المطعم

لمحة نيوز

جوزها... هربانة من أبيا! وأبيا ده ما كانش راجل عادي... كان راجل واسع النفوذ، ظالم، وعنده كل حاجة بالفلوس. أمي لما سابت البيت، أخدت معاها الشنطة السودا... الشنطة اللي كان فيها وراقة، وأوراق ملكية، ومبلغ كبير جداً كان هيأمن حياتنا. بس لما الحج معوض زعق وطردنا في الأول، أمي من خوفها رمت الشنطة تحت الكنبة الجلد بتاعة الطاولة دي... الطاولة اللي إحنا قاعدين عليها دلوقت!
بدأت جفون أمينة ترتفّ، وحاولت استرجاع التفاصيل. كانت تلك الليلة مليئة بالفوضى.
استطردت نورهان، وعيناها تثبتان في عيني أمينة بلا رحمة
إحنا لما مشينا بعد ما أكلتينا، أمي نسيت الشنطة من كتر الخوف والتعب. افتكرتها لما وصلنا اللوكاندة الشعبية في آخر الشارع. رجعت جري عشان تاخدها... كانت الساعة حودت على اتنين بالليل. المطعم كان مقفول... بس النور الصغير بتاع المطبخ كان شغال. أمي بصلت من خرم الباب... وشافتك!
ساد صمت خادق في المكان. تنفس أمينة أصبح متسارعاً ومسموعاً.
سألت بنبرة خائفة
شافتني؟ شافتني بأعمل إيه؟
ردت نورهان بصوت يقطر أسي
شافتك وأنتِ ماسكة الشنطة السودا... فتحتيها، وطلعتي منها الرزم. حزمت الفلوس اللي كانت كفيلة تعالج أمي من السرطان اللي كان بنخر في جسمها، الفلوس اللي كانت تقدر تبني لنا حياة... شافتك وأنتِ بتاخدي الفلوس بتحطيها في شنطتك القماش القديمة، وبعدين أخدتي الورق والأوراق الرسمية ورميتيهم في الصفيحة بتاعة الزبالة ولعتي فيهم عشان تختفي أي بصمة أو أثر!
صرخت أمينة مستنكرة، وقامت واقفة من طولها، واهتزت الطاولة حتى كادت الأكواب الفارغة تتساقط
كدب! كدب ورب العزة كدب! الكلام ده ما حصلش! أنا عمري ما حطيت أيدي على جنيه حرام! أنا شقيت طول عمري بشرفي! اتنين وتلاتين سنة بأكل لقمة حلال وبأصرف على أيامي بسويد وجهي! أمك كدابة يا بنتي... أمك تاهت منها الشنطة ولا بتتبلى عليا!
ظلت نورهان جالسة بمكانها، لم تتزحزح قيد أنملة، بل اكتفت بنظرة هادئة ومظلمة، ثم رفعت يدها وأشار إليها بسبابته لتجلس.
قالت نورهان ببرود قاتل
اقعدي يا خالة أمينة... اقعدي ونزلي صوتك. الشارع فاضي ومفيش حد هيسمعك غير جدران المطعم ده اللي شهدت على كل حاجة. أمي ما كانتش بتكدب... أمي ماتت بعد الليلة دي بسنتين بالظبط من المرض ومن القهر. ماتت وهي بتفكر في السر ده. وفي أخر نفس ليها، وقفتني وقالت لي يا نورهان... الست اللي أكلتنا في الليلة دي، هي نفسها الست اللي سرقت حياتنا. هي أكلتك بلقمة، وأخدت ثمن مستقبلك كله.
جلست أمينة مرة أخرى، لكن هذه المرة اندفعت دموعها كالسيل. كانت تفرك يديها ببعضهما في هستيريا، وصوتها يتنقل بين النحيب والانكار.
قال أمينة وهي تنتحب
والله العظيم ما حصل... والله ما شفت شنطة ولا شفت فلوس! أنا الليلة دي بعد ما مشيتوا، الحج معوض جه المطبخ من الباب الخلفي... جه غضبان وبيدور على حاجة... هو اللي كان...
توقفت أمينة فجأة. اتسعت حدقتا عينيها كأن قطعة من الأحجية المفقودة استقرت في مكانها للتو.
تطلعت إليها نورهان بذكاء وانتباه
سكتي ليه؟ كملي... الحج معوض جه يعمل إيه؟
أمسكت أمينة برأسها بين يديها، وجسدها كله يرتجف
الحج معوض... يا علي حظي الأسود... الحج معوض لما مشيتوا، رجع المطعم بعد نص ساعة. كان باين عليه التوتر وكان بيسألني الست والبنت اللي كانوا هنا سابوا حاجة؟ أنا قلت له لاء يا حج... مشيوا وما سابوش غير دعوة حرة. بس هو ما صدقنيش... وقعد يقلب في المطعم كله. دخل تحت الكنب، ودور ورا الصناديق... وأنا مشيت وسبته. تاني يوم... تاني يوم الصبح، الحج معوض جاب نجار وغير الأرضية بتاعة الطاولة رقم 4، وجاب بضاعة جديدة للمطعم، وبعدها بشهرين اشترى العمارة اللي جنبه!
شخصت أبصار نورهان، وتبدلت ملامحها الشديدة القسوة بذهول مفاجئ.
سألت نورهان بصوت متلعثم
أنتِ... أنتِ بتقولي إيه؟ الحج معوض؟
قالت أمينة بدموع صادقة وهي ترفع يديها للسماء
وحياة كتاب الله المجيد... وحياة من جمعنا في الساعة دي! أنا ما لمستش حاجة! أنا مشيت الساعة اتنين بعد ما قفلت المطبخ، وهو فضّل جوة! هو اللي أخد الشنطة! هو اللي شافكوا وأنتوا داخلين الشارع وعرف إن أمك معاها حاجة متقلة الشنطة! عشان كده طردكم بنفسه وقفل الباب، ولما لقي الفرصة سانحة رجع واخد كل حاجة! أنا كنت فاكراه بيغير أرضية عشان الرطوبة... اتاري الراجل كان بيدفن حقيقتكم وبيبني ثروته على شقاكم ومالكم!
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان صمتاً مشحوناً بالصدمة. تراجعت نورهان للخلف، وسندت ظهرها على الكنبة. طالعت وجه أمينة التجاعيد، الدموع الصادقة، الأيدي المرتعشة التي أفنت عمرها في مسح الطاولات وتنظيف الأطباق... لم يكن هذا وجه سارقة خائنة عاشت على مال حرام، بل وجه امرأة هرمت وهي تدفع ثمن طمع غيرها.
قالت نورهان وهي تحاول استيعاب الأمر
أمي... أمي شافتك أنتِ من الشباك بتولعي في ورق...
قاطعتها أمينة بلهفة وحرقة
الورق اللي كنت بأولع فيه كان ورق كواتير وحسابات قديمة بتاعة المطبخ! الحج معوض كان ديماً يجبرني أولع في إيصالات الموردين القديمة في صفيحة الزبالة ورا المطبخ عشان يتهرب من الضرايب! أمك شافت النار وشافتني واقفة، افتكرت إنها حاجتها! يا بنتي أنا ست جاهلة ما بأعرفش أقرأ ولا أكتب... لو كان قدامي ورق ملكية ولا عقود بمليون
تم نسخ الرابط