كنتى زى الارض البور
السكوت اللي حل في القاعة مكنش طبيعي.. كان تقيل، كتم نَفَس الكل، وكأن الكل فهم إن اللي شافوه ده مجرد "المقبلات" للوليمة اللي جاية.
— "الجلسة هتترفع ربع ساعة للاستراحة،" القاضية مدام ميرفت قالتها بصوت فيه رنة صدمة.بقلم منــال عــلي
محدش اتكحل من مكانه، ولا حتى هاني.
كان قاعد مخشب، عينه في الأرض، ولأول مرة من سنين.. "البيه" ملقاش كلام يقوله.
وفاء، على الناحية التانية، قعدت في مكانها بمنتهى الهدوء.
عدلت فستانها على كتافها.. خدت نَفَس.. واستنت.
لأن المرة دي.. مكنتش ناوية تهرب.
بعد الربع ساعة، الجلسة رجعت.
— "يا مدام وفاء،" القاضية سألتها برقة، "عندك أي حاجة تانية حابة تضيفيها؟"
وفاء رفعت عينها:
— "أيوه يا سيادة القاضية."
هاني طلع منه ضحكة صفرا مكتومة:
— "هو لسه العرض المسرحي مخلصش؟"
وفاء مابصتلوش أصلاً:
— "لا.. ده لسه بيبدأ."بقلم منــال عــلي
المحامية "أماني" قربت من المنصة:
— "سيادة القاضية، بإذن المحكمة، إحنا بنقدم آخر دليل.. الضربة القاضية."
أماني شاورت بإيدها..
وفجأة.. باب القاعة اتفتح.
دخل راجل لابس بدلة شيك، شنطة جلد في إيده، وخطوته تقيلة.
— "اسمي الدكتور إسماعيل يسري، خبير حسابات جنائي."بقلم
هاني كش ووشه اتغير:
— "مين ده؟ وايه اللي جابه هنا؟"
المحامية أماني ابتسمت ببرود:
— "ده "النهاية" بتاعة تمثيليتك يا هاني بيه."
الخبير وقف قدام القاضية وقال:
— "خلال الست شهور اللي فاتوا، فحصت كل حسابات "هاني المصري" وشركاته.. واكتشفنا تحويلات مريبة بمبالغ تتخطى الـ 100 مليون جنيه لحسابات قرايب هاني من الدرجة الأولى.. والكلام ده حصل بالظبط بعد حادثة مدام وفاء."
همهمة ورعب في القاعة.. "إيه؟" "ملايين؟"
الخبير كمل:بقلم منــال عــلي
— "والأدهى من كده، إن الفلوس دي اتسحبت من حسابات "مشتركة" أصلها "ورث" مدام وفاء."
هاني اتسمر مكانه، كأن حد سحب الهوا من صدره، وبدأ يتهته:
— "ده.. ده ما يثبتش حاجة.."
المحامية ردت عليه:
— "لا يثبت.. يثبت إخفاء ممتلكات، ونصب، وسرقة حقوق زوجية."
القاضية كانت بتكتب كل كلمة، بس وفاء لسه ما خلصتش.
— "سيادة القاضية.. فيه حاجة كمان."
هاني بص لها.. ولأول مرة، شفت في عينه "خوف" حقيقي. بقلم منــال عــلي
— "من خمس سنين، وأنا في المستشفى بين الحياة والموت.. حد زارني."
القاعة سكتت تماماً.
— "مكنش جوزي.. كان مندوب شركة التأمين."
أماني قدمت ورق جديد:
— "بوليصة تأمين على الحياة والحوادث."
القاضية
وفاء قربت خطوة:
— "جوزي عمل بوليصة تأمين باسمي.. قبل الحادثة بتلات شهور بس."
الجو في القاعة اتكهرب.
— "بتغطية للعجز الكلي بتوصل لـ 50 مليون جنيه."
هاني زعق بانهيار:
— "ده طبيعي! أي حد بيأمن على أهله!"
وفاء بصت له لأول مرة بانتصار:
— "صح.. بس مش أي حد "بيزود" التغطية لأقصى مبلغ.. قبل ما مراته "تقع" بكام يوم."
الضربة كانت قاضية.. سكوت موت.
وفاء كملت:
— "ومش أي حد بياخد فلوس التأمين "كاش" من ورا مراته اللي مرمية مشلولة ومش عارفة تمشي."
القاضية سألت الخبير: "يعني هو قبض التعويض؟"
الخبير رد: "فعلاً يا فندم، التعويض اتصرف بعد الحادثة بست شهور.. ودخل في حساب "هاني" الشخصي."
وفاء اتنهدت بوجع:
— "يعني وأنا بتعلم أمشي من جديد.. هو كان بيقبض تمن جسمي اللي انكسر."
الخبطة كانت مدوية.. ست في القاعة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط.
القاضية خبطت بالمطرقة: "هدوء في القاعة!"
المحامية أماني طلبت رسمياً تحويل القضية للنيابة العامة بتهمة "الشروع في قتل، وتزوير، وعنف منزلي."
هاني صرخ: "دي جنان! إحنا في محكمة أسرة مش جنايات!"
القاضية بصت له نظرة خلت ركبه تخبط في بعض:
— "مابقتش مجرد قضية طلاق.. دي بقت "مسرح جريمة"."
النهاية:
"رواية جديدة"
بعد تلات شهور.. مصر كلها مكنتش بتتكلم غير عن قضية "وفاء وهاني".
الصحف سمتها "طلاق إمبراطور الكدب".
هاني المصري بقى وراه قضايا تزوير وعنف، وشركاته كلها اتجمدت، وصورته "الشيك" اتمسحت بالأرض.
بس القصة الحقيقية كانت "وفاء".
وفاء اللي رفضت تكون ضحية.. وفاء اللي اتكلمت.
في حكم الطلاق النهائي:
- المحكمة حكمت لوفاء بـ 50% من كل ممتلكات المشروع.
- تعويض مادي ضخم عن العجز الجسدي والضرر النفسي.
- وفوق ده كله.. "الإدارة الكاملة" للمشروع السياحي.
يوم النطق بالحكم، وفاء لا ضحكت ولا عيطت.. غمضت عينها بس لثانية، كأنها أخيراً "ارتاحت".
بعد ست شهور..
مشروع "الجونة" لسه شغال، بس مابقاش اسمه "منتجع هاني".
بقى اسمه: "واحة الحق".
العمال بقوا بياخدوا حقوقهم، مواعيد آدمية، تأمين صحي، واحترام.
وفاء كانت ماشية في وسط الخيل ببطء بس بـ "ثبات".
طفل صغير جرى عليها وسألها: "يا طنط، هو انتي صاحبة المكان؟"
وفاء ابتسمت: "أيوه يا حبيبي."
الولد قال لها: "ماما بتقول إنك ست قوية أوي."
وفاء بصت للسما، افتكرت كل اللي فات، وهزت راسها:
— "لا يا حبيبي.. أنا مش قوية."
الولد استغرب: "أمال انتي إيه؟"
وفاء خدت نَفَس من ريحة الحرية وقالت:
— "أنا بس بطلت أخاف.
وفاء رفعت راسها للسما.. نفس الأرض، ونفس الشجر.. بس حكاية جديدة خالص.
لأن المرة دي.. محدش هيقدر يركب فوق ضهرها تاني.
ولا حد هيقدر "يشكلها" على مزاجه.
ولا حد.. هيقدر يسكتها.
تـمـت.