مكالمة فى الفجر

لمحة نيوز

اللي حصل، ولا أوعدك إنك عمرك ما هتزعلي مني تاني.
أنا بس بوعدك إني مش هستخدم حبك ليا علشان أضمن سكوتك، ومش هخلي رأي أي حد فينا أهم من الحقيقة اللي عايشينها مع بعض.
ولو في يوم قررتي إنك مش عايزة تكملي، مش هقول لك إنك ظلمتيني.
هعترف إن اختياراتي هي اللي وصلتنا للحظة دي.
كل سنة وإنتِ صاحبة القرار في حياتك، سواء قررتي تكمليها معايا أو لوحدك.
خلصت قراءة الجواب، وفضلت باصة للورقة فترة طويلة.
أحمد كان واقف بعيد عن الترابيزة، مستني ردي.
رفعت عيني وبصيت له.
قلت
أنا مش هقدر أوعدك إن كل حاجة رجعت زي الأول.
رد بهدوء
أنا مش عايزها ترجع زي الأول. أنا عايزنا نبني حاجة أحسن.
حسّيت بدموعي بتتجمع في عيني، لكن المرة دي ما كانتش دموع انكسار.
كانت دموع راحة، لأنني أخيرًا بقيت قادرة أقول اللي جوايا من غير ما أخاف من رد فعله.
قلت له
أنا موافقة ندي لنفسنا فرصة جديدة. بس مش هنرجع نعيش بنفس الطريقة القديمة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال
متفقين.
ما جريتش عليه، وما حضنتوش في مشهد كبير، وما نسيتش كل اللي حصل لمجرد إنه كتب لي جواب حلو.
لكنني اخترت أدي علاقتنا فرصة، لأنني بدأت أشوف تغييرًا حقيقيًا، ولأنني كنت عايزة أعرف إذا كان ممكن نبني علاقة فيها احترام متبادل، مش مجرد سنين مشتركة وخوف من الفراق.
وكان ده قراري أنا.
مش قرار خالد، ولا أصحابه، ولا حتى أحمد.
بعد فترة، قابلت خالد بالصدفة، وسألني عن أخبارنا.
قلت له إننا بنحاول نبدأ من جديد.
ابتسم وقال
أنا مبسوط إنكم قدرتوا تتجاوزوا اللي حصل.
بصيت له وقلت
إحنا لسه بنتعلم. بس عارف يا خالد، أكتر حاجة اتغيرت فيا مش إني بقيت واثقة إن أحمد مش هيسيبني.
استغرب وسألني
أمال إيه؟
قلت له
إني بقيت واثقة إني لو حد قلل مني تاني، حتى لو كان أقرب إنسان ليا، هعرف أحمي نفسي. زمان كنت فاكرة إن خسارة جوازي معناها إني فشلت، لكن دلوقتي فهمت إن الاستمرار في علاقة بتكسرني لمجرد إني خايفة أخسرها، هو الفشل الحقيقي.
هز راسه بإعجاب.
وأنا كملت طريقي وأنا حاسة إن دي كانت أهم حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل.
لأن مكالمة الساعة أربعة الفجر ما غيرتش حياتي لمجرد إنها قالت لي إن أحمد في المستشفى.
هي غيرتها لأنها أجبرتني أواجه سؤال كنت بهرب منه من سنين
أنا كنت بحاول أحافظ على جوازي، ولا كنت بحاول أثبت إني أستاهل أتحب؟
والإجابة كانت واضحة أخيرًا.
أنا أستاهل الحب والاحترام من غير ما أضطر أثبت ده كل يوم.
وأحمد، لو كان عايز يكمل معايا، كان لازم يفهم إن وجودي في حياته مش امتياز هو بيمنحهولي، ولا تنازل أنا بعمله علشانه.
أنا اخترته شريك لحياتي، لكن اختياري ليه مش معناه إني أتنازل عن نفسي.
وفي ليلة هادية، بعد سنة تقريبًا من الحادثة، كنا قاعدين في المطبخ، في نفس المكان اللي وقف فيه يومها وقال لي إن أصحابه شايفين إني مش كفاية ليه.
أحمد كان بيحضر القهوة، وفجأة بص لي وقال
فاكرة الليلة اللي قولتي لي فيها أروح أشوف واحدة أحسن منك؟
ابتسمت وقلت
فاكرة طبعًا.
نزل عينيه للحظة، وبعدها قال
أنا وقتها كنت فاكر إنك بتقولي كده علشان تضغطي عليا، أو علشان تخوفيني من فكرة إني أخسرك.
سألته
ودلوقتي شايف إيه؟
حط مج القهوة قدامي، وقعد على الكرسي المقابل ليا.
قال
دلوقتي فهمت إنك كنتِ بتقولي لي إنك مش هتفضلي طول عمرك تحاولي تقنعيني بقيمتك. وإن لو أنا مش شايفها، مش من حقّي أطلب منك تفضلي.
بصيت له وقلت
بالظبط.
ابتسم بحزن خفيف وقال
أنا آسف إني احتجت كل ده علشان أفهم.
مسكت مج القهوة، وخدت رشفة، وبعدها قلت
المهم إنك فهمت. بس افتكر إن الاحترام مش درس بنتعلمه مرة واحدة ونخلص. ده اختيار بنعمله كل يوم.
هز راسه وقال
هفتكر.
وفي اللحظة دي، أدركت إننا ما رجعناش لنفس الجواز اللي كان عندنا قبل الحادثة.
إحنا كنا بنحاول نبني جواز جديد، بقواعد مختلفة، وحدود واضحة، ومسؤولية مشتركة.
ما كنتش ضامنة إننا هننجح، لكنني ما بقيتش محتاجة ضمانات علشان أحس بالأمان مع نفسي.
لأنني أخيرًا فهمت إن النهاية مش دايمًا معناها إنك تخسر الشخص اللي بتحبه.
أحيانًا النهاية بتكون نهاية النسخة اللي كنت بتقبلها من نفسك علشان تحافظ على حد تاني.
وأحيانًا، لما تقف وتقول كفاية، بتكتشف إنك ما كنتش بتخسر حياتك.
إنت كنت بتستردها.
أما الجملة اللي قلتها لأحمد في الليلة دي، فما كانتش تهديدًا، ولا محاولة علشان أخليه يجري ورايا.
كانت أول مرة أحط فيها حدًا واضحًا بين الحب وإهانة النفس.
ومن يومها، ما بقيتش أسأل نفسي إذا كنت كفاية لحد.
بقيت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا
هل الشخص اللي في حياتي عارف قيمتي، وبيعاملني على أساسها؟
لأن الحب الحقيقي مش إنك تفضل واقف قدام حد طول عمرك تستناه يختارك.
الحب الحقيقي إنك تكون قادر تختار نفسك، ومع ذلك تلاقي شخصًا بيختارك كل يوم، مش علشان شايف نفسه أحسن منك، لكن علشان شايفكم الاتنين تستاهلوا حياة أحسن مع بعض.
وده كان الدرس اللي اتعلمته من مكالمة الساعة أربعة الفجر.
ما كانتش مجرد مكالمة عن حادثة.
كانت المكالمة اللي صحّتني من حياة كنت فاكرة إني لازم أتمسك بيها بأي تمن.
ومن يومها، عرفت إن اللي بيحبك بجد مش هيخليك تقضي عمرك تحاول تثبت إنك تستاهله.
تمت.. روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط