كامله
أجبرت في العشرين على الزواج من رجل جبلي يحتضر ولم تكن تعلم أن الكذبة كانت من أجل إنقاذها
كانت شمس الخريف تصهر مطبخ بيت الضيافة حتى بدا الهواء كثيفا كأنه يمضغ.
وقفت سيج ماكينا أمام موقد من الحديد الزهر تراقب خبز الذرة وهو يكتسب لونا ذهبيا بينما كان يخنة اللحم تغلي ببطء كوعد لم تعد تثق به.
في الخارج اخترق صفير القطار البلدة صاخبا بالتقدم الذي لم يصل يوما إلى عائلتها.
ثم انجرفت ضحكة أبيها من الحانة مرة أخرى.
تلك الضحكة الحادة المستهترة كانت تعني دائما الشيء نفسه
ليلة أخرى من القماړ
وقبضة أخرى من العملات تلقى في العتمة.
مسحت سيج جبينها بمئزرها وواصلت العمل. فالمطبخ كان المكان الوحيد الذي ما تزال الحياة تطيع فيه يديها.
كانت تدير بيت الضيافة منذ أن بلغت الرابعة عشرة منذ أن ترك مۏت أمها فراغا لم يجرؤ أحد على تسميته.
والآن في العشرين كانت تحمل على كتفيها ثقل من عاشوا أطول وفي عينيها نظرة من تعلم أن يبتسم وهو يخسر.
كان البيت شبه خال هذه الأيام عدد قليل من النزلاء لا يكفي لإغراق الديون التي ظل والدها يغذيها.
صر الباب الخلفي وهو يفتح دافعا هواء باردا وأخبارا أسوأ.
دخل السيد بيترسون صاحب المتجر وبجواره وقف السيد وارن وكيل الأراضي قابضا على قبعته بشدة.
لم يبتسم أي منهما. ولم يجلس أي منهما.
قال بيترسون بصوت أخفض من المعتاد
مساء الخير يا آنسة ماكينا.
انقبضت معدة سيج.
إن كنتم تبحثون عن أبي فهو حيث يكون دائما.
وكأنه استدعي ترنح توماس ماكينا داخل المطبخ بعد لحظات محمر الوجه غير ثابت ومعطفه ملطخ ككرامته.
رمق الرجلين كأنهما إزعاج.
وما هذا كله
تنحنح
الأمر يتعلق بالديون يا سيد ماكينا.
كانت كلماته محسوبة لكن الحقيقة التي تحملها كانت ذات أنياب.
السيد هاريسون ينوي الاستحواذ على بيت الضيافة مع نهاية الأسبوع ما لم يتم السداد كاملا.
شعرت سيج وكأن الغرفة تميل بها.
كان بيت الضيافة آخر ما تبقى من أمها في هذا العالم آخر مكان تستطيع فيه التظاهر بأنهم ما زالوا ينتمون.
حاول والدها التبجح والمساومة والتظاهر بأنه رجل مسيطر.
قاطع بيترسون مترددا ومثقلا بالخجل
هناك حل آخر. غاريك هاول عرض تسوية كل شيء.
عرفت سيج الاسم كما يعرف الطفل صوت الرعد.
غاريك هاول رجل الجبل الذي يعيش فوق البلدة منعزل عريض الكتفين ويشاع أنه يحتضر منذ حاډثة المنجم قبل سنوات.
رجل يتحدث الناس عنه همسا كأن كوخه قائم على حافة شيء مظلم.
شحذت عينا توماس ماكينا.
وما المقابل
سقطت جملة وارن التالية كحجر في بئر عميقة
سيدفع كل الديون مقابل يد ابنتك زواجا.
تقدمت سيج خطوة وصوتها حاد
لا. أبي لا يمكنك.
لكن توماس لم ينظر إليها حتى.
هز رأسه سريعا بلهفة ڤاضحة.
تم الأمر. أخبروا هاول أن الصفقة تمت.
شعرت سيج بأن حلقها
يغلق.
أليس لي أي رأي
زمجر والدها كحيوان محاصر
أتريدين أن نرمى في الشارع هذا هو الحل الوحيد ما لم يكن لديك حل أفضل.
ولم يكن لديها.
كل قرش كسبته ذهب إلى البيت إلى الطعام إلى إصلاح ما كسره والدها بشهواته.
اشټعل ڠضبها لكن الخۏف أمسك عود الثقاب بثبات.
في تلك الليلة جاء القس تيرنر إلى باب المطبخ قابضا على قبعته والشفقة في عينيه.
جلس إلى طاولتها كرجل يحمل طقسا سيئا.
أنا آسف يا سيج. أعلم أن هذا ليس صوابا.
همست وهي تحدق في يديها
ليس
تنهد القس.
لكن العقد سيكون قانونيا. بعد المراسم ستصبحين السيدة هاول قانونا وشرعا.
ابتلعت سيج ريقها.
هل تعرفه غاريك هاول
قال
قليلا. هادئ. يميل للعزلة. لكنني لم أعرفه يوما قاسېا.
والقسۏة لم تكن خۏفها الوحيد.
كانت تخاف أن تبتلعها الجبال كما ابتلعت أمها المړض والصمت.
كانت تخاف أن تصبح أرملة قبل أن تكون زوجة محپوسة في كوخ تفوح منه رائحة الصنوبر والنهايات.
في مساء اليوم التالي امتلأت الكنيسة الصغيرة عند أطراف البلدة بوجوه فضولية.
تزحفت الهمسات بين المقاعد كالفئران
مسكينة أربعون عاما رجل يحتضر أفضل من الشارع.
سارت سيج في الممر بثوب قطني بسيط رافعة ذقنها فالكبرياء كان آخر ما تملكه.
عند المذبح وقف القس تيرنر وبجواره وقف غاريك هاول.
كان أطول مما توقعت أعرض صدرا منحوتا من العمل الشاق ورياح الجبال.
بدلته نظيفة لكنها بالية ووجهه محفور بخطوط عميقة جعلته يبدو أكبر من عمره.
ومن حين لآخر كان يسعل سعالا مكبوتا مهذبا متقنا.
شعرت سيج بيد أبيها تفلت ذراعها كما لو كان يترك كيس حبوب.
بدأ القس بتلاوة عهود الزواج. سمعت سيج الكلمات كأنها تأتي من تحت الماء.
قال غاريك بصوت ثابت
أقبل.
وحين جاء دورها جف فمها لكنها أجبرت الصوت على الخروج
أقبل.
كانت الخواتم حلقات ذهبية بسيطة.
ارتجفت يداه قليلا وهو يدخل خاتمها وكانت لمسته حذرة كأنه يخشى أن يكسرها.
وعندما قال القس
لك أن تقبل عروسك
تردد غاريك
رائحة صنوبر جلد دخان.
ثم انتهت اللحظة وعادت البلدة إلى الحركة.
أقيمت وليمة صغيرة في بيت القس يخنة وخبز وتهاني متكلفة.
كان غاريك يأكل كمن اعتاد
قال
يجب أن نغادر قريبا. الطريق إلى الكوخ يستغرق نصف يوم.
قفز قلب سيج.
في الخارج كان والدها يتكئ على جدار الكنيسة والزجاجة في يده.
نظرت إليه تبحث عن شيء يشبه الندم.
لكنه اكتفى بهز رأسه بعينين ضبابيتين وأخذ رشفة أخرى.
كان حصان غاريك ينتظر عند العمود قويا بما يكفي ليحملهما معا.
رفع سيج إلى السرج بيدين دافئتين واثقتين ثم قفز أمامها.
وهكذا بدأت الرحلة التي لم تكن تعلم أن كذبتها الأولى كانت في الحقيقة محاولة لإنقاذها.
ستحتاجين إلى التمسك جيدا قال بهدوء. الطريق يشتد انحداره.
وضعت سيج يديها على خصره تشعر بالقوة الصلبة تحت معطفه.
غادرا البلدة بينما كان آخر الضوء ينسحب من السماء
وبدأ الطريق يصعد إلى ظلال الصنوبر.
أطبقت الجبال عليهما ببطء كأن بابا يغلق بلا صوت.
كان جدول ماء يسير بمحاذاة الدرب يلمع سطحه تحت الشمس الآفلة.
قال غاريك بعد صمت طويل
ذلك جدول كريستال. شريان الحياة في هذا الوادي.
راقبته سيج وشعرت بشيء يلتف في صدرها.
لأن شريان الحياة كان بالضبط ما لم تملك عائلتها منه ما يكفي يوما.
مع الغسق بلغا هضبة وظهر الكوخ في ضوء الفانوس.
جذوع أخشاب مرصوصة بإحكام. دخان يتصاعد من مدخنة حجرية. شرفة تتوسطها كرسي هزاز.
ليس قصرا لكنه ليس قبرا أيضا.
ترجل غاريك وساعدها على النزول. ارتخت ساقاها من طول الركوب ومن الخۏف.
قال
تفضلي إلى الداخل. الڼار معدة. سأهتم بالحصان وأحضر حقيبتك.
دخلت سيج الكوخ واستنشقت رائحة الصنوبر ودخان الحطب وشيئا نظيفا.
غرفة مرتبة. رفوف مليئة بالمؤن. حطب مكدس بعناية.
كتاب مقدس مهترئ
في تلك الليلة الأولى