المطعم
بعد 32 سنة، المطعم بتاعي اتباع وطردوني منه. وفجأة، دخلت واحدة غريبة وتبان مريشة وهي بتعيط وتقول أنتِ أكلتيني لما كنت هموت من الجوع. وراحت مدياني عقد ملكية المطعم اللي لسه شرياه عشاني. بس أول ما جيت أفتحه، ه بالسر المرعب بتاع الماضي بتاعي، سر خلى الدم يتجمد في عروقي...
أنتِ أكلتيني لما كنت هموت من الجوع.
الكلمات اللي قالتها البنت الشابة وهي صوتها بيترعش خلت أمينة تقف مكانها وهي بتستعد عشان تمشي وتسيب المطعم اللي خدمت فيه اتنين وتلاتين سنة.
المطعم خلاص اتباع.
وبعد ما خلصت أخر شفت ليها، أمينة طبقت المريلة بتاعتها في هدوء وبصت حواليها... بصت للكنب القديم المتأكل، ونور الصاج اللي بيرعش، والجرس اللي فوق الباب اللي بقى حتة من حياتها.
وفجأة، دخلت واحدة شيك وراقية جداً.
عينها كانت مليانة دموع.
أمينة قالت لها أنا معرفكيش يا بنتي.
البنت حطت ظَرف أصفر قديم على الطاولة وقالت عارفة.. بس أنتِ كنتِ تعرفيني.
جوه الظرف كان فيه صورة قديمة لأمينة وهي أصغر بكثير، قاعدة على ركبتها جنب بنوتة صغيرة رفيعة ولابسة هدوم واسعة أوي عليها.
وكان مكتوب على ظهر الصورة
شكراً إنك أكلتيني أنا وأمي لما مكنش معانا ملاليم.
إيدين أمينة بدأت ترعش.
أنتِ البنوتة الصغيرة بتاعة الليلة إياها...
البنت هزت رأسها بالآه.
وبعدين حطت كومت أوراق وعقود رسمية قدامها.
أنا اشتريت المطعم ده بسبَب اللي عملتيه معايا زمان.
أمينة فتحت الورق بالراحة واحدة واحدة..
بس قبل ما تقرأ أول صفحة، البنت قربت منها أوي ووشوشتها
فيه سر عن ماضيكي من حقك تعرفيه.
حكايات مشيره محمد
ظلّت الكلمات تتردد في أذن أمينة كأنها صدى نداء قادم من قاع بئر سحيق. كانت العبارة أثقل من أن يستوعبها عقلها في لحظة واحدة فيه سر عن ماضيكي من حقك تعرفيه.
وقفت أمينة ويدها المعروقة تتشبث بأطراف العقد الجديد، ذلك العقد الذي كان يفترض أن يكون طوق نجاة، فرصة ثانية أُهديت لها بعد عقود من الشقاء خلف طاولات مطعم البركة الصغير. لكن نظرة العينين اللتين أطرقتا أمامها لم تكن تحمل إشراقة أمل؛ بل كانت محمّلة بظلال ثقيلة لليلة خرساء مرّ عليها أكثر من خمسة وعشرين عاماً.
تطلّعت أمينة في وجه الفتاة الشابة. كانت ترتدي معطفاً أنيقاً ينمّ عن ثراء فاحش، وساعة ذهبية تحيط بمعصمها النحيل، لكن ملامحها كانت تحمل بوضوح الشبه القديم... نفس العيون الخضراء الواسعة، ونفس الشامة الصغرى أسفل وجنتها اليسرى التي رأتها أمينة في تلك الليلة الماطرة من شتاء عام 2001.
سادت لحظة صمت قاطعتها ثغرة الهواء المتسربة من الباب الزجاجي، ليتحرك الجرس النحاسي المعلق في الأعلى محدثاً رنيناً خافتاً.
سألتها أمينة بصوت تحشرج فيه الخوف
سر إيه يا بنتي؟ أنتِ مين بالضبط؟ وأمك... أمك جرالها إيه؟
مسحت الفتاة دموعها بطرف أصبعها، ونظرت حولها إلى الكنبات الجلدية الممزقة، وإلى المطبخ المفتوح الذي تفوح منه رائحة القهوة والزيت المحروق، ثم أشارت إلى إحدى الطاولات البعيدة في الزاوية، الطاولة رقم 4، التي طالما جلس عليها الغرباء.
قالت بصوت خفيض وبارد
تقعدي يا خالة أمينة؟ الكلام اللي هقوله محتاج حيل... وحيلك شكله راح من زمان في الشقا.
سارت أمينة بخطوات ثقيلة كأنها تجر أثقالاً من الحديد. جلست قبالة الفتاة، وحطت يدها على المفارش البلاستيكية المصفرّة. كانت الأصوات الخارجية للشارع قد بدأت تتلاشى، محلات وسط البلد تطفئ أضواءها، وسيارات الأجرة تمر مسرعة على الأسفلت المبتل.
بدأت الفتاة الحديث، واسمها نورهان
فاكرة الليلة دي يا خالة أمينة؟ ليلة النوة بتاعة يناير؟ لما الدنيا كانت بتشتي مطر يهد الجبال، والراجل اللي كان صاحب المطعم وقتها... الحج معوض... قفل الباب في وشنا وطردنا أنا وأمي وقالنا معيش أكل للعدمية؟
أغمضت أمينة عينيها، ورجعت بها الذاكرة. لم تكن بحاجة لمن يذكرها.
تردد صوت أمينة المتعب
أفتكر... كيف أفتكرش؟ أنتِ كنتِ حتة بت صغيرة مش تميش ثمان سنين، هدومك غرقانة مية ورجليكي بتخبط في بعضها من البرد. وأمك كانت ساندة على الحيطة زي اللي بتموت. الحج معوض الله يرحمه كان قاسي... قلب حجر. خاف على الكشكول والحسابات وقال المشردين هيبوظوا الزباين.
ابتسمت نورهان ابتسامة باهتة تشبه الألم
وساعتها... لما هو مشي وسابك تقفلي المطعم، أنتِ فتحتي الباب الموارب وندهتي علينا. قعدتينا في الذرة ورا، وطلعتي لنا شوربة سخنة وعيش، ولما شفتي أمي بتترعش، قلعتي شالك الصوف وحطيتيه على كتفها... ونزلتي على ركبتك واديتيني حتة لحمة كانت نصيبك أنتِ من أكل اليوم.
تنهمت أمينة، وهي تنظر للأسفل
ده كان واجب يا بنتي... ربنا اللي كان ممشي أيدي وقتها. الأكل ده ما كانش ملكي، بس ما كانش ينفع أسيب بني آدمين يموتوا من الجوع قدام عيني.
نورهان هزت رأسها بالرفض وقاطعتها بنبرة حادة مفاجئة
لا يا خالة أمينة... الأكل ما كانش المهم. المهم هو اللي حصل بعد ما إحنا مشينا. السر مش في الشوربة ولا الشال... السر في الشنطة السودا اللي أمي سابتها تحت الطاولة لما طردنا الحج معوض، وأنتِ قعدتينا ورا!
جمدت دماء أمينة في عروقها. فتحت عينيها متسعة، وشعرت برعشة تسري من أطراف أصابعها لتستقر في منتصف صدرها.
سألت بذهول
شنطة؟ شنطة إيه؟ أمك ما سابتش شنط! أمك كانت شايلاكي أنتِ بالعافية!
مالت نورهان بجسدها إلى الأمام، وانخفض صوتها ليصل إلى حد الهمس الخاطف الذي يخترق العظام
أمي كانت هربانة يا خالة أمينة. هربانة من