العلامه
كأنه مش خايف من حاجة.
أول ما شافنا، ابتسم بسخرية.
إيه ده؟ محمود رجع من الموت؟!
أبويا رد عليه بهدوء
أنا ما متش يا فؤاد. إنت اللي حاولت تقتلني وتسرق حقي.
فؤاد ضحك.
عندك دليل؟
المحامي حط الملفات على الترابيزة، وبدأ يعرض المستندات والتحويلات المالية، وبعدها دخل سامح.
فؤاد أول ما شاف أخوه، وشه اتغير.
إنت بتعمل إيه هنا؟
سامح بصله وقال
بعمل اللي كان لازم أعمله من سنين. بقول الحقيقة.
بدأ يشرح إزاي فؤاد زوّر العقود، وحوّل أموال الشركة لحساباته، وإزاي ضغط على محمود عشان يسكت.
فؤاد حاول ينكر، لكن الأدلة كانت واضحة، وشهادة سامح دعمتها.
وفي النهاية، اتفتح تحقيق رسمي في القضية، واتاخدت الإجراءات القانونية اللازمة، واتجمّدت أموال مرتبطة بالشبهات لحين انتهاء التحقيق.
لأول مرة، شفت فؤاد من غير ابتسامته المتعالية.
كان قاعد ساكت، وعينيه بتتحرك بين الوجوه، كأنه بيدور على مخرج.
وقبل ما يخرج من القاعة، بصلي وقال
إنت فاكر إنك كسبت يا أحمد؟
بصيتله بثبات وقلت
أنا مش عايز أكسب عليك. أنا عايز حقي، وعايز كل واحد يتحاسب على اللي عمله. واللي إنت عملته في عيلتي مش هيتنسي، حتى لو دفعت تمنه طول عمرك.
خرج فؤاد وسط الإجراءات القانونية، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الخوف اللي كان مسيطر على حياتنا بدأ يختفي.
لكن كانت لسه فيه مشكلة أكبر من كل القضايا والأوراق.
مدام نادية كانت لسه مراتي رسميًا.
وأنا كنت محتاج أواجه الحقيقة دي.
قابلتها بعد انتهاء الإجراءات، وقعدنا في الجنينة اللي جنب بيتها.
قالتلي وهي بتبص للأرض
أنا عارفة إنك مش هتقدر تسامحني بسهولة.
قلت لها
أنا مش عارف أبدأ منين. إنتِ أمي، وده شيء مش هقدر أنكره. لكن في نفس الوقت، إنتِ دخلتيني في جوازة كان المفروض ما تحصلش بالشكل ده.
دموعها نزلت.
أنا غلطت يا أحمد. كنت خايفة أخسرك تاني، ولما لقيتك، خوفي خلاني أعمل حاجات غلط. كنت عايزة أفضل قريبة منك، وكنت فاكرة إني كده بحميك. لكن ما فكرتش في اللي هتحس بيه لما تعرف الحقيقة روايات_مشيره_محمد
الحب مش معناه إننا نقرر مكان بعض، ولا إننا نخبي الحقيقة بحجة الحماية.
هزت راسها.
عندك حق.
سكتنا شوية، وبعدها قلت
أنا مش عايز أؤذيكي، لكن الجوازة دي لازم تنتهي. إنتِ أمي، ومهما حصل، هفضل أحترمك وأتمنى لك الخير. لكن مش هقدر أكمل في علاقة اتبنت على سر بالشكل ده.
بصتلي، ودموعها مالية عينيها.
أنا موافقة. مش هعترض على أي قرار تاخده.
اتفقنا ننهي الجواز بشكل قانوني، ونتعامل بعد كده كأم وابنها، مع وجود حدود واضحة تخليني أقدر أتعافى من اللي حصل.
ما كانش قرار سهل، لكنه كان القرار الصح.
ولأول مرة، مدام نادية ما حاولتش تقنعني بحاجة، ولا ضغطت عليّا عشان أسامحها.
هي فهمت إن رجوعنا لبعض كعيلة محتاج وقت، وإن الحب الحقيقي مش بيجبر حد على حاجة.
بعد شهور، بدأت حياتي تستقر.
القضية فضلت ماشية في طريقها القانوني، وحقوقي في الشركة اتراجعت من خلال المحامين، وأبويا محمود رجع يعيش حياة هادية بعيد عن الخوف اللي عاش فيه سنين.
أما أنا، فبدأت أتعرف عليه من جديد.
كنا بنقعد ساعات نتكلم عن أمي نادية، وعن طفولتي اللي فاتت، وعن الحاجات اللي اتحرمت منها بسبب فؤاد.
وفي يوم، سألته
يا بابا، إنت زعلان إني ما عرفتكش طول السنين دي؟
ابتسم بحزن وقال
أنا زعلان على السنين اللي ضاعت، لكن مش زعلان منك. إنت ما كنتش تعرف حاجة. ولو كنت مكانك، كنت هتسأل نفس الأسئلة، ويمكن كنت هتغضب أكتر.
طب إنت سامحت أمي؟
سكت شوية، وبعدها قال
نادية اتوجعت كتير، وغلطت في حقك، لكن لازم نفرق بين الغلط وبين إننا نحكم على الإنسان كله. سامحتها على حاجات كتير، لكن ده ما معناهش إن كل اللي حصل كان صح.
الكلام ده فضل في دماغي.
بدأت أفهم إن الحياة مش دايمًا أبيض وأسود، وإن الشخص ممكن يكون ضحية في حكاية، ويغلط في حق غيره في حكاية تانية.
أمي نادية كانت ضحية لخوفها وتهديد فؤاد، لكنها في نفس الوقت أخطأت لما قررت تتعامل معايا من غير ما تقول الحقيقة.
وأنا كان من حقي أزعل، وأرفض، وأحط حدود، من غير ما أضطر أكرهها للأبد.
بعد سنة تقريبًا، قررت أزور أمي نادية.
كنت متردد، لكني كنت حاسس إن الوقت جه عشان نبدأ صفحة جديدة، حتى لو كانت صفحة صغيرة.
لما وصلت، فتحتلي الباب بنفسها.
كانت لابسة فستان بسيط، وشعرها الأبيض باين أكتر من آخر مرة شوفتها فيها.
أول ما شافتني، وقفت مكانها، وكأنها مش مصدقة إني جيت.
قالت بصوت واطي
أحمد؟
ابتسمت.
إزيك يا أمي؟
الكلمة خرجت مني لأول مرة من غير غضب.
دموعها نزلت، وحطت إيدها على بقها، وبعدها فتحت دراعها.
حضنتها.
الحضن ما كانش معناه إني نسيت كل حاجة، ولا إن الوجع اختفى في لحظة.
لكنه كان معناه إني مستعد أدي نفسي فرصة، وأديها فرصة، ونحاول نبني علاقة جديدة على الحقيقة بدل الأسرار.
قعدنا نتكلم ساعات.
حكتلي عن طفولتي، وعن الأيام اللي قضتها وهي بتدور عليّا، وورّتني صور قديمة كانت محتفظة بيها.
وفي آخر الزيارة، طلعت من درج صغير سلسلة فضة عليها اسم أحمد.
قالتلي
دي كانت هدية من أبوك محمود ليك يوم ما اتولدت. احتفظت بيها طول السنين دي، وكنت بحلم باليوم اللي أقدر أديهالك فيه.
أخدتها منها، ولبستها.
وبعدها بصيتلها وقلت
أنا مش هقدر أرجع السنين اللي فاتت، ولا أقدر أغيّر اللي حصل. لكن نقدر نبدأ من النهارده، بشرط واحد.
قالت بسرعة
أي شرط يا ابني.
مفيش أسرار تاني. مهما كانت الحقيقة صعبة، لازم نواجهها سوا.
هزت راسها، وقالت
أوعدك.
بعد ما خرجت من بيتها، روحت المقابر أزور أمي سعاد وأبويا حسن.
وقفت قدام قبرهم، وحطيت الورد اللي كنت جايبه، وفضلت ساكت شوية.
كنت عايز أقولهم حاجات كتير.
كنت عايز أقول لأمي سعاد إني عرفت الحقيقة، وإنها مهما كانت مش أمي بالدم، هتفضل أمي اللي شالتني وربتني وخافت عليّا.
وعايز أقول لأبويا حسن إني فهمت ليه كان خايف، لكن كان نفسي لو كان وثق فيّا وحكالي الحقيقة قبل ما يموت.
حطيت إيدي على القبر وقلت بصوت مبحوح
أنا مسامحكم. يمكن كان فيه حاجات كتير كان لازم أعرفها، لكن عمري ما هنسى إنكم كنتوا أهلي بجد. إنتوا اللي علمتوني يعني إيه حب، ويعني إيه تضحية، ويعني إيه بيت الواحد يحس فيه بالأمان.
وقفت شوية، وبعدها ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من سنين، ما كنتش حاسس إني تايه.
كنت عارف أنا مين، وعارف مين أهلي، وعارف إن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أحسن بكتير من إن الواحد يعيش عمره كله في كدبة.
رجعت البيت، وفتحت الشباك، وبصيت للسما.
افتكرت ليلة الفرح، والظرف اللي كان فيه مليون دولار، ومفتاح العربية، والرجالة اللي كانوا واقفين في كل ركن، والكلمة اللي قالتها مدام نادية يا ابني.
وقتها كنت فاكر إن حياتي انتهت، وإن كل حاجة حبيتها كانت كدبة.
لكن دلوقتي فهمت إن اللي انتهى فعلًا هو الوهم اللي كنت عايش فيه.
أما حياتي الحقيقية، فكانت لسه بتبدأ.
وفي النهاية، اكتشفت إن أكبر كدبة مش إنك تعيش من غير ما تعرف الحقيقة، لكن إنك تفضل تصدق إن الفلوس أو الخوف يقدروا يبرروا إن حد يسلبك حقك في
معرفة نفسك.
أنا خسرت سنين من عمري، وخسرت ثقتي في ناس كنت فاكرهم أقرب الناس ليا، لكني كسبت حاجة أهم من أي ميراث أو شركة.
كسبت الحقيقة.
وعرفت إن العيلة مش دايمًا هي الناس اللي بنشترك معاهم في الدم، وإن الحب الحقيقي مش مجرد مشاعر، لكنه صدق واحترام وقدرة على الاعتراف بالغلط.
أما مدام نادية، فرغم كل اللي حصل، فضلت أمي.
لكن المرة دي، مش لأنها أخفت الحقيقة عني، ولا لأنها حاولت تتحكم في حياتي.
فضلت أمي لأننا أخيرًا بدأنا علاقتنا من غير أسرار، ومن غير خوف، ومن غير كدب.
تمت.. روايات_مشيره_محمد