كامله
لحمك ودمك، أمي قالتها وهي بتمسك إيدي.
رديت بهدوء لما كنت قاعدة في طاولة الأطفال يا ماما، مكنش حد فاكر إن ليا لحم ودم.. كنت مجرد ديكور مبوظ الصورة.
في اللحظة دي، زين دخل. ملامحه كانت صارمة، بس بمجرد ما عينه جت في عيني، لانت. بص لأهلي وقال بنبرة هزت المكان
نسمة مش هتمضي على ورقة، ولا هتقول كلمة تنقذ حد ميعرفش قيمتها. بس عشان خاطرها هي، أنا هسوي ديون شريف.. بشرط واحد.
أبويا سأل بلهفة إيه هو؟
زين بصلي بابتسامة فخر وقال شريف يشتغل موظف صغير في قسم الأرشيف عندي، تحت إيد نسمة مباشرة.. هي اللي تقرر يترقى ولا يفضل ورا الأبواب المستخبية زي ما كان بيعمل فيها.
شريف وافق وهو مطأطأ راسه، والدرس كان قاسي.. لأول مرة يشوفني وأنا في قمة المجد، مش بس عشان فلوس زين، لكن عشان عقلي اللي الكل بقى بيعمله ألف حساب.
وفي ليلة، وإنا واقفة في البلكونة مع زين بنبص على النيل، سألني
ندمانة يا نسمة؟
قلتله
ندمانة إني مكنتش عارفة قيمتي من زمان.
قرب مني وهمس إنتي مش بس غيرتي مصيري يا نسمة.. إنتي خليتي للنجاح طعم تاني.
وتحت أنوار القاهرة اللي مبتنامش، قفلت حكاية بنت طاولة الأطفال وبدأت أسطورة سيدة القصر، البنت اللي علمت الكل إن اللي بيحاول يداري شمس الحقيقة بصباعه، هو بس اللي بيتحرق.
مرت الشهور، وبقيت أنا وزين الثنائي الأقوى في البلد. شريف فعلًا بدأ يستلم شغله في الأرشيف، وبقى يشوفني كل يوم وأنا داخلة الشركة والكل بيقف انتباه، كان بيشوف نسمة اللي كان بيخجل منها وهي بتدير اجتماعات بتحدد مصير شركات عابرة للقارات.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي براجع تقرير سنوي، دخل عليا زين وكان باين على وشه ملامح قلق غريبة، لأول مرة أشوف الوحش مهزوز.
نسمة.. أنا في ورطة.
قلبي اتنفض خير يا زين؟ في حاجة في الشغل؟
لأ، الشغل تمام.. بس في مؤتمر بكره
ابتسمت وقمت وقفت قدامه، مسكت إيده وقلتله أنا معاك يا زين.. إحنا هنكتب أغلى كلمة في تاريخك.
قضينا الليل كله سوا، مش كمدير وكاتبة، ولا حتى كزوج وزوجة، كنا روحين بيدوبوا في بعض عشان يطلعوا النور. كتبتله كلمات طالعة من قلبي، عن إزاي الحب والصدق هما المحرك الحقيقي لأي نجاح، مش بس الأرقام والآلات.
سافرنا سوا، ووقف زين على المنصة العالمية، وبدأ يتكلم بالكلمات اللي كتبناها في لحظة صفاء. القاعة اللي كانت مليانة بأباطرة العالم سكتت تماماً، وفي نهاية الكلمة، الناس وقفت تصقف لمدة عشر دقايق متواصلة.
زين وهو نازل من على المنصة، مابصش للصحافة ولا للمصورين، جيه عليا وسط ذهول الكل، وشالني ولف بيا وهو بيقول بصوت مسموع إنتي معجزتي يا نسمة.
بعد سنين، بقى
بصيت بعيد، شوفت شريف قاعد مع ولاده، بس المرة دي كان بيبصلي بنظرة احترام وندم حقيقي. قمت من مكاني، ورحت لحد عنده، وخدت ولاده وقلتله
عارف يا شريف.. الدنيا دوارة، بس اللي بيبني بيته على الحب والتقدير، عمره ما بيقع.
شريف دمع وقال بصوت واطي سامحيني يا نسمة.. أنا اللي كنت أعمى.
ابتسمت ورجعت لزين اللي كان مستنيني وعينه بتلمع بالفخر. قعدت جنبه، مسك إيدي وباسها قدام الكل، وهمس في ودني
تفتكري القصة خلصت لحد هنا؟
رديت عليه وأنا ساندة راسي على كتفه لأ يا زين.. إحنا لسه في أول سطر في أجمل حكاية كتبها القدر.
وهنا، انتهت حكاية الوجع، وبدأت حياة كلها نور، حياة أثبتت إن البنت اللي استصغروها وقعدوها في طاولة الأطفال، هي اللي في الآخر علمت الكبار يعني إيه كرامة.