توبه
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد.
نظرة سلمى كانت حادة زي الموس، وكل كلمة طالعة منها كانت بتدبح ياسين من غير ما تجرح جسمه.. كانت بتدبح كبرياءه ورجولته اللي عاش يتباها بيهم طوال ال 5 سنين اللي فاتوا.
ياسين وقف مكانه، عينيه متثبتة على الحظاظة الفضة اللي في إيد الولد. حظاظة العيلة.. الحظاظة اللي أمه كانت متكفلة بتوزيعها على كل فرع من فروع عيلة المنشاوي. وشه اتقلب ألوان، ودمه اتجمد في عروقه لما الفكرة ضربت في عقله زي الصاعقة.
زورت التقارير؟ أمي هي اللي عملت كدة؟
الكلام كان بيلف في دماغه وزي ما يكون صوت أمه الحاجة فاطمة بيرن في وذنه وهو فاكرها وهي بتقوله زمان بنفس القسوة يا ياسين يا ابني.. البت دي عاقر، العيب منها والدكاترة أكدوا إنه مفيش أمل، أنت المنشاوي.. ينفع اسمك يتقطع من الدنيا عشان خاطر واحدة حتة أرضها وناسها على قد حالهم؟!
سلمى شافت الصدمة في عينيه، شافت التخبط والليخبطة اللي بقوا مسيطرين على الراجل اللي كان في يوم من الأيام مبيتهزش. مسكت إيد ولادها بقوة أكبر، وربتت على ضهر الصغير اللي كان مستخبي ورا رجلها وقالت بصوت هادي بس مليان حسم
يلا يا زياد.. يلا يا إياد، عمو الدكتور مستنينا جوة عشان نطمن على المتابعة.
ياسين صحي من صدمته على صوت اسمها وهي بتنطق أساميهم.. زياد وإياد. خطى خطوة لوراه وهو بيمد إيده بفقدان حيلة كأنه بيحاول يمسك في هوا
سلمى.. استني عندك! وحياة أغلى حاجة عندك ما تتحركيش خطوة واحدة.. هما.. هما دول عيالي؟ إنتي ولدتي عيالي أنا؟ اتكلمي يا سلمى ما تسكتيش!
سلمى لفت له، وبصت له بنظرة كلها وجع قديم، بس وجع مات وشبع موت، حل محله القرف والاستغناء
عيالك؟ أنت بتسألني أنا؟ تسألني بعد ما رميتني في الشارع في نص الليل بشنطة هدومي كأني عملت جاريحة؟ تسألني بعد ما سبت أمك تتهم شرفي وتتهمني في أنوثتي وتطلعني ناقصة قدام نسوان العيلة كلها؟
ياسين قرب أكتر، عيونه كانت جمر، والدموع اللي عمر ما حد شافها في عين ياسين المنشاوي بدأت تتجمع في أطراف جفونه
أنا انخدعت! أنا جالي تقرير ممهور بختم أكبر مستشفى في مصر وبيقول إنك مش بتخلفي! أنا وثقت في أمي.. أختفي أزاي كان يخطر ببالي إن أمي تزوّر؟ إنتي ليه ما دافعتيش عن نفسك؟ ليه مشيتي وسكتي؟!
ابتسمت سلمى ابتسامة مريرة، مرار السنين اللي عاشتها وهي بتحارب عشان تقف على رجليها تاني
أدافع عن نفسي قدام مين؟ قدام جوزي اللي مسك التقارير ورمى اليمين عليا في نفس اللحظة من غير ما يفكر ياخدني لإيد دكتور تاني؟ قدام الراجل اللي لما العيب طلع في التقارير قال لي أنتي خذلتيني؟ أنت ما كنتش عايز تدافع عني يا ياسين.. أنت كنت عايز حجة عشان تاخد واحدة من مستواكم، واحدة أصلها وفصلها يرضوا غرور الحاجة فاطمة!
الولد الكبيرة، زياد، اللي كان واقف مربع إيده بريبة، بص لأمه وقال بصوت طفولي بس فيه جفاء ينطق
ماما.. هو الراجل ده بيزعق لك ليه؟ نمشي من هنا؟
ياسين نزلت ركبته على الأرض.. الراجل صاحب الملايين، اللي كل الناس بتعمل له ألف حساب، جثا على ركبه في نص طرقة المستشفى على السيراميك البارد قدام الطفلين. بصلهم عن قرب، نفس رسمة الحواجب المقرونة، نفس اتساع العينين العسلي، ونفس الشامة الصغيرة تحت الشفة العلوية. هما فعلاً نسخته.. قطعة منه كانت ضايعة في الدنيا وهربانة.
مد إيده برعشة وهو بيحاول يلمس إيد إياد الصغير
أنا بابا يا حبيبي.. أنا...
قبل ما يكمل كلمته، سلمى سحبت الولد لورا فوراً، ووقفت عائق بينه وبينهم زي الحيطة السد
إياك تلمسهم! إياك تحط إيدك عليهم! الولاد دول مالهمش أب.. أبوهم مات من 5 سنين يوم ما رما أمهاتهم في الشارع ونسي إن ربنا موجود.
ياسين قام وقف ببطء، وشه كان شاحب، والندم بياكل في قلبه زي النار لما تأكل الحطب
أنا مستعد أعمل أي حاجة يا سلمى.. أي حاجة عشان أصلح اللي أتلغبط! القصر، الشركات، فلوسي، عمري كله تحت رجليكي ورجلين الولاد.. بس قوليلى إنهم عيالي.. قوليلي إن اسمي يجوز يتقال جمب أساميهم!
سلمى ضحكت بصوت واطي، ضحكة مكسورة بس حادة
فلوسك؟ هو أنت فاكر إن كل حاجة بتتشرى بالفلوس يا ياسين بيه؟ فلوسك دي هي اللي عميت عينيك وعين أمك زامان! الفلوس دي اللي خلتكم تفتكروا إنكم أسياد الخلق والناس لعبة في إيديكم ترموهم لما تزهقوا وترجعوهم لما تحنوا! أنا لما مشيت من عندك، اكتشفت إني حامل بعد شهرين.. شهرين وأنا معيش حق كشف الدكتورة! اشتغلت وتعبت وربيت ووقفت على رجلي.. اشتغلت في حضانة وفي صيدلية وعملت مشروعي الصغير عشان أأكلهم لقمة حلال مفيهاش ريحة قسوتك ولا كبرياء عيلتك.
ياسين مسك دراعها بنوع من التوسل والتخبط
طب وأمي؟ أمي اللي زودت الحقيقة هي السبب! أنا ذنبي إيه لما أكون مخدوع؟
سحبت سلمى دراعها بحدة وقالت وهي بتبص في عينيه بثبات
ذنبك إنك صدقت السوء فيا قبل ما تدور على الحقيقة! ذنبك إنك هسكت على تهزيء أمك ليا ورضيت تظلمني لمجرد إنك خايف على اسم المنشاوي! أمك عملت كدة؟ ماشي.. روح تحاسب مع أمك، روح اسألها ليه حرمتك