رمونى فى الشارع لمشيره محمد

لمحة نيوز

إيه وشحاتة إيه؟ والناس تقول علينا إيه لما يعرفوا إننا بنتعالج على حساب الجمعيات؟!
الدكتور حسن بص لهم بذهول وقرف وقال يعني إنتوا عايزين تعملوا إيه بالظبط؟
أبويا رد من غير ما يرمش له جفن
هي عندها 13 سنة.. الدولة تتولاها وتعمل لها قرار علاج، والمصاريف تبقى على حساب التأمين، وإحنا فلوسنا تفضل زي ما هي ومحدش يمسها!
الجزء الثاني والأخير يوم الحساب.. والكلمة الأخيرة
نزلت الكلمة على ودان رأفت وكريمة زي الصاعقة. الاسم اللي هز القاعة ما كملش بلقب رأفت اللي كانوا مستنيين يرفعوا راسهم بيه وسط الناس. الاسم كان أمل ممدوح، اسم جوز أبلة نادية الله يرحمه، الراجل اللي فتح لي بيته وكتبني على اسمه في قلبه قبل ورقه، والست اللي شالتني لما الكل رماني.
أبويا، أو الراجل اللي كان المفروض يكون أبويا، اتمط في قعدته ووشه اتقلب ألوان. الفرحة المزيّفة والمنظرة اللي كان راسمها على وشه اختفت، وحل مكانها ذهول وصدمة خلت كتيب الحفلة يقع من إيده على الأرض. أمي كريمة لفت وشها يمين وشمال وهي مشوشة، عينيها كانت بتدور على أي مخرج من الكسفة اللي حطوا نفسهم فيها. بصت لرأفت وهمست بصوت مخنوق ومكتوم
يعني إيه أمل ممدوح؟ البنت غيرت اسمها يا رأفت؟ دي بتتبرى مننا قدام الدكاترة والناس دي كلها؟
رأفت ما ردش عليها. كان باصص عليا وأنا برفع روب التخرج وبمشي بثبات ناحية منصة الإلقاء. خطواتي مكنتش خطوات البنت العيانة المرعوبة اللي سابوها من 15 سنة في الممر الضلم؛ كانت خطوات دكتورة واقفة على أرض صلبة، دكتورة حاربت الموت والسرطان والندالة وطلعت كسبانة.
وقفت قدام المايك. الصالة كلها سكتت، آلاف العيون كانت باصة عليا، ومن بينهم أربع عيون مليانين غل وحسابات، وعينين تانيين خالص.. عينين أبلة نادية اللي كانت بتبكي دموع فرحة صافية، دموع ست زرعت في أرض بور وطلّعت ورد.
حطيت ورقة الخطبة قدامي، وبصيت direct على الصف الأول.. عليهم هما بالذات. ابتسمت ابتسامة هادية، وفتحت المايك
سيادة العميد، أساتذتي الأجلاء، زملائي الأطباء.. وعائلاتنا الكريم اللي شرفونا النهاردة. في العادة، خطبة المتفوق بتبقى مليانة شكر للأهل اللي دفعوا المصاريف وسهروا الليالي وضيعوا راحتهم عشان يشوفوا أولادهم في المكانة دي. بس أنا النهاردة، قصتي مختلفة شوية.. أنا عايزة أشكر الأهل اللي مادفعوش.
همهمة خفيفة سرت في القاعة. الناس بدأت تبص لبعضها باستغراب. رأفت بدأ يتحرك في كرسيه بعدم راحة، وكريمة حطت إيدها على بوقها وهي حاسة إن في مصيبة هتحصل. أنا كملت وكلامي كان بيطلع هادي ورزين، بس حاد زي المشرط
لما كان عندي 13 سنة، وقفت في أوضة مستشفى والدكاترة قالوا إني مريضة سرطان دم. في اللحظة دي، أهلي البيولوجيين قرروا إن حياتي عبارة عن صفقة خسرانة. حسبوها بالورقة والقلم، لقوا إن مصاريف علاجي ممكن تيجي على حساب حساباتهم في البنك، وعلى حساب مستقبل أختي ندى. أبويا وقتها قال للدكتور بالحرف إحنا مش هنضيع مستقبل مضمون عشان خاطر مستقبل ملوش ملامح. رموني.. اتنازلوا عن حضانتي للوزارة وللمستشفى عشان التأمين الصحي يشيل التكلفة، ومشيوا وسابوني لوحدي بوجعي وخوفي، عشان فلوسهم تفضل زي ما هي ومحدش يمسها.
القاعة كلها اتكهربت. الهمهمات بقت صوت مسموع. الدكاترة الكبار على المنصة بدأوا يبصوا لبعض بذهول. أمي كريمة وشها بقى أبيض زي الورقة، وحاولت تقوم من مكانها عشان تخرج من القاعة من كتر الكسوف، بس رأفت مسك إيدها بغل وقعدها وهو هامم
اقعدي! لو قمنا دلوقتي الفضيحة هتبقى بجلاجل والكل هيعرف إننا إحنا المقصودين!
بصيت عليهم وكملت كلامي
بس ربنا سبحانه وتعالى لما بيقفل باب، بيفتح أبواب من رحمته. في نفس الليلة اللي اترميت فيها، دخلت عليا ممرضة شفت الليل.. ست بسيطة بمرتب بسيط، بس قلبها كان يسع العالم. الست دي شافت البنت اللي أهلها اعتبروها استثمار فاشل، وشافت فيها حاجة غالية ملهاش تمن. أبلة نادية.. الست اللي قاعدة في الصف الأول ولابسة فستان أخضر.. هي دي اللي خدتني بيتها. هي دي اللي رهنت شقتها في السر عشان تكمل مصاريف علاجي وعشان تدخلني أحسن مدارس ومحسش أبداً إني أقل من حد، أو إني كنت حمل تقيل على حد.
القاعة كلها لفت تبص على أبلة نادية. نادية كانت بتعيط ومغطية وشها بإيديها من الخجل والفرحة. الناس بدأت تصفق لها تلقائياً، تصفيق حار هز جدران المكان.
مسحت دمعة هربت من عيني وكملت
النهاردة وأنا واقفة هنا كأول الدفعة، وبقيت دكتورة في أورام الأطفال عشان أعالج كل طفل أهله ميعقدوش يحسبوا ثمن حياته كام.. أحب أقول للشخصين اللي طلبوا كراسي VIP النهاردة عشان ينسبوا الفضل لنفسهم إنتوا فعلاً كان ليكم فضل.. فضل إنكم لما مشيتوا، سيبتوني للست اللي عملت مني الدكتورة أمل ممدوح. شكراً ليكم على درس الندالة.. وشكراً لأمي نادية على درس الإنسانية.
انتهت الخطبة. القاعة كلها وقفت تصفق، دكاترة، طلاب، أهالي..

تم نسخ الرابط