توبه

لمحة نيوز

وعقلها
عشان مستوانا؟ حرمتيني من عيالي عشان المستوى؟! تطلعيني راجل مبيخلفش وترميني في جوازة تانية اتدمرت، وتخليني أرمي مراتي المخلصة في الشارع بظلم وقهر عشان كبرياءك الفارغ؟! إنتي عارفة أنا حاسس بإيه دلوقتي؟ أنا حاسس إني أحقر راجل في الدنيا!
الحاجة فاطمة مسكت إيده وهي بتبكي بتصنّع
يا ابني افهمني.. أنا أمك، أنا عملت كل ده عشان خايفة على مستقبلك وعلى ثروتك..
سحب ياسين إيده منها بحدة وقرف وقال وهو بيرجع لورا
ثروتي؟ الثروة دي هي اللي دمرتني.. أقسم بالله يا أمي، لو الولاد دول ما رجعوش لحضني، ولو سلمى ما سامحتنيش، لا أنتي أمي ولا أنا أعرفك! القصر ده مش هدخله تاني، والشركة اللي أنتي فرحانة بوهجها أنا هسيبها وأعيش تدور على ولادي!
سابها ورزع الباب وراه بكل قوته، وساب الحاجة فاطمة متلقحة على الكنبة بتصرخ وبتنادي عليه، بس صراخها كان بيضيع في فراغ القصر البارد اللي بناه الكبر والغرور.
في الأيام اللي بعد كدة، الدنيا اتقلبت في حياة ياسين المنشاوي. مابقاش يروح الشركة، ساب الاجتماعات والصفقات، وعين فريق من أكبر المحامين ورجال التحريات عشان يعرفوا مكان سلمى وعيشاتها.
وبعد أسبوع واحد، جه للمكتب المحامي الخاص بيه ورمى ملف قدامه على التربيزة
ياسين بيه.. جمعنا كل المعلومات عن المدام سلمى. هي عايشة في شقة صغيرة إيجار في منطقة هادية في المعادي. فتحت مشروع صغير للحلويات والمخبوزات البيتي، والحمد لله كبر وجمعت منه قرشين، وعايشة مستورة هي وولادك زياد وإياد. الولاد بيلعبوا في نادٍ قريب، وهي بتوديهم الحضانة كل يوم بنفسها.
ياسين مسك الصور اللي في الملف.. صور سلمى وهي شايلة شنط المشتريات ومبتسمة، وصور الولاد وهما بيلعبوا كورة ولابسين تيشيرتات بسيطة بس نضيفة. ابتسامتهم كانت حقيقية، ابتسامة أطفال عايشين في أمان ومفهموش يعني إيه عز المنشاوي ولا القسوة اللي جواه.
أخد ياسين نفسه ونزل فوراً على العنوان.
كان الوقت المغرب، والشمس بتبدأ تغيب وبتسيب لون برتقالي دافي في السما. وقف ياسين بعربيته تحت العمارة البسيطة اللي عايشة فيها سلمى. بص للشبابيك ورأى نور الشقة منور، وسمع صوت ضحك أطفال جاي من البلكونة في الدور التاني.
نزل من العربية، وبدل البدلة الإيطالي الماركة، كان لابس قميص بسيط وبنطلون جينز. حاسس إن البدلة الغالية كانت زي الدرع السام اللي بيمنعه يلمس الحقيقة.
طلع السلم حافة حافة، قلبه كان بيدق بصوت عالي جداً. وقف قدام الباب الخشب البسيط، ونزل إيده ورعشت، بعدين خبط خبطات هادية.
الباب اتفتح.. وكانت سلمى.
كانت لابسة إدناء بسيط ومساكة شعرها، وأول ما شافته، الابتسامة اللي كانت على وشها اختفت، وحل محلها النظرة الصارمة
أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت المكان ده إزاي؟
ياسين بص لها بنظرة متكسرة، نظرة راجل خسر كل حاجة في لحظة كبر
سلمى.. أنا مش جاي ك ياسين المنشاوي صاحب المقاولات.. أنا جاي ك راجل غلبان بيترجاكي تسامحيه. أنا واجهت أمي.. وعرفت كل حاجة.
سلمى بصت له بسكوت، مكنش في عينها شماتة، كان فيه بس استياء عميق
وعرفت؟ واستفدت إيه لما عرفت؟ الحقيقة لما بتيجي متأخرة يا ياسين، بتبقى زي الدوا اللي بيوصل بعد ما المريض يموت.
ياسين ينزل دموعه بصدق وقال وهو بيقرب خطوة
عارف إن الحقيقة متأخرة، وعارف إني أذنبت في حقك ذنب لا يغتفر.. أنا سيبتك في أكتر وقت كنتي محتاجاني فيه، وصدقت الكدب عشان كنت مغرور ب أسمي وعيلتي. بس وحياة الولاد يا سلمى.. إديني فرصة أصلح غلطتي. مش عشان خاطري.. عشان خاطر زياد وإياد.
في اللحظة دي، إياد الصغير خرج من الأوضة وهو ماسك لعبة مكسورة، وبص لياسين وقال
ماما.. الراجل بتاع المستشفى جاب لنا ألعاب؟
سلمى نزلت لمستوى ابنها وحضنته، وبصت لياسين وقالت بصوت مليان وجع وحكمة
الولاد دول عاشوا 5 سنين فاكرين إن الدنيا بسيطة وأمان.. كبروا وهم مش محتاجين ل فلوسك ولا ل اسمك. أنا ربيتهم على القناعة وعلى حب الناس. لو أنت عايز تدخل حياتهم يا ياسين، مش هتدخل ك بطل ولا ك المليونير اللي جاي ينقذهم.. هتدخل ك راجل بيحاول يكسب احترامهم من أول وجديد.
ياسين حاسس بنور أمل صغير ينور جوة ظلام قلبه
يعني.. يعني مش هتحرميني منهم؟ مش هترفعي قضايا وتمنعيني؟
سلمى وقفت وقالت بثبات
أنا مش زيك وزي أمك.. أنا مش هحرم أب من عياله ولا هحرم عيالي من أصلهم. بس بشرط واحد يا ياسين.. شرط مش هتنازل عنه.
ياسين بلهفة
شرط إيه؟ مرتكبات، فلوس، اكتب لك الشركات كلها باسمك واسمهم؟ قولي أي حاجة!
ابتسمت سلمى بتهكم هادي
قلت لك أنت لسه فاكر إن كل حاجة بتتشرى بالفلوس! شرطي إنك تتغير بجد.. شرطي إن أمك ما تحطش رجلها في بيت عيالي ولا تشوفهم إلا لما تتعلم يعني إيه احترام البني آدمين. وشرطي التاني إنك لو عايز تبقى أب ل زياد وإياد، تبدأ معاهم من الصفر.. تجيلهم هنا، في الشقة البسيطة دي، تقعد معاهم على الأرض، تلعب معاهم بلعَبهم البلاستيك، وتسمع مشاكلهم الصغيرة.. تتجرد من كبرياءك يا ياسين بيه. لو وافقت على ده، هسيبك تشوفهم.. لو مش موافق، المحاكم بيني وبينك.
ياسين بص للشقة البسيطة، وبص لإياد وزياد اللي كانوا بيبصوا له بفضول ولبراءة، وبعدين بص لسلمى.. الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، وطلعت
أقوى من كل الإمبراطوريات اللي بناها في حياته.
مسح دموعه، وابتسم لأول مرة من 5 سنين ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه، وقال بنبرة هادية مليانة خشوع
أنا موافق يا سلمى.. أنا موافق أقعد على الأرض، وألعب بلعَبهم البلاستيك، وأكون أي حاجة تطلبيها.. بس سامحيني، وعلميني إزاي أكون أب.
سلمى وسعت من قدام الباب ببطء، وبصت له وقالت
اتفضل يا ياسين.. ادخل، بس اقلع جزمتك الغالية دي برة.. هنا بيتنا بسيط، ومبيدخلوش كبرياء.
دخل ياسين الشقة، ولأول مرة حس إن نفسه بيرجع له، وإن ال 5 سنين اللي ضاعوا في الغرور والفلوس كانت مجرد كابوس، وأن الرحلة الحقيقية ل ياسين المنشاوي عشان يبقى بني آدم يلا بدأت دلوقتي.. بين إيدين سلمى، وتحت ضحكات زياد وإياد.
تمت. مشيره محمد

تم نسخ الرابط