كامله

لمحة نيوز


كاد أن ينسى أو كاد أن يضعف أو كاد أن يختار الطريق الأسهل
أن ليس كل ثراء يقاس بالمال
وأن أعظم الكنوز في هذا العالم
قد تكون قلبا اختار أن يحب دون شرط
وإنسانا آمن بأن الصدق
والوفاء
والنية الخالصة
والحب الذي لا يساوم
أغلى وأبقى وأنقى
من كل ما تملكه السماء والأرض.
كان لانس يعيش في عالم من الذهب والياقوت حيث كانت الثروة تفتح له كل الأبواب لكنها في الوقت ذاته كانت سدا منيعا بينه وبين حقيقة المشاعر. لقد سئم من الوجوه المصطنعة والكلمات المعسولة التي تتراقص حول ميزانياته البنكية لا حول شخصه. أراد أن يجد من تراه لانس الشاب لا لانس الملياردير. ومن هنا جاءت فكرة مغامرته الغريبة.
استقر في قرية المها النائية قرية لم تطأها بعد أقدام التكنولوجيا الحديثة بشكل كامل حيث البساطة هي سيدة الموقف. اشترى دراجة نارية قديمة صدئة بعض الشيء وصوت محركها أشبه بزئير نمر عجوز. غير ملابسه الفاخرة بقمصان قطنية باهتة وسراويل جينز ممزقة وصبغ شعره الكستنائي اللامع بلون داكن باهت ليقلل من جاذبيته. تحول من لانس الرئيس التنفيذي إلى لانس السائق رجل بسيط يكافح لكسب لقمة عيشه.
في أحد الأيام المشمسة بينما كان ينتظر الركاب عند السوق المحلي الذي يضج بالباعة والمتسوقين لمحها. كانت ليلى فتاة بسيطة عيناها الواسعتان تحملان بريق الأمل رغم بساطة ثيابها. كانت تحمل سلة خيزران مليئة بالخضروات الطازجة ويبدو عليها التعب من يوم طويل. اقترب منها لانس متظاهرا بالاحترافية المعتادة لسائقي الأجرة وعرض عليها أن يوصلها إلى منزلها. كانت مترددة في البداية فملامحه لم تكن مألوفة في القرية الصغيرة لكن ابتسامته الصادقة التي لم تخفها محاولته التنكر طمأنتها.
صعدت ليلى خلفه وتمسكت به بخفة وشعر لانس بإحساس غريب

لم يعهده من قبل. لم يكن إحساسا بالمال أو السلطة بل كان شيئا أعمق شيئا يشبه الدفء الخفي الذي يذوب الجليد حول قلبه. خلال الرحلة القصيرة تحدثا عن أشياء بسيطة عن أسعار الخضروات وعن جمال القرية وعن الأحلام الصغيرة التي تداعب أرواح البسطاء. اكتشف لانس أن ليلى كانت تعمل في عدة وظائف بسيطة لتعول عائلتها وأنها كانت تحلم بفتح متجر صغير لبيع الأزهار. كانت أحلامها بسيطة ونقية بعيدة كل البعد عن الأرقام الفلكية التي تدور في عالم لانس. وعندما وصلا دفعت له أجره المتفق عليه وابتسمت له ابتسامة مشرقة كشمس القرية. غادر لانس يومها وهو يحمل في قلبه بذرة إعجاب لم تكن لها علاقة بحساباته البنكية.
بعد ذلك اللقاء بدأ لانس يتقرب من ليلى شيئا فشيئا. كان يوصلها يوميا من وإلى السوق أحيانا مجانا بحجة أنه متجه في نفس الاتجاه. كانا يتحدثان لساعات ويشاركان بعضهما تفاصيل حياتهما البصيطة. أخبر لانس ليلى عن قصة كفاحه المزعومة كسائق أجرة وعن أحلامه المتواضعة في شراء دراجة جديدة وتأسيس أسرة. كانت ليلى تستمع إليه باهتمام وتشاركه همومها وأحلامها. لم يكن يملك شيئا يذكر في نظر المجتمع لكنها كانت تراه رجلا طيب القلب مجتهدا ويملك طموحا بسيطا.
في أحد الأيام ادعى لانس أنه تعرض لمشكلة في دراجته النارية وأنه لم يتمكن من كسب أي مال لذلك اليوم. كان يبدو عليه الحزن والتعب وقد جلس على جانب الطريق يتظاهر باليأس. مرت ليلى عائدة من عملها ورأته بتلك الحالة. توقفت على الفور وركضت إليه بقلبها النقي الذي لا يعرف إلا العطاء.
ما بك يا لانس هل أنت بخير سألته بقلق بالغ بينما كانت عيناها تتفحصان ملامح وجهه البائسة. أنا آسف يا ليلى لا شيء. فقط يبدو أنني لن أتمكن من شراء أي طعام اليوم. الدراجة تعطلت ولم أستطع
كسب شيء. أجاب لانس بصوت خافت يراقب رد فعلها بعناية فكان هذا هو الاختبار الحقيقي الذي أراده.
ترددت ليلى للحظة. كانت تحمل في يدها كيسا صغيرا يحتوي على آخر ما تبقى لديها من طعام لذلك اليوم بعض الخبز وقطعة صغيرة من الجبن بالكاد تكفيها وحدها. لكن نظرتها للانس المتعب ولعيونه التي بدت محبطة لم تدع لها مجالا للتردد.
لا تقل هذا يا لانس! الطعام رزق من الله. تفضل هذا كل ما أملكه ولكن يمكننا أن نتقاسمه. قالتها بصدق لم يره لانس في حياته من قبل ومدت له الكيس بكل ما تملك من حب وعطاء. لم تفكر للحظة في جوعها أو في الغد المجهول. فقط رأت إنسانا يحتاج إلى المساعدة فقدمت له يد العون بما تملكه.
شعر لانس بانقباضة قوية في صدره. لقد نجحت ليلى في الاختبار بأعلى الدرجات. لم تكن تهتم بماله لم تكن تهتم بمكانته. لقد رأت فيه الإنسان وقدمت له أثمن ما تملك في تلك اللحظة المشاركة والعطاء بدون مقابل. في تلك اللحظة علم لانس أنه وجد ما يبحث عنه طوال حياته الحب الحقيقي والنقاء الذي لا تلوثه بهجة الدنيا الزائفة.
توالت الأيام وتعمقت العلاقة بين لانس وليلى. قرر لانس أن يكشف لها عن هويته الحقيقية قريبا لكنه أراد أن يتأكد تماما من مشاعرها. طلب يدها للزواج. كانت ليلى سعيدة للغاية لكنها كانت قلقة بشأن مستقبلها مع رجل بسيط لا يملك الكثير. ومع ذلك ثقتها به وحبها له كانا أقوى من أي مخاوف. وافقت وقررت أن تبدأ معه حياة جديدة مليئة بالحب مهما كانت الظروف المادية.
قررت القرية
كلها أن تشارك في الاحتفال بزفافهما. كان الفرح بسيطا لكنه مليء بالبهجة على الطريقة التقليدية للقرية. اجتمع الأهل والأصدقاء وجهزوا الطعام وارتدت ليلى فستان زفاف أبيض بسيط لكنها كانت تبدو فيه كأميرة من الخيال.
جاء يوم الزفاف
المنتظر. كانت ليلى تنتظر لانس في ساحة القرية الرئيسية حيث كان من المفترض أن يأتي بدراجته النارية القديمة لاصطحابها إلى مكان الاحتفال. كانت القرية كلها مجتمعة والكل يبتسم ويهتف والجميع ينتظر وصول العريس.
فجأة سمع الجميع صوتا غريبا يهز أركان السماء. صوت لم تعتاده آذان أهل القرية الهادئة. رفعت ليلى والجميع رؤوسهم إلى السماء ليروا مشهدا لم يخطر ببال أحد. كانت طائرة مروحية فخمة تهبط ببطء في ساحة القرية محركاتها تصدر صوتا عاليا وشفراتها تدفع الهواء بقوة. توقفت الطائرة وانفتح بابها ليخرج منه لانس. لكنه لم يكن يرتدي قميصه الباهت وحذاءه الممزق. كان يرتدي بدلة زفاف أنيقة للغاية تليق بملياردير. كانت ابتسامته تعلو وجهه ودمعة فرح لمعت في عينيه.
صدمت القرية بأكملها. عمت الدهشة وجوه الجميع وبدأ الهمس ينتشر كالنار في الهشيم. من هذا ماذا يحدث
توجه لانس بخطوات واثقة نحو ليلى المذهولة. أمسك بيديها بحنان ونظر في عينيها اللتين امتلأتا بالأسئلة ثم قال بصوت واضح ليسمعه الجميع ليلى حبيبتي. أنا آسف لكل هذا التمثيل ولكني كنت أبحث عنك. عن القلب النقي الذي يرى جوهر الإنسان لا ثروته. لقد وجدتك. أنت كنزي الحقيقي.
ثم التفت إلى أهل القرية المندهشين وقال أيها الكرام أنا لانس الرئيس التنفيذي لشركة سكايلاين للطيران. لقد تظاهرت بكوني سائق دراجة أجرة لأجد الحب الحقيقي وها قد وجدته في ليلى. اليوم لن نذهب إلى حفل زفاف بسيط بل سأقيم لليلى حفل زفاف أسطوري يليق بملكة قلبي.
كانت ليلى لا تزال في حالة صدمة لم تستطع النطق بكلمة. حملها لانس بلطف وصعدا إلى الطائرة المروحية التي أقلتهما بعيدا عن القرية تاركين خلفهما قرية بأكملها تتحدث عن قصة الحب الخرافية والملياردير الذي تنكر ليجد أثمن
كنوز الدنيا قلبا نقيا.

 

تم نسخ الرابط