مكالمة فى الفجر

لمحة نيوز

بقاش يحاول يفتح معايا كلام عن علاقتي بأحمد.
وفي اليوم التالت، وأنا قاعدة في طرقة المستشفى، سمعت صوت الدكتور بينادي على اسمي.
قمت بسرعة.
قال لي
جوز حضرتك بدأ يفوق، وحالته اتحسنت. ممكن تدخلي له شوية.
دخلت الأوضة وقلبي بيدق بسرعة.
أحمد كان فاتح عينيه، وبيحاول يحرك راسه ببطء.
أول ما شافني، فضّل باصص لي كأنه مش مصدق إني موجودة.
همس بصوت ضعيف
سارة؟
قربت منه.
أيوه، أنا هنا.
حاول يرفع إيده، لكنه اتألم، فقلت له بسرعة
ما تتحركش يا أحمد. إنت لسه تعبان.
فضل باصص لي شوية، وبعدين سألني
إنتِ جيتي؟
السؤال وجعني أكتر مما توقعت.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت
أمال كنت عايزني أسيبك؟
غمض عينيه، ودمعة نزلت من جنب عينه.
أنا آسف.
ما رديتش.
كررها بصوت أوضح شوية
أنا آسف يا سارة.
قعدت على الكرسي جنبه.
على إيه يا أحمد؟
بص للسقف، وكأنه بيدور على إجابة تنفع تبرر اللي عمله.
على كل حاجة.
هزيت راسي.
لأ. أنا عايزة أعرف إنت آسف على إيه بالظبط. علشان عملت حادثة؟ ولا علشان أنا جيت المستشفى؟ ولا علشان اكتشفت إنك ممكن تخسرني فعلًا؟
لف وشه ناحيتي، وملامحه اتغيرت.
كان واضح إنه مش مستعد للسؤال.
قلت له
أنا مش جاية أحاسبك وإنت تعبان. بس أنا مش عايزة أسمع اعتذار وخلاص، وبعد ما تقوم وترجع البيت نتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
بلع ريقه بصعوبة وقال
أنا عارف إني جرحتك.
لأ يا أحمد، إنت لسه مش فاهم.
أخدت نفس عميق، وكملت
إنت ما قلتليش بس إنك زعلان مني، ولا إن فيه مشكلة بينا محتاجة تتحل. إنت قلت لي إن أصحابك شايفين إني مش مناسبة ليك، وإنك تقدر تلاقي واحدة أحسن مني. يعني إنت سمحت لناس تانية يحددوا قيمتي عندك، وبعدها جيت حطيت الكلام ده قدامي كأنه حقيقة لازم أقبلها.
أحمد نزل عينيه.
أنا كنت غبي.
قلت له
يمكن. بس الغباء مش عذر لكل حاجة. إنت كنت عارف إن كلامك هيوجعني، ومع ذلك قلته.
سكت طويلًا، وبعدها قال
أنا كنت حاسس إني اتغيرت. من ساعة ما اترقيت في الشغل، وبقيت بقعد مع ناس جديدة، حسيت إن حياتي بقت أكبر، وإن المفروض كل حاجة حواليا تتغير. أصحابي كانوا بيتكلموا عن السفر والفلوس والعلاقات، وأنا بدأت أقارن حياتي بحياتهم.
بص لي، وكمل
كنت ببص لك وأفتكر إنك لسه زي ما إنتِ، نفس شغلك، ونفس حياتك، ونفس اهتماماتك. وبدل ما أسأل نفسي أنا ليه اتغيرت، بدأت أقول لنفسي إنك إنتِ اللي مش مناسبة ليا.
سألته
يعني المشكلة كانت فيا؟
هز راسه بسرعة.
لأ. المشكلة كانت فيا أنا. أنا كنت عايز أحس إني أحسن من الناس اللي حواليا، فبدأت أتعامل معاكي كأنك حاجة أقل مني.
كانت أول مرة أسمعه يعترف بحاجة بالشكل ده.
لكن الاعتراف لوحده ما كانش كفاية.
قلت له
طيب، وليه كنت عايز تخليني أنا اللي أطلب الطلاق؟
اتجمدت ملامحه.
عرفت من وشه إنه ما كانش متوقع إني أعرف.
سألته تاني
خالد حكالي يا أحمد. قال لي إنك كنت ناوي تعمل حاجة تخليني أنا اللي أنهي الجواز.
غمض عينيه، وفضل ساكت.
وبعد لحظات قال
كنت خايف.
خايف من إيه؟
من إني أبقى الشخص الوحش في الحكاية. كنت عايز أخرج من الجواز من غير ما أحس بالذنب، ومن غير ما الناس تقول إني ظلمتك.
بصيت له بذهول.
حتى وهو بيعترف، كان بيأكد لي قد إيه صورته قدام الناس كانت أهم عنده من مشاعري.
قلت له
يعني كنت عايز تجرحني لحد ما أطلب أنا الطلاق، علشان تقدر تقول للناس إني أنا اللي سبتك؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
سكت لحظة، وبعدها قال
أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. أنا حتى مش عارف إذا كنت أستاهل فرصة تانية ولا لأ. بس أنا عايزك تعرفي إني فهمت قد إيه كنت أناني.
بصيت له طويلًا.
كان قدامي راجل تعبان، مكسور، وخايف.
لكن أنا كنت محتاجة أفتكر إن ضعفه دلوقتي ما يمسحش القوة اللي استخدمها علشان يجرحني قبل كده.
قلت له
أنا مش هقرر حاجة وإنت على سرير المستشفى. لما تقوم وتقدر تعتمد على نفسك، هنتكلم. بس ما تفكرش إن رجوعي علشان أطمن عليك معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.
هز راسه وقال
فاهم.
ولأول مرة من فترة طويلة، حسّيت إنه بيسمعني فعلًا.
بعد أسبوع، أحمد خرج من المستشفى، لكنه كان لسه محتاج فترة نقاهة ومتابعة طبية.
رجعنا البيت، لكن رجوعنا ما كانش زي أي مرة رجعنا فيها من سفر أو إجازة.
البيت نفسه كان زي ما هو.
نفس الكنبة، نفس الترابيزة، نفس مجات القهوة، ونفس الصور اللي كنا معلقينها على الحيطان.
لكن إحساسي بالمكان اتغير.
أحمد كان بيتحرك بحذر، وأنا كنت بساعده في الحاجات اللي محتاج فيها مساعدة، من غير ما أتصرف كأننا رجعنا زوجين طبيعيين.
في أول ليلة، كان قاعد على الكنبة وأنا بجهز له الدوا حسب تعليمات الدكتور.
بص لي وقال
سارة، ممكن نتكلم؟
حطيت علبة الدوا على الترابيزة.
اتفضل.
قال
أنا عارف إنك مش هتصدقي أي كلام أقوله، وده حقك. بس أنا عايز أعرف إذا كان فيه حاجة أقدر أعملها علشان أصلح اللي بوظته.
فكرت شوية، وبعدها قلت
أول حاجة، بطل تستنى مني أقول لك تعمل إيه علشان تبقى إنسان كويس. إنت المفروض تكون عارف إن احترام مراتك مش محتاج حد يفكرك بيه.
هز راسه.
كملت
تاني حاجة، أنا مش هرجع أجري وراك علشان تهتم بيا. مش هفضل أسألك إنت زعلان ليه، ولا أحاول أرضيك كل يوم علشان ما تفكرش إنك تقدر تلاقي واحدة أحسن مني.
قال بسرعة
أنا مش عايزك تعملي كده تاني.
بصيت له.
الموضوع مش إنت عايز إيه. أنا عايزة أعيش من غير ما أحس إني في امتحان طول الوقت، وإن قيمتي بتتحدد على حسب رضاك عني.
سكت، وبعدها سألني
وفيه حاجة تالتة؟
قلت
أيوه. لازم أفهم إذا كان اللي حصل ده مجرد كلام، ولا فيه حاجات تانية إنت مخبيها عني.
اتغيرت ملامحه.
زي إيه؟
زي إنك تكون فعلًا بدأت ترتب لحياة جديدة بعيد عني، أو إن فيه واحدة تانية في حياتك.
رد بسرعة
والله ما كان فيه واحدة تانية يا سارة.
بصيت له من غير ما أتكلم.
فكمل
أنا عارف إنك ممكن ما تصدقينيش، بس دي الحقيقة. أنا كنت بدور على مبرر أهرب بيه من جوازي، مش علشان فيه واحدة معينة، لكن علشان كنت عايز أعيش الحياة اللي أصحابي كانوا بيحكوا عنها.
قلت له
وده في رأيك أحسن؟ إنك تسيب واحدة عاشت معاك سنين، ووقفت جنبك، علشان تتخيل حياة شكلها أحلى مع ناس تانية؟
نزل راسه.
لأ.
طيب، لو أنا كنت عملت فيك نفس اللي عملته فيا، كنت هتسامحني؟
ما ردش.
كررت السؤال.
رفع عينيه وقال
مش عارف.
هزيت راسي.
أنا كمان مش عارفة.
قمت من مكاني، ودخلت الأوضة.
ما كنتش عايزة أوجعه، لكن ما كنتش مستعدة أريحه على حساب نفسي.
لأول مرة، قررت إن مشاعري لازم تكون جزء من المعادلة.
مش مشاعره هو بس.
الأيام اللي بعد كده كشفت لي حاجات ما كنتش شايفاها طول سنين جوازنا.
أحمد بدأ يحاول يتغير، لكن التغيير الحقيقي ما كانش هيبان في الاعتذارات.
كان هيبان في تصرفاته لما يكتشف إني مش هرجع أتعامل معاه زي الأول بسهولة.
في البداية، كان بيسألني كل شوية
إنتِ لسه زعلانة؟
وكنت برد عليه
أيوه.
فيقول
طب هتفضلي زعلانة لحد إمتى؟
وكنت ببص له وأسأله
إنت عايزني أحدد لك ميعاد أخلص فيه زعلي؟
كان بيسكت.
وبعد كام يوم، بدأ يفهم إن إصلاح اللي حصل مش معناه إنه يعتذر مرة أو اتنين، وبعدها يستنى مني أرجع أضحك وأهزر معاه كأن مفيش حاجة.
في يوم، رجعت من الشغل
تم نسخ الرابط