كامله
مدت إيدها الصغيرة ناحيتي.
مسكتها بين إيديا، وقلت أنا هنا يا حبيبتي، ماما جنبك.
همست بصوت ضعيف يا ماما... السمك راح؟
حسيت إن قلبي اتكسر.
حاولت أبتسم لها رغم دموعي، وقلت أيوه يا حبيبتي، الدكتور شاله، ومش هيسيب حاجة ټوجعك. إنتِ بس ارتاحي، وأنا مش هسيبك.
سألتني أنا عملت حاجة وحشة؟
السؤال ده وجعني أكتر من أي اتهام سمعته في المستشفى.
حضنت إيدها وقلت لأ يا روحي، إنتِ ماعملتيش أي حاجة وحشة. إنتِ حبيبتي، ومش غلطانة في أي حاجة.
غمضت عينيها تاني، وأنا فضلت جنبها، ماسكة إيدها، وبادعي ربنا إنها تقوم بالسلامة.
في اللحظة دي، عرفت إن أهم حاجة عندي مش إني أثبت إني بريئة قدام أحمد أو حماتي، ولا حتى إني أسمع اعتذار منهم.
أهم حاجة كانت إن بنتي تعيش، وإنها ما تتحملش ذنب حاجة أكبر منها.
لكن ده ماكانش معناه إني هسكت عن اللي حصل.
لما خرجت من أوضة بنتي، لقيت الرائد كريم مستنيني.
قال لي التسجيلات هتتراجع بالكامل، وهنحتاج نسخة أصلية منها. ما تمسحيش أي حاجة، وما تحاوليش تعدلي الملفات أو تقصي منها أجزاء.
هزيت رأسي، وقلت أنا مستعدة أقدم كل التسجيلات اللي عندي.
سألته هو ممكن نعرف منها إذا كانت المغناطيسات اتقدمت لها أكتر من مرة؟
رد ده من الحاجات اللي التحقيق هيفحصها، مع التقارير الطبية وباقي الأدلة. المهم دلوقتي نحافظ على التسجيلات كاملة.
وبعدين بص ناحية أحمد وحماتي، وقال لازم كل واحد فيكم يفهم إن الموضوع مش خلاف عائلي بسيط. فيه طفلة اتعرضت لإصابة خطېرة، ولازم نعرف بالضبط إيه اللي حصل ومسؤولية كل شخص فيه.
حماتي كانت قاعدة ساكتة، ووشها مفيهوش أي أثر للهدوء اللي دخلت بيه المستشفى.
أما أحمد، فكان واقف بعيد عنها شوية، وكأنه لأول مرة بدأ يستوعب إن اتهاماته ليا ممكن تكون ظلم كبير ارتكبه في حق مراته، وإن دفاعه عن أمه مش هيغير حقيقة الأدلة.
قرب مني وقال منى، أنا عايز أتكلم معاكي.
بصيت له وقلت لما بنتك تفوق وتبقى قادرة تتكلم من غير ألم، ابقى فكر إزاي هتواجهها. دلوقتي أنا مش عايزة أسمع تبريرات.
قال أنا غلطت لما اتهمتك قبل ما أعرف الحقيقة.
رديت بهدوء إنت غلطت من أول لحظة قررت فيها إن أسهل تفسير هو إني أم مهملة. أنا كنت محتاجة جوزي يقف جنبي، مش شخص يحقق معايا ويشكك فيا.
ماجادلنيش المرة دي.
يمكن لأنه أخيرًا فهم إن كلمة آسف مش كفاية تمسح اللي حصل، وإن الثقة اللي اتكسرت في ممر المستشفى مش هترجع لمجرد إنه ندم.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة جدًا.
بنتي احتاجت متابعة طبية دقيقة بعد العملية، وكل يوم كنت بصحى على أمل إنها تتحسن، وأقعد جنبها بالساعات، وأراقب كل حركة وكل كلمة بتقولها.
كنت بحاول أخليها تحس بالأمان من جديد، خصوصًا لما كانت تصحى مڤزوعة أو تسألني إذا كان بطنها هيوجعها تاني.
ماحكيتلهاش تفاصيل
اللي حصل، ولا دخلتها في خلافات الكبار. كل اللي كنت بقوله لها إنها تعبانة شوية، وإن الدكاترة ساعدوها، وإنها هتحتاج وقت عشان ترجع لطبيعتها.
وفي الوقت نفسه، كنت بتابع مع الجهات المختصة كل ما يخص التحقيق.
التسجيلات الأصلية اتقدمت للفحص، والتقارير الطبية اتضمت للملف، واتراجع توقيت ظهور الأعراض مع المعلومات المتاحة عن وجود المغناطيسات داخل جسم بنتي.
ماسمحتش لحد يحول الموضوع لمجرد مشكلة بيني وبين حماتي، ولا خليت حد يقنعني إن اللي حصل ممكن يتقفل بكلمتين عن سوء تفاهم.
لأن بنتي ما دخلتش المستشفى بسبب خناقة عائلية.
بنتي دخلت المستشفى بسبب إصابة كادت تودي بحياتها.
وكان لازم الحقيقة تتعرف كاملة.
أما فاطمة، فبقت مطالبة إنها ترد على الأسئلة المتعلقة باللي ظهر في التسجيلات، وبمصدر المغناطيسات، وبسبب تقديمها للطفلة. وما اكتفيتش أنا أو الضباط بأي تفسير لمجرد إنه يريح حد من المسؤولية.
التحقيق هو اللي كان لازم يحدد الحقيقة والعواقب القانونية بناءً على الأدلة.
وأحمد، اللي دخل المستشفى وهو پيصرخ في وشي وبيتهمني، بقى يحاول يقرب مني كل يوم، ويقول إنه ماكانش يتخيل إن الموضوع يوصل لكده.
لكن كل مرة كنت ببص له، كنت بفتكر اللحظة اللي كنت فيها مړعوپة على بنتي، وهو واقف قدامي بيحاكمني بدل ما يطمن عليها.
ماكانش سهل عليّا أقرر هعمل إيه في علاقتنا، لكني كنت عارفة إن مفيش أي علاقة تستحق إني أعرّض بنتي للخطړ، أو أسمح لحد يتجاهل سلامتها عشان يحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
بعد فترة، بنتي بدأت تتحسن تدريجيًا، وابتدت ترجع لها ضحكتها الصغيرة، رغم إنها كانت لسه محتاجة وقت عشان تتعافى بالكامل.
وفي يوم، وإحنا قاعدين سوا، مسكت إيدي وقالت يا ماما، إنتِ هتفضلي معايا؟
حضنتها وقلت طول ما إنتِ محتاجاني، هتلاقيني جنبك يا حبيبتي.
ابتسمت وغمضت عينيها وهي في حضڼي.
ساعتها حسيت إن أهم معركة في حياتي كانت إني أحافظ على بنتي، وأرجع لها إحساسها بالأمان بعد اللي مرت بيه.
أما الحقيقة، فمكانها كان في الأدلة والتحقيق، مش في الصړاخ ولا الاټهامات ولا دموع حد بيحاول يهرب من الأسئلة.
أنا ماكنتش محتاجة أصرخ عشان أثبت إني أم بتحب بنتها.
كنت محتاجة أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أنقذها، وأحافظ على الدليل اللي ممكن يكشف إيه اللي حصل.
وده اللي عملته.
ومن يومها، بقيت عارفة إن أقسى صدمة مش دايمًا بتيجي من شخص غريب؛ ساعات بتكون من شخص كنت فاكره أمان، وكنت مطمّن له على أغلى حاجة في حياتك.
لكن مهما كان الشخص قريب، ومهما حاول يقلب الحقيقة باتهام أو دموع، سلامة الطفل مش مجال للمجاملة، والحق مايتحددش بصوت اللي پيصرخ أعلى... الحق يتحدد بالأدلة.