.
لكن أمي كمان عمرها ما عرفت إن الطبق ده كان بالنسباله أكتر من وجبة.
كان أول مرة يحس فيها إن ليه أم.
النهاية روايات_مشيره_محمد