مكالمة فى الفجر
المحتويات
ولقيته قاعد على السفرة، وقدامه ورقة وقلم.
سألته
بتعمل إيه؟
قال
بكتب الحاجات اللي لازم أغيرها في نفسي.
قعدت قدامه، وقلت
زي إيه؟
قال
إني أبطل أسمح لأي حد يقلل منك قدامي. إني ما أقارنش حياتنا بحياة الناس. وإني أتعلم أتكلم معاكي لما أبقى متضايق بدل ما أحول ضيقي لإهانة ليكي.
سكت شوية، وبعدها أضاف
وكمان قررت أبعد عن أي حد بيشجعني أتعامل معاكي بالطريقة دي.
بصيت له باهتمام.
تقصد خالد؟
هز راسه.
مش خالد بس. كل الناس اللي كانت بتعامل جوازنا كأنه نكتة. أنا مش هقطع علاقتي بكل أصحابي لمجرد إني غلطت، لكن أي حد هيقلل منك أو يحاول يقنعني إن احترامك ضعف، مش هسمح له يدخل حياتنا بالشكل ده تاني.
قلت له
أنا مش عايزاك تعادي الناس علشاني. أنا عايزاك تبقى عندك شخصية، وتعرف تفرق بين النصيحة والإهانة.
قال
عندك حق.
كانت جملة بسيطة، لكن الفرق المرة دي إنه ما حاولش يحول الكلام لخناقة، ولا اتهمني إني بحاسبه على كل حاجة.
ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أعتبر إن كل حاجة اتصلحت.
كنت محتاجة أشوف الاستمرار.
لأن أسهل حاجة في الدنيا إن الإنسان يوعد وهو خايف يخسر.
لكن الأصعب إنه يفضل ملتزم بوعده لما الخوف يهدى، والحياة ترجع لطبيعتها.
بعد حوالي شهر، رجعت أخرج وأقابل صحابي، وبدأت أرتب أموري المالية بشكل مستقل.
أحمد ما اعترضش لما عرف إني لسه بدور على شقة.
في البداية، كان واضح عليه الضيق، لكنه ما حاولش يمنعني.
وفي ليلة، وأنا قاعدة على اللابتوب براجع عقد شقة عجبتني، وقف عند باب الصالة.
قال
لقيتي شقة؟
رديت
أيوه. في مكان قريب من شغلي.
سكت لحظة، وبعدها سألني
وإنتِ ناوية تمشي فعلًا؟
قفلت اللابتوب وبصيت له.
أنا لسه بفكر روايات_مشيره_محمد
قعد على الكرسي المقابل ليا، وقال
أنا خايف.
كانت دي أول مرة يعترف بخوفه من غير ما يحاول يخبّيه في صورة غضب أو سخرية.
سألته
خايف من إيه؟
قال
خايف أصحى في يوم ألاقي إنك مشيتي، وإن مفيش فرصة أصلح أي حاجة. وخايف أكون اتأخرت في إني أفهم قيمتك.
حسّيت إن كلامه لمس حاجة جوايا، لكني ما سمحتش لنفسي أرجع خطوة لمجرد إني شفته ضعيف.
قلت له
أنا مش هقدر أعيش على أساس إنك خايف تخسرني. أنا عايزاك تكون معايا علشان إنت مقتنع إننا نستاهل نحاول، مش علشان خايف تبقى لوحدك.
رد من غير تردد
أنا مقتنع.
سألته
ولو بعد فترة حسيت إنك مش مقتنع؟
اتنهد وقال
ساعتها هكون صريح معاكي، بدل ما أحاول أخليكي إنتِ اللي تمشي علشان أهرب من مسؤوليتي.
كانت دي إجابة كنت محتاجة أسمعها من زمان.
لكن حتى في اللحظة دي، ما وعدتوش إني هفضل.
قلت له
أنا محتاجة وقت يا أحمد. وعايزة الوقت ده يكون ليا أنا كمان، مش بس فرصة ليك علشان تثبت إنك اتغيرت.
هز راسه.
خدي وقتك.
بعد شهرين، خالد جه يزور أحمد في البيت.
كنت في المطبخ لما سمعت صوتهم في الصالة.
خالد قال
أنا عارف إنك مش حابب تتكلم في الموضوع، بس أنا لازم أعتذر لك إنت كمان.
أحمد سأله
على إيه؟
على إني كنت واحد من الناس اللي ساعدوك تصدق إنك أحسن من مراتك. كنت فاكر إن الهزار مالوش تأثير، لكن اكتشفت إننا كنا بنشجع بعض على تصرفات مؤذية.
أحمد سكت شوية، وبعدين قال
أنا المسؤول عن اللي عملته يا خالد. إنت ما أجبرتنيش أقول لسارة الكلام ده.
رد خالد
عارف. بس كان لازم أفهم إن الصاحب الحقيقي مش اللي يفضل يوافقك على كل حاجة، الصاحب الحقيقي اللي يقول لك إنت غلطان لما تبقى غلطان.
سمعت أحمد بيتنهد.
كان نفسي أفهم ده قبل ما أوصل للمرحلة دي.
دخلت عليهم بالصينية، وحطيت المشروبات على الترابيزة.
خالد بص لي وقال
أنا عارف إن اعتذاري مش هيغير اللي حصل، بس أنا آسف يا سارة.
بصيت له وقلت
أنا قبلت اعتذارك يا خالد. بس أتمنى تكون اتعلمت إن الكلام اللي بنقوله على سبيل الهزار ممكن يغير حياة ناس.
هز راسه.
بعد ما مشي، أحمد فضل ساكت شوية، وبعدين قال
أنا كنت فاكر إن الرجولة إني أبقى الشخص اللي كل الناس شايفاه ناجح ومميز. ما كنتش فاهم إن ممكن أبقى ناجح في شغلي، والناس كلها تحترمني، وفي نفس الوقت أكون فاشل في أبسط مسؤولية عندي.
بصيت له.
وإيه هي؟
قال
إني أحافظ على احترام الشخص اللي اختار يعيش معايا.
ما علقتش.
لكن لأول مرة، حسّيت إن أحمد بدأ يفهم الفرق بين إنه يخاف يخسرني، وإنه يعرف ليه المفروض ما يجرحنيش من الأساس.
عدّت شهور، وحياتي بدأت ترجع لي واحدة واحدة.
ما بقيتش بقيس يومي على مزاج أحمد.
رجعت أخرج مع صحابي، وبدأت أتعلم حاجات كنت مأجلاها من سنين، ورجعت أهتم بنفسي من غير ما أحس إني بعمل ده علشان ألفت نظره.
وأحمد بدأ يلتزم بتغييراته.
ما كانش مثالي، ولسه أحيانًا بيغلط في التعبير عن مشاعره، لكن الفرق إنه بقى يعترف بغلطه بدل ما يحاول يقلب اللوم عليا.
وفي مرة، اختلفنا على موضوع بسيط يخص شغلي.
كان ممكن زمان يقول لي إني مكبرة الموضوع، أو إني مش فاهمة وجهة نظره.
لكنه سكت لحظة، وبعدها قال
أنا مختلف معاكي، بس مش معنى كده إن رأيك غلط. خلينا نتكلم ونشوف إيه الأنسب.
الجملة دي كانت بسيطة جدًا، لكنها خلتني أفكر في كل السنين اللي فاتت.
قد إيه كنت بعتبر الاحترام حاجة لازم أطلبها.
وقد إيه كنت بخاف إن أي خلاف بينا يتحول لمعركة لازم واحد فينا يكسبها والتاني يخسرها.
وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة لوحدي في البلكونة، أحمد خرج وقعد جنبي.
قال
سارة، ممكن أسألك سؤال؟
قلت
اتفضل.
إنتِ لسه بتفكري في الشقة؟
بصيت للشارع تحتنا، وبعدها قلت
أيوه. بس مش بنفس الطريقة اللي كنت بفكر بيها في الأول.
سألني
يعني إيه؟
قلتروايات_مشيره_محمد
في الأول كنت بدور على شقة علشان أهرب من إحساسي إني مش كفاية ليك. كنت عايزة أمشي علشان أثبت لنفسي إني أقدر أعيش من غيرك. دلوقتي أنا عرفت إني أقدر أعيش من غير ما أحتاج موافقتك على كل حاجة، سواء فضلت هنا أو مشيت.
أحمد فضل ساكت، وأنا كملت
أنا مش عايزة أكون معاك علشان خايفة من الوحدة، ولا علشان السنين اللي عشناها مع بعض. لو فضلت، لازم يكون علشان أنا فعلًا عايزة أختارك، مش علشان مش قادرة أتخيل حياتي من غيرك.
لف وشه ناحيتي وقال
وده معناه إنك لسه ممكن تمشي؟
رديت بصراحة
أيوه.
نزل عينيه، لكن المرة دي ما حاولش يضغط عليا أو يستعطفني.
قال
أنا فاهم.
وبعد شوية، أضاف
أنا مش هطلب منك تفضلي علشان أنا محتاجك. أنا هحاول أكون الشخص اللي إنتِ تختاري تفضلي معاه.
ما كانتش جملة سحرية، ولا خلت كل جروحي تختفي.
لكنها كانت بداية مختلفة.
لأول مرة، أحمد ما كانش بيحاول يثبت إنه يستحق واحدة أحسن مني.
كان بيحاول يبقى زوج أحسن ليا.
في ذكرى جوازنا، بعد شهور من اللي حصل، صحيت الصبح ولقيت أحمد محضر الفطار.
كان فيه قهوة، وعيش محمص، وطبق صغير فيه الفاكهة اللي بحبها.
وعلى الترابيزة كان فيه جواب مكتوب بخط إيده.
قعدت وفتحته.
كان كاتب
سارة،
أنا مش هقول لك إن اللي حصل علّمني قيمتك، لأن قيمتك كانت موجودة من الأول، وأنا اللي ما عرفتش أشوفها.
أنا اتعلمت إن الحب مش معناه إني أضمن إنك هتفضلي معايا مهما عملت، ولا إنك تفضلي تحاولي ترضيني مهما قلت لك كلام يوجعك.
الحب إنك تحسي إنك آمنة وإنتِ بتتكلمي، وإنك تقدري تختلفي معايا من غير ما أخليكي تشكي في نفسك.
أنا مش بطلب منك تنسي
متابعة القراءة