كامله
من أول أسبوع لبنتي في الإعدادي وأنا حاسة إن في حاجة اتكسرت بيني وبينها من غير صوت حاجة ما حصلتش فجأة لا دي كانت بتتسلل واحدة واحدة وأنا مش واخدة بالي أول ما تخطي عتبة باب الشقة لا سلام ولا كلمة ولا حتى بصة في وشي ترمي الشنطة على الأرض وتدخل أوضتها وتقفل الباب كأن البيت بقى محطة مش بيتها وأنا واقفة مكانى مش فاهمة إمتى المسافة دي دخلت ولا إزاي كبرت كده فجأة كنت بقول لنفسي عادي سن مراهقة جيل موبايلات وصحاب جداد وأنا زمان كنت كده بس بدل الشاشة كنت بقعد مع كتاب بس قلبي ما كانش مقتنع لأن العادي ما يخوفش بالشكل ده العادي ما يخليش أم تبقى واقفة قدام باب أوضة بنتها سامعة الصمت كأنه صړيخ اللي كان مش طبيعي إن كل يوم بعد ما تدخل بخمس دقايق بالظبط كانت تخرج وتدخل الحمام وتقفل على نفسها نص ساعة كاملة من غير صوت مية ولا حركة داخلة ومعاها هدوم ومناديل وكيس صغير كأنها داخلة على سر محدش المفروض يعرفه بهزر مرة وأقولها إيه يا سارة هتخترعي حاجة جوه تضحك ضحكة سريعة مالهاش روح وترد بنفس الجملة كل يوم أنا بحب كل حاجة تبقى مظبوطة ونضيفة والجملة كانت محفوظة زيادة عن اللزوم وسارة عمرها ما كانت كده كانت بنت عادية تلخبط وتنسى وتضحك بصوت
كانتش
وحشة ولا غلطانة كانت محتاجة حضڼ بدري شوية وأنا اتعلمت إن الصمت عند العيال مش دايما أدب ساعات بيبقى استغاثة وسارة دلوقتي لسه بتتعافى ولسه في أيام صعبة بس بقت تفتح باب أوضتها بقت تاكل بقت تضحك وبقت لما تتوجع تيجي تقول وأنا كل يوم أحمد ربنا إني لحقت لأن في بنات كتير محدش لاحظ وجعهم إلا بعد ما كان فات الأوان.
القصة الثانية
دخلت ذلك البيت لأنظف.
وخرجت منه بعد خمسة وعشرين عاما وقد ربيت ابنا ليس ابني
لكنه أحبني كأنني أمه.
عندما وطأت عتبة ذلك البيت لأول مرة كان كأنني أدخل متحفا.
رخام في كل مكان صمت يشبه صمت المكتبات
كانت الصغيرة جيجي لا تزال في شهرها الثالث
وأنا أماليا كنت هناك لأنظف. لا أكثر.
سيدة البيت دوناتيلا عند أصدقائها والسيدة عند الجميع
ناولتني الطفل كما يناول مزهرية كريستال ثقيلة ومحرجة.
قالت وهي تقلب مجلة لامعة
لا تدعيه يبكي يا أماليا. أعطيه ما يريد فقط أبقيه هادئا.
وهكذا يوما بعد يوم بدأت أعطيه ما يريد فعلا
الدفء والاهتمام واللمسات الحانية والأغاني قبل النوم.
لم أكن أتقاضى أجرا مقابل الحب.
لكن القلب لا يوقع عقودا.
مرت خمسة وعشرون سنة.
وطوال تلك السنوات بقيت عاملة التنظيف
من تكوي وتطبخ وتغسل.
لكنني كنت أيضا
من علمته المشي بينما كانت أمه تتنقل بين عواصم العالم
من قاست حرارته وحكت له القصص وصفقت له بصمت في مسرحيات المدرسة.
كان يناديني نانا.
وفي تلك الكلمة كان حب يفوق كل ماما
كان يهمس بها لدوناتيلا باحترام مصطنع.
كان يعرف.
وكان يفهم الفرق جيدا.
دوناتيلا كانت السلطة والقوة والاسم المكتوب على جرس الباب.
أما أنا فكنت المئزر الذي تفوح منه رائحة المرق
واليدان اللتان تمنحان الطمأنينة.
ملاذه الصامت.
ثم جاء يوم الزفاف.
دوناتيلا متلألئة ترتر وكبرياء.
وأنا في آخر القاعة بين المطابخ
والذكريات.
كان يكفيني أن أراه سعيدا.
لكن