العلامه
روايات_مشيره_محمد
فضلت واقف مكاني، مش قادر أستوعب كلمة واحدة من اللي مدام نادية قالتها. كنت حاسس إن فيه جبل واقع فوق صدري، وإن كل حاجة عشتها طول عمري بتتفك قدامي واحدة واحدة.
بصيتلها وأنا بحاول أتماسك، وقلت بصوت مخنوق
إنتِ قلتيلي أقعد عشان هتحكيلي الحقيقة، وأنا قاعد أهو. اتكلمي يا مدام نادية، أنا مش هقدر أستحمل أكتر من كده.
مسحت دموعها، وقعدت على طرف السرير، وبعدها رفعت عينيها ليا وقالت
قبل ما أحكيلك أي حاجة، عايزاك تجاوبني على سؤال واحد. إنت عمرك سألت أبوك عن أمك الحقيقية؟
ضحكت ضحكة قصيرة، لكن الضحكة دي كانت طالعة من وجعي.
أمي الحقيقية؟ هو إنتِ بتتكلمي عن إيه؟ أمي اللي ربتني وعشت في حضنها لحد ما ماتت، دي أمي. إنتِ عايزة تقنعيني إني مش ابنها كمان؟
هزت راسها وهي بتعيط.
أنا عارفة إن الكلام صعب، بس لازم تسمعني للآخر.
طيب اتفضلي، أنا سامعك.
أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي.
من ستة وعشرين سنة، كنت متجوزة راجل اسمه محمود. كنا عايشين في بيت بسيط، لكن حياتنا كانت مستقرة. وبعد سنين من الجواز، ربنا رزقنا بولد. يوم ما اتولد، حسيت إن الدنيا كلها بقت ملكي. سميته أحمد، وكان عنده شامة صغيرة فوق كتفه الشمال.
قلبي وقف للحظة.
شامة فوق الكتف الشمال!
بصيت لكتفي من غير ما أحس، وكأنها بتتكلم عني أنا.
كملت مدام نادية
لكن فرحتي ما كملتش. جوزي كان داخل في شراكة مع واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد، والراجل ده كان اسمه فؤاد. في الأول، كنت فاكرة إنهم أصحاب، لكن بعد فترة اكتشفت إن فؤاد كان طماع، ومستعد يعمل أي حاجة عشان ياخد الشركة كلها لنفسه.
سألتها بسرعة
وإيه علاقة الكلام ده بيا؟
بصتلي وقالت
استنى يا أحمد. إنت جزء من الحكاية دي من أول يوم، حتى لو ما كنتش تعرف.
رجعت تكمل.
محمود اكتشف إن فؤاد بيزوّر العقود وبيسرق فلوس الشركة. قرر يفضحه، لكن فؤاد عرف إنه ناوي يبلغ عنه. وفي ليلة، حصلت خناقة كبيرة بينهم، وبعدها جوزي اختفى.
اختفى إزاي يعني؟
خرج من البيت وقاللي إنه رايح يقابل شريكه، ومن ساعتها ما رجعش. دورت عليه في كل مكان، وبلغت عنه، لكن محدش قدر يوصل له. وبعد أيام، فؤاد ظهر قدامي وقاللي إن محمود مات في حادثة، وإن الأفضل ليا إني أنسى الموضوع وأعيش حياتي.
حطيت إيدي على دماغي.
وإنتِ صدقتيه؟
لأ. أنا ما صدقتوش، لكن ما كانش معايا دليل. وبعدها بأسبوع، حصلت مصيبة أكبر.
سكتت، وبصت للأرض، وكأنها بتحاول تجمع شجاعتها.
دخل عليّا ناس في البيت، وخدوا ابني مني.
حسيت ببرودة بتسري في جسمي.
خدوا ابنك؟ مين دول؟
واحد منهم كان راجل من رجالة فؤاد. قالولي إنهم هيأذوني لو حاولت أصرخ أو أطلب النجدة. وبعدها خرجوا بابني، وأنا ما شفتوش تاني.
ما قدرتش أتحمل.
قمت من مكاني وصرخت
كفاية! إنتِ بتقولي إيه؟ إيه الكلام الغريب ده؟ أنا مالي بكل الحكايات دي؟!
مدام نادية قامت هي كمان، ومدت إيدها ناحيتي، لكني رجعت لورا.
ما تلمسينيش! أنا عايز أفهم! إنتِ ليه بتحكيلي عن ابنك؟ وإيه علاقة ده بأمي؟
بصتلي بعيون مليانة دموع، وقالت الكلمة اللي خلت رجلي ما بقتش شايلاني.
لأنك إنت ابني يا أحمد روايات_مشيره_محمدروايات_مشيره_محمد
فضلت باصلها كأني أول مرة أشوفها.
الكلمة كانت بسيطة، لكن معناها كان أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
أنا ابنك؟!
هزت راسها.
أيوه يا حبيبي.
يعني إنتِ أمي؟!
أيوه.
طب أمي اللي ماتت دي مين؟!
ما ردتش على طول. رجعت قعدت، وحطت إيديها على وشها، وبعد لحظات قالت
اسمها سعاد. كانت واحدة طيبة، وأنا عمري ما هنسى اللي عملته معاك.
اتصدمت أكتر.
يعني إنتِ عارفة أمي اللي ربتني؟
أيوه. سعاد كانت أختي الصغيرة.
حسيت إن الأوضة بتلف بيا.
أمي اللي ربتني طلعت خالتها أخت الست اللي اتجوزتها!
والست اللي الناس كلها اتهمتني إني طمعان في فلوسها، طلعت بتقول إنها أمي الحقيقية.
لكن السؤال اللي كان بيقتلني ليه سابتني كل السنين دي؟
بصيتلها بغضب وقلت
لو إنتِ أمي، فين كنتِ كل السنين دي؟ ليه ما دورتِيش عليّا؟ ليه سيبتيني أعيش عمري كله وأنا فاكر إن أمي ماتت؟ وليه رجعتي دلوقتي بالذات؟!
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
قالتلي بصوت مكسور
عندك حق تسألني، وعندك حق تكرهني. بس أنا ما سبتكش بإرادتي يا أحمد. أنا فضلت أدور عليك سنين طويلة، وكل مرة كنت بقرب منك، كانوا بيهددوني إني لو ظهرت في حياتك هيقتلوك.
مين اللي كانوا بيهددوكي؟
فؤاد.
رجل الأعمال اللي بتتكلمي عنه؟
أيوه. فؤاد هو أبوك اللي ما تعرفش عنه حاجة.
رجعت خطوة لورا، وحسيت إني هقع.
أبويا اللي ربتني اسمه حسن، وكان طول عمره بيقول إنه أبويا من دمه ولحمه. إزاي فجأة يظهر شخص تاني ويقولوا إنه أبويا الحقيقي؟
قلت لها
استني، إنتِ بتقولي إن فؤاد أبويا، وإنه هو اللي خطفني منك، وإن خالتي سعاد هي اللي ربتني؟ طب أبويا حسن كان يعرف حاجة عن الكلام ده؟
هزت راسها وقالت
حسن ما كانش أبوك الحقيقي، لكنه كان راجل شريف، وأحبك كأنك ابنه. هو وسعاد أخدوك وربوك لما أنا ما قدرتش أوصلك.
طب ليه قالولي إنهم أهلي؟
لأنهم كانوا خايفين عليك. فؤاد كان راجل عنده فلوس ونفوذ، وكان ممكن يوصل لأي حد. حسن كان واحد من الموظفين اللي اشتغلوا مع محمود، ولما عرف إنك اتخطفت، قدر يوصل ليك بمساعدة واحدة من الستات اللي كانت شغالة في البيت. أخدك هو وسعاد، وقرروا يخبّوك عنه.
وإنتِ؟ إنتِ عملتي إيه؟
نزلت عينيها للأرض.
حاولت أوصل لك، لكن فؤاد كان بيراقبني. ولما عرف إني لسه بدور عليك، هدّدني بيك. قاللي إنه لو شافني بقرب منك، هيخليك تدفع تمن ده طول عمرك.
ففضلتي بعيدة عني ستة وعشرين سنة؟!
كنت بخاف عليك.
لأ! إنتِ كنتِ بتحمي نفسك! لو كنتِ بتحبيني فعلًا، كنتِ حاربتي عشاني!
صرخت بالكلام ده، وبعدها حسيت إني مش قادر أتنفس.
كانت دموعي نازلة من غير ما أحس، لكني ما كنتش عارف أنا بعيط على أمي اللي ماتت، ولا على أمي اللي واقفة قدامي، ولا على نفسي اللي اكتشفت إن كل حاجة كان فاكرها حقيقة طلعت مليانة أسرار.
مدام نادية قربت خطوة، لكنها ما حاولتش تلمسني المرة دي.
مش هطلب منك تسامحني الليلة دي. أنا عارفة إنك موجوع. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
بصيتلها بصدمة.
لسه فيه حاجة تانية؟!
أيوه. فؤاد عرف إنك كبرت، وعرف إنك بقيت شاب، وعرف إن حسن وسعاد ماتوا. وهو دلوقتي بيدور عليك.
بيدور عليّا ليه؟
لأن محمود، أبوك اللي اختفى، ساب وراه مستندات تثبت إن الشركة اللي فؤاد بناها كلها اتأسست بأموال مسروقة. والمستندات دي مرتبطة بيك.
بيا أنا؟!
أيوه. قبل ما محمود يختفي، كان عامل حسابه إن لو حصل له أي حاجة، حق ابنه ما يضيعش. وساب وصية قانونية باسمك، فيها نصيبك من الشركة وأرض كبيرة في إسكندرية. فؤاد حاول يوصل للمستندات دي سنين، لكنه ما قدرش.
حطيت إيدي على راسي، وقلت
يعني الجواز ده كله كان عشان الفلوس؟ إنتِ