كامله

لمحة نيوز

في صباح يوم 23 أغسطس 2006 خرج حسام عبد الحميد من بيته في حي مصر الجديدة بالقاهرة متجها إلى عمله كما اعتاد كل يوم. مر على مائدة الإفطار ربت على شعر طفليه وهما يتناولان الفول والجبنة ثم أغلق الباب خلفه. كانت تلك آخر مرة تراه فيها أسرته.
عاشت زوجته منى عبد العزيز سبعة عشر عاما في ألم لا ينتهي لا تعرف ما الذي حدث للرجل الذي شاركها اثني عشر عاما من الزواج. الشرطة فتشت العائلة بحثت الجيران تكهنوا لكن حسام اختفى كأنه دخان تبخر في سماء مدينة يسكنها أكثر من عشرين مليون إنسان.
ثم في صباح يوم من سبتمبر 2023 دخلت منى فرع بنك في المعادي لإنهاء مهمة روتينية. فجأة توقف عالمها. الرجل الذي يقف أمامها في الطابور بنفس الوقفة نفس الإيماءات نفس طريقة حك مؤخرة رقبته كان يشبه حسام تماما.
استدار قليلا فرأت منى ملامحه الجانبية فقفز قلبها بعنف حتى اضطرت أن تسند نفسها على الحائط. بدا أكبر بسبعة عشر عاما بشعر أكثر شيبا وتجاعيد أوضح ويرتدي نظارة لم يكن يرتديها من قبل. لكنه كان هو. كان الأمر مستحيلا غير واقعي لكنه كان حسام.
وعندما غادر البنك اتخذت منى القرار الذي سيغير كل شيء. تبعته وما اكتشفته في الساعات التالية حطم كل ما كانت تظنه عن الرجل الذي تزوجته.
منى مترعشة وهي بتحكي لأختها
يا نهار أبيض يا سعاد أنا شفت حسام النهارده في البنك!
سعاد مصدومة
إيه! إنتي بتقولي إيه ده مختفي من سنين!
منى
هو هو نفس الحركة نفس النظرة حتى طريقة مشيته. أنا مش ممكن أغلط فيه.
سعاد
طب

عملتي إيه
منى
استنيته لحد ما خرج ومشيت وراه. واللي شفته بعد كده يا سعاد قلبني من جوه.
لكي نفهم السبب الحقيقي لاختفاء حسام عبد الحميد لازم نرجع لأول الحكاية ونعرف مين كان حسام والحياة اللي بناها في القاهرة.
ولد حسام سنة 1972 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية لكنه انتقل إلى العاصمة وهو عنده 22 سنة بحثا عن فرص أفضل. كان متوسط الطول نحيف البنية بملامح عادية جدا من النوع اللي ممكن يعدي جنبك في المترو من غير ما تلاحظ. لا شيء لافت بشكل خاص.
اشتغل محاسب في شركة توزيع مواد بناء متوسطة الحجم في منطقة شبرا الصناعية. وظيفة ثابتة مش فيها رفاهيات لكنها كانت كافية إنه يعول أسرته بكرامة.
في سنة 1993 قابل منى عبد العزيز في عيد ميلاد صديق مشترك. منى كانت شغالة موظفة استقبال في عيادة أسنان وضحكتها كانت معدية تنور أي مكان تدخل فيه. اتجوزوا سنة 1994 في فرح بسيط في كنيسةجامع الحي حضره الأهل المقربين وبعض الأصحاب. ماكانش عندهم فلوس كتير لكن كان عندهم أحلام وخطط لمستقبل أفضل.
في سنة 1996 اتولد ابنهم الأول كريم وبعده في 1999 اتولد الثاني أحمد. وبحلول سنة 2000 قدروا يشتروا بيت متواضع في حي مصر الجديدة حي من الطبقة المتوسطة العاملة في شرق القاهرة.
كان حسام بالنسبة للناس راجل صالح ماكانش بيشرب كتير ماكانش بيقامر وكان بيرجع البيت كل ليلة. حياة بسيطة مستقرة لكن مليانة دفء.
في عطلات نهاية الأسبوع كان حسام عبد الحميد ياخد أولاده على حديقة الطفل في مصر الجديدة يساعد منى
في مشاوير البقالة ويقعد يتفرج على ماتشات الكورة مع الجيران. كان من نوع الآباء اللي يحضروا اجتماعات المدرسة ويدخروا بحرص جزء صغير من المرتب كل شهر عشان المصيف السنوي في الإسكندرية. وكان حلمه الكبير إنه يقدر يوما ما يدفع مصاريف الجامعة لأولاده.
زملاؤه في الشغل وصفوه بأنه جاد لكن طيب دقيق جدا في الحسابات ملتزم في مواعيده وما بيسببش أي مشاكل.
الحياة في مصر الجديدة وقتها كانت نموذجية لأحياء الطبقة المتوسطة العاملة في القاهرة. الشوارع مليانة باعة جائلين صوت عربيات القمامة يتداخل مع أجراس عربيات البطاطا المشوية في العصر.
عاشت عائلة عبد الحميد في بيت دورين بواجهة طوب أحمر وحديقة صغيرة قدامه. منى كانت بترعى الزرع بنفسها وزرعت جهنمية ملونة أضافت بهجة للشارع. الجيران كانوا يعرفوا بعض كويس يستعيروا السكر وقت الحاجة يراعوا أولاد بعض ويتجمعوا في نواصي الشوارع يوم الأحد بعد الصلاة.
لكن تحت المظهر الطبيعي ده كان حسام شايل سر بيأكله من جوه. سر ما خطرش على بال منى ولا أولاده ولا أي حد قريب منه. وكان السر ده على وشك ينفجر بأكتر الطرق تدميرا ممكنة.
كان يوم عادي جدا. القاهرة صحيت على شمس قوية وحر خانق من أيام أغسطس اللي بتخلي الناس تتمنى إن الجو يقلب مطر آخر النهار لكن الصبح كان كله عرق وزحمة.
صحى حسام عبد الحميد الساعة ستة الصبح زي كل يوم. سمعته منى وهو بيتحرك في الحمام صوت المية من الدش خطواته في الطرقة.
قعدوا على الفطار كالعادة قهوة وسندويتشات عيش بلدي
بالجبنة والأولاد لسه نايمين. كريم كان عنده عشر سنين وأحمد سبع سنين والمدرسة بدأت من أسبوعين بس.
منى هتفضل طول عمرها فاكرة تفاصيل الصبح ده بوضوح موجع. حسام كان باين عليه شوية شرود أهدى من المعتاد. هي افتكرت إن ده من ضغط الشغل خصوصا إن الشركة كانت داخلة في مراجعة حسابات خارجية وحسام كان بيقول إن عنده عبء عمل تقيل.
كان لابس قميص أبيض بأكمام طويلة وبنطلون رمادي وجزمة سودا لامعة متلمعة جديد. شنطته الجلد البني اللي بيستخدمها من سنين كانت واقفة جنب الباب.
منى وهي بتصب له قهوة زيادة سألته
إنت كويس يا حسام
بص لها وابتسم بالابتسامة اللي دايما كانت تديها إحساس بالأمان وقال
آه يا حبي بس تعبان شوية. مفيش حاجة ما تتصلحش بكوباية قهوة مظبوطة.
إيماءة روتينية اتعودت عليها آلاف المرات لكنها بعد كده هتاخد معنى مفجع.
طلع فوق يصحي الأولاد ساعدهم يلبسوا هدومهم وجهز لهم سندويتشات المدرسة. كريم كان عنده امتحان رياضيات وكان متوتر جدا.
جلس حسام عبد الحميد مع ابنه كريم لبضع دقائق يستعرض معاه مسائل الكسور في الرياضيات بنفس الصبر الهادئ اللي كان دايما يميز أبوته.
في الساعة 730 صباحا التقط حسام شنطته الجلد البني وودع أولاده بعد ما خلصوا الفطار من كورن فليكس باللبن وخرج من البيت.
منى وقفت تراقبه من الشباك وهو ماشي في الشارع متجه ناحية شارع جسر السويس عشان يلحق الميكروباص اللي يوصله لمترو الأنفاق. الشمس كانت قوية والجو حر خانق لكن في الأفق كان فيه غيوم خفيفة كأنها
بتوعد بمطر آخر النهار.
كانت دي
 

تم نسخ الرابط