كامله
أخويا رمى كرامتي تحت رجلين ضيوفه الأكابر وبعتني أقعد مع العيال في طاولة ورا خالص جنب المطبخ، وهمس في ودني بسمّ مش عايز منظري يبوظ.. مكنش يعرف إن المدير الملياردير اللي كان هيتمحك فيه عشان نظرة رضا، هو اللي هيقوم من وسط الهوامير ويجي يقعد جنبي أنا ويحط مناخير أخويا في الطين!
ما تسديش المدخل يا نسمة، في ناس تقيلة داخلة، مش عايز كركبة في الصورة.
دي كانت التحية اللي رشقها أخويا شريف في وشي يوم فرحه. قالها ببرود وهو بيظبط بدلتُه اللي تمنها يعدي ميزانية بيت، وعينه في المرايا مش في عيني، وكأن وجودي مجرد غلطة مطبعية في يومه المثالي. مكنش فارق معاه إني أخته، ولا فارق معاه إني شايلة في إيدي هدية ماكينة قهوة إيطالي طحنت مرتب شهري عشان أجيبهاله.
القاعة كانت فخمة لدرجة تخنق، نجف بيبرق زي الألماس، وناس ماشية كأن الأرض ملكهم، وشريف كان في ملعبه.. طول عمره بيعشق المنظرة، وعارف إزاي يتسلق على كتاف أي حد عشان يوصل.
قرب مني بالتكشيرة اللي حافظاها من صغرنا، النظرة اللي بتقول إنتي عار عليا
إيه اللي جابك هنا؟
جيت فرح أخويا، إنت شارب حاجة؟
نسمة، إنتي واقفة في كادر التصوير.. هنا في مستثمرين، مديرين بنوك، وأهم ناس من شركة فانغارد للتكنولوجيا واصلين حالاً.. مش عايز
بصيت لنفسي.. فستاني، شعري، الروج اللي هو اللي اختار درجته بنفسه.. كل حاجة كانت على المقاس عشان مكسفهوش، وفي الآخر بقيت أنا التشويه؟
قلتله بصوت مخنوق أنا أختك يا شريف.
وعشان كده حجزتلك مكان مريح.. الطاولة 19.
طلع الخريطة وشاور على أبعد ركن مستخبي ورا البلالين.. طاولة الأطفال.
أقعد مع العيال يا شريف؟
طنط عواطف هناك، وهي كده كده مابتسمعش، فمش هتصدعك.. نسمة، إنتي مش ليفل الناس اللي قدام دي، دول بتوع بزنس وصفقات بمليارات، إنتي آخرك مدونة على النت.. اقعدي ورا، كلي، وافتحي بوقك بابتسامة بس، وبلاش تعمليلي فضايح.
الدم غلي في عروقي، كنت عايزة أرمي الهدية في وشه وأمشي، بس سكت.. هو فاكر إن المدونة دي لعب عيال، ميعرفش إن زين المنشاوي البعبع اللي هو مرعوب منه مبيطلعش كلمة للصحافة إلا لما أكون أنا اللي مراجعاها وكاتباها بكلماتي. ميعرفش إن الخطاب اللي هز البورصة الأسبوع اللي فات، كان طالع من اللابتوب بتاعي وأنا قاعدة ببيجامتي في البيت.
رحت طاولة 19 وأنا ببلع ذلي. كراسي بلاستيك، ريحة ناجتس باردة، وعيل صغير بيعيط.. مشهد بائس. قعدت أفتح أكياس الكاتشب للعيال وأرسم لهم تنانين بالألوان الفلوماستر عشان أسكتهم. من مكاني المتداري ده، كنت
فجأة.. القاعة سكتت تماماً.
كل الرؤوس لفت ناحية الباب وكأن ملك الموت دخل.. زين المنشاوي وصل.
الهيبة بتاعته خلت شريف يتنفض من مكانه ويجري عشان يلحق يحجز مكان في الكادر جنبه.. بس الصدمة إن زين مابصش ناحية الكوشة أصلاً. عينه كانت بتدور في القاعة بحدة، وكأنه بيدور على حد ضايع منه.
وفجأة، عينه جت في عيني.. ولقيته بيتحرك بكل هيبته، ساب الأكابر والوزراء، وماشي بخطوات واثقة ناحية ورا.. ناحية المطبخ.. ناحية طاولة الأطفال.
شريف كان ماشي وراه بابتسامة بلهاء فاكره رايح يقعد، بس زين وقف قدام طاولتي أنا، وسحب كرسي بلاستيك صغير من بتاع العيال، وقعد جنبي وهو بيقول بصوت مسموع هز القاعة
بقى بقالي ساعة بدور عليكي في صفوف البزنس يا نسمة، أتاريكي قاعدة هنا بتديري الإمبراطورية من وسط العيال؟
لحظتها.. شريف وشه بقى أزرق، والناس كلها بدأت تتوشوش مين البنت دي اللي زين المنشاوي ساب الكل وراحلها؟
بصيت لشريف بابتسامة باردة وقلتله معلش يا زين، أصل أخويا خاف لا أبوظ الصورة قدام المستثمرين.. فجيت أقعد في مستوايا.
زين المنشاوي رفع حاجبه وبص لشريف بنظرة خلت أخويا يتمنى الأرض تنشق وتبلعه،
القاعة كلها كانت في حالة ذهول، المعازيم سابوا الأكل والشرب وبقوا بيبصوا على طاولة الأطفال اللي تحولت فجأة لمركز الكون. شريف كان واقف زي التلميذ الخايب اللي بيتعنف، وشه بيجيب ألوان، وعرقان رغم تكييف القاعة اللي يجمّد.
أستاذ زين.. أنا.. أنا بس كنت... شريف حاول يتكلم، بس صوته طلع مرعوش.
زين مقالوش كلمة تانية، التفت ليا وكأنه بيمحي وجود شريف من القاعة
نسمة، سيبك من الهري ده كله. العقد الجديد بتاع مجموعة فانغارد جاهز، وأنا مش همضي حرف واحد غير لما تعدي عليه وتديني كلمة السر بتاعتك.. نطلع بره الدوشة دي ونتكلم؟
قمت وقفت بكل ثقة، عدلت فستاني البيبي بلو اللي شريف كان فاكر إنه كتير عليا، وبصيت لياسين الصغير اللي كان ماسك التنين اللي رسمتهوله وقلتله خلي التنين معاك يا بطل، عشان تفتكر إن اللي بيكتب الحواديت هو اللي بيتحكم في الوحوش.
مشيت جنب زين والعيون كلها علينا، وكأننا في مشهد سينما. عديت من جنب شريف اللي كان واقف زي الصنم، همست في ودنه بكلمة واحدة بس
الصورة باظت يا شريف؟
خرجت من القاعة وأنا حاسة بنسيم