غامض روايات مشيرة محمد
المحتويات
يا ابني؟ إنت مسافر ومقولتليش؟
قالها
جاي أقولك إني اتعينت في القاهرة، وهنزل كل أسبوع أطمن عليكي.
أمي فرحت، لكن كان باين عليها الزعل.
يعني مش هشوفك كل يوم؟
ضحك
هو أنا كنت بشوفك كل يوم أصلاً؟ ده أنا كنت باجي آكل وأمشي!
أمي ضربته بخفة على كتفه.
قليل الأدب.
قبل ما يمشي، أمي دخلت أوضتها وطلعت كيس صغير.
ادتهوله وقالت
خد دول معاك.
فتح الكيس، لقى فيه فلوس.
قالها
إيه ده يا طنط؟
فلوس تساعدك في أول أيامك.
رجع الفلوس وقال
أنا مش هاخد منك فلوس.
يا ابني دي مش صدقة.
عارف إنها مش صدقة، بس أنا عايز أول مرتب أجيبه أجيبلك بيه حاجة من تعبي.
أمي حضنته وقالت
ربنا يرضى عنك يا بني.
خرج ياسين من البيت، وفضل يبص لورا أكتر من مرة.
ماكنتش أعرف إن دي آخر مرة هشوفه فيها وهو خارج من باب بيتنا بالشكل ده.
مرت حوالي ثلاث سنين.
ياسين بقى شاب ناجح، واشتغل في أكتر من مشروع، وبدأ يحوش فلوس.
كان بيتصل بأمي كل يوم تقريبًا.
يسألها عن صحتها، وعن أخويا، وعنّي.
وفي كل مكالمة كان يقول
طنط عفاف، إنتِ أكلتي؟
فترد
أكلت يا ابني، إنت بس متنساش نفسك.
طب قوليلي عملتي إيه النهارده؟
ولا حاجة، شوية خياطة وشوية شغل في البيت.
طب بلاش شغل كتير، أنا هبعتلك فلوس تجيبي اللي إنتِ عايزاه.
وكانت أمي ترفض.
يا ابني أنا مش محتاجة حاجة.
وفي يوم، اتصل بيها وقالها
طنط، أنا هاجي أشوفك الجمعة.
فرحت جدًا، وبدأت تحضر له الأكل اللي بيحبه.
لكن الجمعة عدت، وياسين مجاش.
اتصلنا بيه كتير، ومحدش رد.
في الأول افتكرنا إنه مشغول.
لكن تاني يوم، جالنا اتصال من رقم غريب.
رديت أنا.
ألو؟
السلام عليكم، حضرتك تعرفي واحد اسمه ياسين؟
قلبي اتقبض.
أيوه، خير؟
إحنا من المستشفى، وياسين موجود عندنا، وحالته صعبة شوية. محتاجين حد من أهله ييجي.
صرخت من غير ما أحس.
إيه اللي حصل؟ هو فين؟
الموظف قال اسم المستشفى، وقفلت وقلت لأمي.
أمي وشها اصفر.
ابني ماله يا شروق؟
نزلنا بسرعة، ولما وصلنا لقينا شاب من زمايله واقف قدام الأوضة.
سألته
ياسين فين؟
قال بحزن
جوه، بس الدكتور قال إن حالته خطيرة.
دخلنا لقيناه نايم على السرير، وشه شاحب، وفيه أجهزة حواليه.
أمي قربت منه ومسكَت إيده.
ياسين... يا حبيبي... أنا أمك أهي.
فتح عينه بصعوبة.
أول ما شافها، حاول يبتسم.
طنط عفاف...
قالتله وهي بتعيط
متتكلمش يا حبيبي، إنت هتخف وهتقوم معايا.
هز راسه ببطء.
أنا تعبت أوي.
متقولش كده. إنت لسه صغير، ولسه قدامك عمر طويل.
بصلي وقال
شروق، خلي بالك من طنط عفاف.
قلتله وأنا بعيط
إنت هتقوم بنفسك وتخلي بالك منها.
لكنه كان عارف إن حالته مش بسيطة.
كان عنده مشكلة صحية خطيرة اكتشفوها متأخر، ومع تدهور حالته، الأطباء كانوا بيحاولوا يسيطروا على الوضع.
فضلنا جنبه يومين.
وفي اليوم التالت، ياسين طلب يشوف أمي لوحدها.
دخلت أمي عنده، وقفلوا الباب.
بعد شوية خرجت وهي بتعيط، ومش راضية تقول قالها إيه.
بالليل، حالته ساءت جدًا.
وقبل الفجر، ياسين مات.
جنازته كانت بسيطة، لكن حضرها عدد كبير من الناس.
ناس من شغله، وجيرانه، وأصحابه، وحتى بعض الناس اللي كانوا بيعرفوه من أيام الشارع.
أمي كانت واقفة جنب القبر، ومش قادرة تستوعب.
كانت بتردد
ده ابني... ده ابني اللي ربيته قدام عيني.
بعد ما خلصنا الدفن، وإحنا راجعين، ظهر راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة رسمية، ومعاه محامي.
قرب من أمي وقال
حضرتك الحاجة عفاف؟
ردت بصوت مكسور
أيوه.
قال
أنا اسمي الأستاذ حاتم، وكنت المحامي الخاص بالأستاذ ياسين.
أمي بصتله باستغراب.
ياسين كان عنده محامي؟
ابتسم بحزن.
أيوه يا فندم. وفيه حاجة لازم أسلمها لحضرتك.
طلع من شنطته ظرف كبير، واداه لأمي.
كان مكتوب عليه بخط ياسين
إلى أمي عفاف... افتحيه بعد جنازتي.
أمي أول ما شافت الخط، إيديها بدأت تترعش.
قالت
هو كان عارف إنه هيموت؟
المحامي رد
للأسف، الأطباء كانوا موضحين له إن حالته خطيرة، وهو طلب مني أجهز شوية أوراق.
فتحنا الظرف في البيت.
كان جواه جواب، ومجموعة أوراق رسمية، ومفتاح صغير.
أمي مسكت الجواب وبدأت تقرأ بصوت مرتعش.
أمي عفاف...
أنا عارف إنك هتزعلي مني علشان مخبيتش عليكي كل حاجة، لكن كان لازم تعرفي الحقيقة في الوقت المناسب.
أنا مش هقدر أقولك إنك أنقذتيني من الجوع بس، لأنك عملتي أكتر من كده بكتير.
إنتِ رجعتيلي إحساسي إني إنسان.
أنا فاكر أول يوم أكلت فيه من إيدك. كنت خايف تمدي إيدك تضربيني زي ناس كتير، لكن إنتِ حطيتي الطبق قدامي وقلتيلي كل براحتك.
الجملة دي فضلت معايا 20 سنة.
أنا كنت بقولك إني معنديش أهل، وده كان حقيقي بالنسبالي، لكن فيه سر اكتشفته من كام سنة.
أنا لقيت عيلتي.
أمي رفعت عينها من الورقة وبصت للمحامي.
يعني إيه لقى عيلته؟
المحامي قال
كملي يا حاجة، فيه تفاصيل مهمة.
أمي رجعت تقرأ.
من حوالي خمس سنين، كنت شغال في مشروع كبير، واتعرفت على راجل اسمه فؤاد الشناوي.
كان صاحب شركة كبيرة، وفي يوم شافني وفضل مركز معايا بشكل غريب.
بعد كذا مقابلة، طلب مني أعمل تحليل DNA، وقال إن فيه احتمال أكون ابنه اللي ضاع منه من سنين.
في البداية رفضت، لكن بعد ما حكى لي عن أمي الحقيقية، وعن اليوم اللي اختفيت فيه، وافقت.
والنتيجة طلعت إني ابنه فعلًا.
أمي حطت إيدها على بقها.
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة.
ياسين طلع ابن رجل أعمال معروف؟
كمل الجواب
أبويا كان فاكر إني مت، لأن أمي الحقيقية ماتت بعد اختفائي بفترة، والناس اللي كانوا مسؤولين عن رعايتي وقتها بلغوه إني اختفيت ومحدش قدر يوصل لي.
بعدها، لما بدأت أتعرف على عيلتي، عرفت إن أبويا عنده شركة كبيرة وأملاك كتير.
لكن يا أمي، أنا مكنتش عايز أرجع لهم لمجرد الفلوس.
أنا كنت عايز أعرف أنا مين.
ولما عرفت الحقيقة، اكتشفت إن عندي إخوات، وأقارب، وبيت كبير، لكن مفيش حد فيهم كان يعرف أنا عشت إزاي.
كنت ممكن أرجع أعيش في القصر، لكن كنت برجع كل أسبوع علشان أشوفك.
لأن البيت اللي كنت بلاقي فيه الأمان مش كان بيت أبويا، كان بيتك إنتِ.
أمي بدأت تنهار في العياط.
يا حبيبي... ليه مخبي عليا؟
مسكت إيدها وقلت
استني يا ماما، لسه الجواب مخلصش.
كملنا القراءة.
أبويا فؤاد حاول يعوضني عن السنين اللي ضاعت، وكتب جزء كبير من أملاكه باسمي.
لكن فيه حاجة حصلت خلتني أتأكد إن مش كل اللي حواليا فرحانين برجوعي.
كان عندي أخ غير شقيق اسمه شادي، وكان شايف إن ظهوري هيحرمه من نصيبه في الشركة.
في الأول كان بيتعامل معايا كويس، وبعدها بدأ يضغط عليا علشان أتنازل عن حقي.
رفضت.
مش علشان الفلوس، لكن علشان مكنتش عايز حد يفرض عليا أعيش من غير كرامة تاني.
ومن وقتها بدأت مشاكل كتير.
هنا المحامي قاطعنا وقال
فيه نقطة مهمة لازم تعرفوها. ياسين طلب مني أتابع موضوع قانوني متعلق بالشركة قبل وفاته.
سألته
موضوع إيه؟
قال
أخوه كان بيحاول يستولي على جزء من ممتلكاته من خلال توكيلات قديمة، لكن ياسين كان ألغى التوكيلات دي رسميًا، وسجل حقوقه في الأوراق.
أمي مكنتش مهتمة بالكلام ده.
كانت عايزة تعرف حاجة واحدة
هو كان بيحبني بجد؟
المحامي بص لها وقال
يا حاجة، ياسين كان بيعتبرك أمه الحقيقية. وكان دايمًا يقول إنك الشخص الوحيد اللي حبه من غير ما يسأله هو ابن
متابعة القراءة