المتبرع المجهول

لمحة نيوز

لم أخبر والدي قط أنني المتبرع المجهول الذي يدفع مليون دولار سنويا لتعليم حفيدهما. كان بالنسبة لهما الطفل المدلل أما ابنتي فكانت تغار منه فحسب. عندما اصطدمت به صدفة حبسها في خزانة تخزين. تجاهل الجميع الأمر حتى أن أمي رفعت نخبا قائلة نتمنى لحفيدنا مستقبلا زاهرا!. لم أجد ابنتي إلا بعد سماع طرق عنيف. سحبتها للخارج وهي ترتجف. أنت تعرف أنها تعاني من رهاب الأماكن المغلقة. أجريت مكالمة واحدة ألغوا المنحة الدراسية. ثم غادرت وانهار عالمهما المثالي.
كانت الثريا في غرفة طعام والدي أغلى من سيارات معظم الناس. معلقة هناك كعنكبوت بلوري تلقي ضوءا متقطعا على وجوه أشخاص كان من المفترض أن يحبوني لكنهم بالكاد يتحملون وجودي.
رفعت والدتي بياتريس كأسها من نبيذ شاتو مارغو العتيق وأعلنت بصوت عال نخب إلى نجمنا الساطع ليو فخر عائلة فانس. ابتسم والدي آرثر ابتسامة عريضة وهو يقرع كأسه بكأسها قائلا إلى الأكاديمية منحة دراسية كاملة لا يمكن إلا لعبقري أن يحقق شيئا كهذا في الثانية عشرة من عمره هذا يثبت قوة سلالتنا.
جلس ليو ابن أخي على رأس الطاولة كأنه طاغية صغير. كان يرتدي سترة زرقاء داكنة مفصلة خصيصا لتناسب قوامه النحيل. ابتسم ابتسامة ساخرة وهو يرتشف رشفة من عصير التفاح الفوار وقال بثقة كان الأمر سهلا امتحان القبول كان مجرد مزحة.
بالطبع كان كذلك ردت بياتريس بصوت رقيق وهي تنظر إليه بإعجاب أنت استثنائي يا عزيزي.
جلست في الطرف البعيد من الطاولة قرب باب المطبخ ذلك المكان الذي تهب فيه الرياح. بجانبي كانت ابنتي ميا ذات السبع سنوات تنقر على دجاجها المشوي البارد وكتفاها الصغيران منحنيان كما لو كانت تحاول أن تختفي عن الأنظار.
همست وهي تشد

كمي أمي هل يمكنني الحصول على بعض العصير حلقي يؤلمني.
مددت يدي لأتناول الإبريق لكن صوت آرثر انكسر كالسوط عبر الطاولة وهو يقول بحدة اهدئي يا ميا لا تقاطعي احتفال ابن عمك عليك أن تستمعي وتتعلمي ربما تنتقل إليك بعض نجاحاته مع أنني أشك في ذلك.
تجمدت في مكاني ويدي تحوم فوق الإبريق البلوري. ثم قلت بهدوء إنها عطشانة فقط يا أبي.
إنها تغار قالت بياتريس بسخرية دون أن تنظر إلينا لطالما كانت كذلك تماما مثلك يا إيلينا دائما ما تتذمرين في الزاوية بينما تتألق الموهبة الحقيقية.
ضحك ليو ضحكة حادة وقاسية ونظر إلى ميا بنظرة باردة لا تليق بطفلة وقال باستهزاء لا تقلقي يا ميا ربما عندما أصبح رئيسا تنفيذيا سأوظفك في أعمال بسيطة.
شددت قبضتي على المنديل الموضوع في حضني. لم يكونوا يعلمون. لم يكن أي منهم يعلم. لم يكونوا يعلمون أن المنحة الدراسية الكاملة لأكاديمية سانت جود غير موجودة. فالأكاديمية لم تكن تمنح منحا دراسية بناء على الجدارة بل كانت مؤسسة ربحية للنخبة. لم يفز ليو بأي شيء.
كنت أنا من يدفع ثمنه. كنت المتبرع المجهول وراء صندوق ليو فانس للتميز. كنت أحول كل عام مليون دولار إلى المدرسة لتغطية رسوم دراسته ومعلميه المتخصصين ودروس الفروسية وبدل السكن الذي كان والداي يستخدمانه لدفع أقساط الرهن العقاري لهذا المنزل بالذات.
بالنسبة لهم كنت إيلينا المستقلة خيبة الأمل التي تكافح من أجل لقمة العيش من خلال مشاريع التصميم الجرافيكي. لم يكن لديهم أدنى فكرة أنني كنت المؤسسة الصامتة لشركة Aether Systems وهي شركة تقنية بعتها قبل ثلاث سنوات مقابل ثروة ضخمة.
أخفيت ثروتي لأحمي نفسي. كنت أعلم أنهم لو اكتشفوا أمري لما أصبحت بالنسبة لهم سوى
مصدر مالي. لكنني دفعت تكاليف دراسة ليو لأنه ابن أخي الراحل وأردت أن تتاح له فرصة. أردت أن أصدق أنه بالتعليم الصحيح لن يصبح مثل جديه.
لكن عندما نظرت إلى سخرية ليو أدركت أنني ارتكبت خطأ فادحا. لم أكن أمول تعليمه بل كنت أمول غروره.
همست وأنا أداعب شعر ميا تناولي عشاءك يا صغيرتي سنعود إلى المنزل قريبا.
أهذا منزل في تلك الشقة الصغيرة قال آرثر بسخرية بصراحة يا إيلينا لا أفهم لماذا لا تطلبين منا دعما ماليا من غير اللائق أن يعيش أحد أفراد عائلة فانس في مستوى متواضع.
ارتشفت رشفة من الماء وفكرت في داخلي بإمكاني شراء هذا الحي بأكمله بإمكاني شراء هذا المربع السكني وتحويله إلى موقف سيارات. لكنني لم أقل شيئا. اكتفيت بمشاهدتهم وهم يحتفلون بوهمهم غافلين عن أن أساس حياتهم المثالية كان موجودا هناك على طاولة الأطفال ينتظر سببا لينهي كل شيء.
وقع الحادث بعد أسبوعين خلال حفل العائلة السنوي المعروف ب حفل الصيف ذلك التجمع المتكلف الذي كان والداي يقيمانه كل عام لاستعراض مكانتهما الاجتماعية. كان المنزل يعج بالشخصيات المحلية المرموقة وأفراد الطبقة الثرية العريقة وأشخاص يتظاهرون بالمودة تجاه والدي طمعا في الشمبانيا المجانية.
كنت في المطبخ أساعد طاقم تقديم الطعام لأن بياتريس طردت النادلين قبل ساعة من بدء الحفل بحجة أن مظهرهم كان عابسا للغاية. إيلينا المزيد من الفطائر الصغيرة صاحت بياتريس من الفناء وهي تلوح بيدها باستخفاف.
تنهدت وأخذت صينية ثم التفت إلى ابنتي التي كانت تجلس على كرسي صغير تلون في دفتر رسمها وقلت لها ابقي هنا يا ميا لا تبتعدي هناك الكثير من الناس. أجابت بخجل حسنا يا أمي.
غبت عشر دقائق فقط. عشر دقائق لا أكثر.
وعندما
عدت كان المقعد فارغا وكان دفتر الرسم ملقى على الأرض مفتوحا على رسمة فراشة. ناديت بصوت مرتجف ميا
المطبخ كان فارغا والممر كان فارغا. انتابني ذعر بارد وحاد في صدري. ميا كانت طفلة خجولة لم تكن تبتعد عن المنزل أبدا وكانت تخاف من الحشود.
دخلت غرفة المعيشة وشققت طريقي بين الضيوف الذين كانوا يتبادلون الضحكات والكؤوس. هناك عند الدرج الكبير رأيت ليو واقفا ممسكا بكأس من عصير التفاح الفوار محاطا بمجموعة من البالغين المتملقين الذين كانوا يشيدون بعبقريته وكأنهم أمام نجم صاعد.
قاطعته متجاهلة نظرات الضيوف الحادة وقلت بحدة ليو هل رأيت ميا.
ارتشف ليو رشفة بطيئة من مشروبه وابتسم ابتسامة لم تكن ابتسامة طفل بل ابتسامة شخص يستمتع بمعرفة شيء يجهله الآخرون. قال ببرود اصطدمت بي سكبت العصير على حذائي إنه جلد إيطالي يا عمتي إيلينا.
سألت بصوت عال أين هي. قال ليو وهو يهز كتفيه قلت لها أن تفكر فيما فعلت كانت بحاجة إلى فترة راحة يقول جدي إن الانضباط هو مفتاح القيادة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي أين يا ليو. أشار إلى المساحة أسفل الدرج خزانة التخزين القديمة.
توقف قلبي.
كانت ميا تعاني من رهاب الأماكن المغلقة الشديد لم يكن الأمر مجرد كره للأماكن الضيقة بل كان خوفا مرضيا ناتجا عن حادثة مؤلمة في حديقة عامة عندما كانت في الرابعة من عمرها. كانت العائلة بأكملها على دراية بذلك وقد توسلت إليهم ألا يغلقوا الأبواب في وجهها أبدا.
أسقطت صينية التارت الصغيرة ارتطمت بالأرض بقوة فتحطمت قطع الخزف وتناثرت المعجنات في كل مكان وساد الصمت في الغرفة.
ركضت نحو باب الخزانة كان مغلقا من الخارج بمزلاج نحاسي ثقيل قام والدي بتركيبه منذ سنوات. صرخت ميا وأنا أضرب
الخشب بقوة.
سمعت من الداخل
 

تم نسخ الرابط