العلامه

لمحة نيوز

اتجوزتيني عشان الوصية؟
رفعت عينيها ليا بسرعة.
لأ يا أحمد! اسمعني كويس. أنا ما اتجوزتكش عشان الفلوس، وأنا عارفة إن اللي عملته كان غلط، لكن كنت محتاجة أحميك من فؤاد، وفي نفس الوقت كنت محتاجة أخليك قريب مني من غير ما يعرف إنك ابني.
فاخترتي تتجوزيني؟!
ما قدرتش ترد.
والحقيقة إن سكوتها كان كفاية يخليني أفهم إنها عملت حاجة ما كانش ليها أي مبرر.
قلت لها وأنا بهز راسي
إنتِ عارفة إن الناس كلها اتهمتني إني طمعان فيكي؟ عارفة إن أبويا اتبرأ مني، وإن عيلتي كلها بقت بتكرهني بسبب الجوازة دي؟ وإنتِ كنتِ عارفة الحقيقة من الأول!
قالت بسرعة
أنا ما كنتش عايزة أوجعك.
لكنك وجعتيني أكتر من أي حد!
في اللحظة دي، سمعت خبطتين على الباب.
مدام نادية اتغير لون وشها، وبصت ناحية الباب بخوف.
مين؟
جاء صوت راجل من بره
يا هانم، لازم حضرتك تنزلي حالًا. فيه مشكلة.
بصيتلها باستغراب.
إيه المشكلة؟
ما ردتش عليّا، لكنها راحت ناحية الدولاب، وطلعت منه شنطة صغيرة وملف بني.
وبعدين قالتلي
لازم نمشي من هنا دلوقتي.
خرجنا من الأوضة، ولقيت اتنين من الرجالة اللي كانوا واقفين في الفرح مستنيينا في الممر.
واحد منهم قال
فؤاد وصل يا هانم.
مدام نادية اتجمدت مكانها.
أما أنا، فبصيت للراجل باستغراب.
فؤاد مين؟
الراجل ما ردش، لكن مدام نادية مسكت دراعي وقالتلي
تعالى معايا، وهفهمك كل حاجة.
نزلنا السلم بسرعة، ولما وصلنا للصالة الكبيرة، لقيت راجل في أواخر الستينات واقف وسط المكان، لابس بدلة غالية، وحواليه مجموعة من الحراس.
كان شكله هادي، لكن عينيه فيها قسوة تخليك تحس إنه متعود إن كل الناس تخاف منه.
أول ما شافني، ابتسم.
وقال
أخيرًا شوفتك يا أحمد.
بصيتله بغضب.
إنت فؤاد؟
ابتسامته اختفت للحظة، وبعدها رجعت.
أيوه. أنا فؤاد.
قرب مني خطوة، وقال
أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إن نادية حكتلك حكايات مش كاملة. لكن صدقني، أنا الوحيد اللي يقدر يحميك.
ضحكت بسخرية.
تحميني من مين؟ منك؟!
ملامحه اتغيرت.
واضح إن نادية لعبت بعقلك.
مدام نادية وقفت قدامي وقالت
ما تقربش منه يا فؤاد.
بصلها باحتقار.
إنتِ لسه فاكرة إنك تقدري تقفي في وشي؟ ستة وعشرين سنة وإنتِ بتدوري عليه، ولما لقيتيه قررتي تدمري حياته بجوازة مالهاش أي معنى!
صرخت فيه
أنا ما دمرتش حياته! إنت اللي دمرته من يوم ما خطفته من حضني!
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة، وبعدها بصلي.
اسمع يا أحمد، أنا مش هكدب عليك. فيه حاجات حصلت زمان، لكن مش كل اللي قالتهولك نادية صحيح. أبوك الحقيقي كان راجل متهور، ودخل نفسه في مشاكل كبيرة، وأنا حاولت أحمي عيلته.
إنت بتكدب!
عندك دليل؟
ما عرفتش أرد.
فؤاد فتح إيده وقال
تعالَ معايا، وأنا هوريك كل المستندات اللي تثبت كلامي. وهديك نصيبك من الشركة، وهخليك تعيش ملك. لكن بشرط واحد.
سألته
إيه هو؟
بص لنادية وقال
تبعد عنك نهائي، وما تشوفهاش تاني.
مدام نادية مسكت إيدي بقوة.
ما تسمعش كلامه يا أحمد. ده نفس الأسلوب اللي استخدمه معايا من سنين. هيشتريك بالفلوس، ولما ياخد اللي هو عايزه، هيرميك.
فؤاد رد عليها بهدوء مستفز
إنتِ اللي بتتكلمي عن الفلوس؟ الست اللي اتجوزت ابنها عشان تحميه من غير ما تقول له الحقيقة؟!
الكلمة نزلت عليّا زي الصاعقة.
بصيت لنادية، وبعدها بصيت لفؤاد.
إنتوا الاتنين كنتوا عارفين كل حاجة، وكل واحد فيكم بيحاول يستخدمني لمصلحته!
فؤاد ابتسم.
فكر براحتك. لكن عندك وقت لحد بكرة الصبح. يا تيجي معايا، يا تنسى كل حقوقك، وتفضل طول عمرك عايش على كدبة.
وبعدها لف وخرج من القصر، ورجالته مشيوا وراه.
فضلت واقف مكاني، حاسس إني محاصر بين اتنين، وكل واحد فيهم بيحكي رواية مختلفة.
لفيت لنادية وقلت
أنا مش هقدر أفضل هنا. ومش عايز أشوفك دلوقتي.
حاولت تتكلم، لكني رفعت إيدي.
أرجوكي، سيبيني أمشي.
هزت راسها وهي بتعيط، وادتني الملف البني.
خده معاك. دي أوراق أبوك محمود، ودي الحاجة الوحيدة اللي هتقدر تعرف منها الحقيقة كاملة.
أخدت الملف، وخرجت من القصر لوحدي.
رجعت البيت اللي كنت عايش فيه مع أبويا حسن وأمي سعاد، رغم إنهم كانوا ماتوا من سنين.
فتحت باب الأوضة القديمة، وقعدت على السرير اللي كنت بنام عليه وأنا صغير.
كل حاجة في البيت كانت بتفكرني بيهم.
ضحكة أمي سعاد، وصوت أبويا حسن وهو بيناديني عشان نتعشى، وطريقتهم وهما بيسألوني عن يومي.
هل كانوا بيحبوني فعلًا؟
ولا كنت مجرد أمانة عندهم؟
فتحت الملف البني، ولقيت جواه صور قديمة، وشهادات ميلاد، وأوراق شركة، وخطابات مكتوبة بخط إيد راجل اسمه محمود.
مسكت أول صورة.
كانت صورة لمدام نادية وهي شابة، واقفة جنب راجل طويل، شايل طفل صغير.
الطفل كان أنا.
قلبت الصورة، ولقيت مكتوب وراها
لأغلى حاجة في حياتي، ابني أحمد. مهما حصل، لازم تعرف إن أبوك بيحبك.
دموعي نزلت وأنا بقرأ الكلام.
بعدها فتحت الخطابات، وبدأت أقرأ واحد ورا التاني.
في آخر خطاب، لقيت كلام واضح عن فؤاد، وإنه كان بيحاول يستولي على الشركة عن طريق تزوير العقود، وإن محمود اكتشف إن فيه حسابات سرية بتحول ملايين الجنيهات لحسابات خارج مصر.
لكن اللي صدمني فعلًا كان مستند مكتوب فيه إن فيه توكيل قديم باسم أبويا حسن، وإنه كان مسؤول عن حمايتي لحد ما أبلغ السن القانونية وأعرف حقيقة نسبى.
يعني أبويا حسن كان عارف كل حاجة.
ليه ما قالليش؟
وليه أمي سعاد ماتت وهي سايبة السر ده مدفون؟
فضلت أقلب في الأوراق لحد ما لقيت جواب صغير مكتوب بخط أمي سعاد.
كان موجّه ليا، ومكتوب عليه افتحه لما تعرف الحقيقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
كان مكتوب فيه
ابني وحبيبي أحمد،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى إحنا ما قدرناش نحكيلك الحقيقة بنفسنا.
إنت مش ابننا بالدم، لكن والله ما عرفنا في يوم إنك مش ابننا. من أول لحظة دخلت فيها بيتنا، بقيت روحنا اللي ماشية على الأرض.
أمك نادية ما تخلتش عنك بإرادتها. إحنا أخدناك منها عشان ننقذك من خطر حقيقي، وكان لازم نخبيك لحد ما تكبر.
أبوك حسن كان محتفظ بدليل مهم يثبت جريمة فؤاد، لكنه خاف إنك لو عرفت الحقيقة وإنت صغير، تتعرض للخطر.
يا ابني، مهما سمعت عن أمك، افتكر إنها فضلت تحبك وتدور عليك. ومهما حصل، ما تخليش الفلوس تفرق بينك وبين الحقيقة.
وفيه حاجة لازم تعرفها أبوك محمود ما ماتش في الحادثة اللي قالوا عليها. إحنا ما عرفناش مكانه، لكن فيه دليل إنه كان عايش بعد اختفائه بسنين.
لو قدرت توصل للحقيقة، دور على الراجل اللي كان شغال في مخازن الشركة القديمة. اسمه عم رجب. هو الوحيد اللي ممكن يكون عارف مكان أبوك.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
أبويا محمود ممكن يكون عايش؟!
يعني طول السنين دي، وأنا فاكر إني يتيم، يمكن يكون لسه موجود في مكان ما؟
بصيت للساعة، كانت قربت من الفجر.
ما قدرتش أنام.
قررت أروح أدور على عم رجب من أول الصبح.
في اليوم التالي، رحت عنوان الشركة القديمة اللي كان مكتوب في الأوراق.
المكان كان عبارة عن مخازن قديمة في منطقة صناعية على أطراف إسكندرية.
سألت عن عم رجب، وبعد وقت طويل، واحد من العمال دلني على أوضة صغيرة في آخر المخزن.
خبطت على الباب، وخرجلي راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مليان تجاعيد.
قلتله
حضرتك
تم نسخ الرابط