كنتى زى الارض البور

لمحة نيوز

"كنـتي زي الأرض البـور، لـولايا أنـا ولا كـان ليـكي قيـمة ولا سعـر.." قالهـا جـوزي بـبرود فـي نـص جلـسة الطـلاق.
وبعـدها ضـحك بسـخرية وهـو بيبـص لي بعـين كاسرة:
" سـهل تتشـكلي زي العـجينة فـي إيدي.. وعمـرك ما كنتي هتـشوفي الـنور مـن غيـري."

القاعة كلها سكتت.
الناس بدأت تتحرك في أماكنها بضيق، وكأن الكلمة جرحت كرامة كل ست قاعدة، حتى ملامح القاضية بقت حادة وصارمة زي السيف. بقلم منــال عــلي 
لكن وفاء لا عيطت، ولا صرخت، ولا اتوّسلت له يسكت.
بصت بس للراجل اللي عاشت معاه 19 سنة.. بنظرة باردة وهادية لدرجة إن الهوا في القاعة كأنه اتقطع.
لأن هاني كان فاكر إنه بيكسرها بكلمة "الأرض البور"..
ميعرفش إن الأرض دي هي اللي كانت شايلاه، وهي اللي دلوقتي هتبلعه.بقلم منــال عــلي 
محكمة الأسرة في التجمع كانت زحمة الصبح، رغم إن القضية مكنتش مشهورة.
في الأول، كانت مجرد قضية طلاق عادية.
رجل أعمال ناجح.. وزوجة هادية.. وجواز كان بيبان "مثالي" قدام الناس، لكنه كان "مسوّس" وفاسد من جوه.
هاني كان صاحب مشروع سياحي ضخم في "الجونة"، شاليهات فخمة وإسطبلات خيل.
في الصور القديمة، كانوا هما "الكابل" المثالي في الحفلات والافتتاحات وسط ولاد الذوات.
لكن ورا الصور دي، وفاء هي اللي كانت شايلة كل حاجة.
هي اللي ماسكة الحسابات، بتشرف على نضافة الشاليهات، بتفاوض الموردين، وبتحجز للعملاء.
ولما العمال يغيبوا.. كانت بتنزل

الإسطبلات والمخازن بنفسها.
بس عمرها ما اتكتبت شريكة.. ولا قبضت مليم كأنه حقها.
كل حاجة كانت باسم "هاني".. ده على الأقل اللي هو كان عاوز المحكمة تصدقه. بقلم منــال عــلي 
المعركة بدأت لما وفاء طلبت حقها في الثروة اللي بنوها سوا.
هاني رد كالعادة باحتقار.. اتهمها إنها مريضة، وبتاعة لقطة، ومبتفهمش في القرش، وضعيفة.
وقدام القاضية، ساند ضهره لورا بـ "تَنَكة" وقال الجملة اللي هزت القاعة:بقلم منــال عــلي 
— "يا سيادة القاضية.. دي كانت زي الأرض البور، لولايا أنا ولا كان ليها قيمة ولا سعر. سهل تتطوع وتتشكل زي العجينة في إيدي.. وعمرها ما كانت هتشوف النور من غيري."
القاعة اتخشب مكانها.. المحامي بتاعه نفسه نزّل عينه في الأرض من كتر الإحراج.
لكن هاني مخلصش كلامه:بقلم منــال عــلي 
— "يعني من الآخر كده.. هي مجرد تابع، كانت بتنفذ اللي بقوله وهي مغمية عينيها.. إزاي دلوقتي جاية تقول أنا شريكة؟"
الإهانة كانت زي القلم على الوش.بقلم منــال عــلي 
القاضية وبخته فوراً وأمرت بتسجيل الكلام ده في المحضر.
لكن الوجع مكنش إهانة خلاص.. الوجع كان هيغير مساره.
في الاستراحة، المحامية مالت على وفاء وقالت لها:
— "انتي مش مضطرة تعملي كده يا وفاء.. مش لازم قدام كل الناس دي."
وفاء بصت قدامها بعين ثابتة وقالت بجمود:بقلم منــال عــلي 
— "لازم.. النهاردة بالذات الحق لازم يتشاف بالعين قبل ما يتسمع بالودن.
"
لما الجلسة رجعت، القاضية سألت وفاء لو حابة تعقب على كلام جوزها.
وفاء وقفت.. طولها كان فارع، وصوتها كان صافي وقوي:
— "جوزي لسه قايل إني أرض بور وهو اللي عملي قيمة.."
بصت له في عينه بحدّة:بقلم منــال عــلي 
— "وفعلاً، هو كان عنده حق في حاجة واحدة.. إني سبت نفسي سنين تتشكل على مزاجه عشان كنت بشتري بيتي.. بس النهاردة أنا مش جاية أتكلم بس."
خدت نفس عميق وكملت:بقلم منــال عــلي 
— "أنا جاية أورّي المحكمة التمن اللي دفعته الأرض البور دي عشان "البيه" يتبني قصره."
إيدها راحت لسوفت فستانها الكحلي.. همهمة ورعب خفيف ملى القاعة.
الفستان نزل بهدوء من على كتافها..بقلم منــال عــلي 
لكن تحت الفستان.. مكنش فيه حاجة تكسف.
كان فيه "مأساة"!!!!!
وفاء كانت لابسة "قميص طبي" ضاغط، وحزام ضهر جراحي صلب (دعامة) ممتد من رقبتها لحد حوضها.

الندبات كانت باينة ومحفورة في جلدها.. منها الرفيع، ومنها اللي مكلكع ومنفوخ.

هاني كان أول واحد يشيح بوشه بعيد، ووشه بقى لونه أصفر زي الليمونة.

​— "دي نتايج كسر مضاعف في العمود الفقري،" وفاء قالت بكل ثبات.

— "ضلعين مكسورين، وحوض متثبت بشرايح ومسامير.. وكل ده متسجل في مستشفى قصر العيني بالتواريخ."

بصت للقاضية ودموعها في عينيها بس مانزلتش:

— "والبيه قال للناس كلها إني وقعت من على السلم في بيتنا لوحدي عشان "دايخة"."

​المحامية قدمت التقارير الطبية المسكوت عنها،

والقاضية استلمتها بإيد بترعش من الصدمة.

وفاء كملت:

من خمس سنين، في عز الموسم، هاني أجبرها تشتغل وهي مريضة وتعبانة.. تشيل صناديق تقيلة وتجر معدات في المخزن عشان يوفر يومية عامل.

لما تعبت ووقعت من طولها، وبدأت تعترض، شدها بغل وهي على السلم الخشبي العالي.

— "اللي هو مخبيه، إنه هو اللي هز السلم بعنف وهو بيزعق فيا، ولما وقعت في الأرض جثة هامدة مش قادرة أصرخ حتى.. وطى عليا وهددني لو ما قولتش إني وقعت لوحدي هيحرمني من ولادي ويشردني."

​هاني وقف فجأة وزعق وصوته مخنوق:

— "كدب! ده فيلم هندي.. دي عايزة تلبسني مصيبة!"

القاضية خبطت بالمطرقة وزعقت فيه: "اقعد مكانك!"

​وفاء كملت وهي بتبص له بمنتهى القرف:

— "الأرض البور دي هي اللي صرفت من ورثها عشان تشتريلك الخيل اللي بتتباهى بيه.. وهي اللي ضهرها انكسر عشان انت ترفع راسك وتعمل فيها "رجل أعمال"."

​المحامية قدمت كشوفات البنك اللي بتثبت إن ورث وفاء هو اللي كان بيمول المشروع كل ما هاني يغرق في ديونه.

وفاء حطت إيدها على الحزام الطبي اللي حوالين وسطها وقالت كلمتها الأخيرة:

— "ده مش كسر يا سيادة القاضية.. دي فاتورة العيا اللي شيلتها بدال ما "البيه" يشيل مسؤوليته."

​محدش نطق.. القاعة بقت زي القبر.

حتى هاني، مكنش قادر يرفع عينه في عينها.. الرعب أكل قلبه لأنه عرف إن اللعبة خلصت.

​القاضية أعلنت استراحة قصيرة قبل النطق بالقرار..

بس الكل كان عارف إن

وفاء النهاردة مش بس خدت طلاقها..

دي خدت "تمن" كل وجع عاشته في ضلمة الأيام اللي فاتت.

 

تم نسخ الرابط