المطعم

لمحة نيوز

جنيه ما كنتش هعرف ده إيه أساساً!
غطت نورهان وجهها بكفيها. سقطت الدموع من بين أصابعها، دموع سنوات طويلة من الغضب المكتوم، من الانتقام الذي خططت له وعاشت لأجله، لتكتشف في لحظة واحدة أن الشبح الذي كانت تطارده لم يكن سوى وهم.
سكن المكان لعدة دقائق. لم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتلاحقة وزخات المطر التي بدأت تطرق الزجاج الخارجي للمطعم مجدداً، تماماً كليلة عام 2001.
بعد فترة، رفعت نورهان رأسها. نظرت إلى أمينة، ثم نظرت إلى العقد المفرود على الطاولة.
قالت نورهان بصوت خافق وندم عميق
أنا... أنا قديت سنين عمري كلها وأنا بجمع الفلوس دي. اشتغلت وتعبت وعملت اسم في السوق عشان أرجع في يوم وأشتري المكان ده... كنت فاكرة إني لما أشتري المكان وأديهولك، وبعدين أواجهك بالسر ده وأكسر قلبك وأخد منك المكان تاني... إني بكده أكون أخدت حق أمي اللي ماتت بالقهور.
أطردت أمينة رأسها في حزن وشفقة
أمك مظلومة يا بنتي... وأنتِ مظلومة. بس الراجل اللي سرقكم مات من خمس سنين، وعياله أخدوا الفلوس والعمارات وسافروا بيها برة البلد، وما سابوش للمطعم ده غير الخراب لحد ما باعوه النهاردة.
أمسكت نورهان بالعقد الذهبي، وحركته نحو أمينة ببطء شديد.
قالت نورهان
العقد ده... ملكك يا خالة أمينة.
فزعت أمينة
لاء يا بنتي! لاء يا نورهان! أنا ما أقبلش أخد حاجة مش حقي... الفلوس دي فلوسك، والمكان ده اشتريتيه بدم قلبك. أنا خلاص كبرت، وأخري أروح أقعد في بيتي أستنى أجلي.
ردت نورهان بابتسامة دافئة كست وجهها لأول مرة منذ دخولها
المكان ده مش هدية ليكي عشان السرقة اللي ما عملتيهاش... المكان ده حقك من الليلة الأولى. من يوم ما فتحتي الباب في المطر واديتينا الأكل والشال الصوف. الفلوس اللي الحج معوض سرقها راحت لعياله... بس اللقمة الحلال اللي أنتِ أديتهالنا هي اللي أحييتني وخليتني أعيش وأكبر وأبقى الست اللي قدامك دي.
دمعت عين أمينة وهي تنظر للعقد.
استكملت نورهان وهي تقف وتغلق أزرار معطفها الأنيق
أنا هبقى شريكتك يا خالة أمينة. المطعم ده مش هيفضل اسم بس... إحنا هنغير اسمه. هنسميه مطعم الشال الصوف. أنتِ هتفضل تديريه بروحك الحلوة وأكلك الطيب، وأنا هتكفل بكل المصاريف والتطوير. حق أمي مش هيرجع لو انتقمت منك... حق أمي هيرجع لما أغير المكان ده من مكان كان فيه ظلم وجشع، لمكان بيطعم كل محتاج من غير ما يسأله عن ثمن.
قامت أمينة واقتربت من نورهان، وبدون أي تردد، احتضنتها كما تحتضن الأم ابنتها الغائبة. انخرطت الفتاة الشابة في بكاء حار على صدر أمينة المتعب، بكاء غسل سنين القسوة والمرارة والشك.
مسحت أمينة على رأسها وقالت
ربنا يعوضك يا بنتي... ربنا يرحم أمك ويجعل مثواها الجنة. البركة مش في الفلوس، البركة في القلوب اللي بتعرف تسامح.
خرجت نورهان من المطعم وهي تشعر بخفة لم تعهدها من قبل. وقفت أمينة عند الباب الزجاجي تنظر إليها وهي تبتعد تحت أضواء الشارع الخافتة.
ثم التفتت أمينة إلى المطعم الصغير. أضاءت النور الرئيسي، ونظرت إلى الطاولة رقم 4، ثم شمرت عن ساعديها وابتدأت في مسح الطاولات بابتسامة جديدة ورضا يملأ أركان المكان. لم يعد المطعم مجرد جدران قديمة اتباع وطردت منه، بل أصبح رمزاً لعدالة السماء التي قد تتأخر، لكنها تأتي دوماً في الوقت المناسب.

تم نسخ الرابط