العلامه
المحتويات
عم رجب؟
بصلي باستغراب.
أيوه، خير يا ابني؟
طلعت الصورة القديمة من جيبي.
أنا أحمد، ابن محمود.
أول ما شاف الصورة، وشه اتغير، ورجع خطوة لورا.
إنت ابن محمود؟!
أيوه. وأنا محتاج أعرف الحقيقة.
بص حواليه بخوف، وبعدها دخلني الأوضة وقفّل الباب.
قاللي بصوت واطي
إنت ما كانش المفروض تيجي هنا.
ليه؟
لأن فؤاد لسه بيدور على أبوك، ولو عرف إنك وصلتلي، مش هيسيبك في حالك.
عم رجب، أنا تعبت من الخوف ومن الأسرار. لو تعرف حاجة، أرجوك قولها.
قعد على كرسي قديم، وبعد لحظات قال
أبوك ما ماتش يا أحمد. أنا شفته بعيني بعد اختفائه بسنتين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كان فين؟!
كان محبوس في مكان بعيد، وكان فيه ناس بتراقبه. أنا حاولت أساعده، لكنه رفض يهرب من غير ما يضمن إنك في أمان.
طب هو فين دلوقتي؟
عم رجب سكت شوية، وبعدها قال
آخر مرة شفته فيها، كان في دار رعاية صغيرة في البحيرة، تحت اسم مختلف. لكن ده كان من سنين طويلة. ما أعرفش إذا كان لسه عايش ولا لأ.
طلبت منه العنوان، وبعد إلحاح وافق يساعدني.
قبل ما أمشي، مسك دراعي وقال
خد بالك يا أحمد. فؤاد مش بس طماع. ده راجل مستعد يدمّر أي حد يقف في طريقه. ما تواجهوش لوحدك.
هزيت راسي، وخرجت وأنا حاسس إن لأول مرة في حياتي، عندي طريق واضح أمشي فيه.
وصلت دار الرعاية بعد رحلة طويلة.
المكان كان هادي، وسط أرض خضرا، بعيد عن دوشة المدينة.
دخلت وسألت عن الراجل اللي كان عايش باسم عبد الحميد، لكن الموظفة قالتلي إن مفيش حد بالاسم ده عندهم.
كنت على وشك أمشي، لما ممرضة كبيرة في السن سمعتني وأنا بوصف شكل أبويا من الصورة.
وقفت فجأة وقالت
استنى يا ابني. إنت بتدور على راجل كان عنده جرح قديم في إيده اليمين؟
بصيتلها بلهفة.
أيوه! إنتِ تعرفيه؟
قالتلي
كان هنا من حوالي عشر سنين، لكنه خرج مع واحد من قرايبه، وبعدها ما رجعش.
قريبه مين؟
ما قالش اسمه، لكن فاكرة إنه كان بيناديه يا أستاذ محمود.
حسيت إن أملي بدأ يضعف.
لكن قبل ما أخرج، الممرضة قالتلي
استنى، يمكن الورقة دي تفيدك.
طلعت من درج مكتبها ورقة قديمة فيها رقم تليفون وعنوان في منطقة شعبية في القاهرة.
قالتلي
الراجل ده كان بيبعتله فلوس كل شهر، ويمكن يعرف مكانه.
أخدت الورقة وشكرتها، واتصلت بالرقم.
رد عليّا راجل بعد رنات كتير.
قلتله
السلام عليكم، أنا بدور على أستاذ محمود، ومحتاج أكلمه في موضوع مهم جدًا.
سكت شوية، وبعدها قال
إنت مين؟
أنا ابنه أحمد.
سمعت صوت نفس طويل من الناحية التانية.
وبعد لحظات، قال
استناني بكرة الساعة عشرة الصبح عند محطة القطر. لو إنت فعلًا ابنه، هتعرفني من أول ما تشوفني.
وقفل الخط.
تاني يوم، رحت المحطة قبل المعاد بنص ساعة.
فضلت واقف أبص في وشوش الناس، وكل راجل كبير يعدي من قدامي كنت أحاول أتخيل إذا كان هو أبويا ولا لأ.
لحد ما شفت راجل لابس جلابية رمادي، ماشي بعكاز، وإيده اليمين فيها أثر جرح قديم.
كان وشه متغير من السنين، وشعره أبيض بالكامل، لكن عينيه كان فيهم حاجة مألوفة.
قرب مني، وبصلي طويلًا.
وبعدين قال بصوت مرتعش
أحمد؟
ما قدرتش أرد.
هو مد إيده ولمس وشي، وبعدها حضني بقوة وهو بيعيط.
يا ابني... يا حبيبي... أنا كنت فاكر إني مش هشوفك تاني!
انهرت في حضنه.
فضلنا واقفين وسط الناس، وكل واحد فينا بيعيط كأنه بيحاول يعوض ستة وعشرين سنة من الغياب.
بعد وقت طويل، قعدنا في كافيه صغير جنب المحطة.
بصيتله وقلت
ليه يا بابا؟ ليه سبتني؟ ليه ما رجعتش ليا؟
مسح دموعه وقال
أنا ما سبتكش يا ابني. أنا حاولت أرجعلك مئات المرات، لكن فؤاد كان مهددني. في الأول حبسني في مكان بعيد، وبعدها لما قدرت أهرب، اكتشفت إنه عرف مكانك، وإن أي محاولة مني للظهور هتعرّضك للخطر.
طب ليه ما بلغتّش عنه؟
بلغت، لكن فؤاد كان عنده نفوذ، وكان بيشتري سكوت الناس بالفلوس. وأنا ما كانش معايا المستندات الأصلية اللي تثبت جريمته.
المستندات عندي يا بابا.
بصلي بصدمة.
إنت معاك الأوراق؟!
طلعت الملف وحطيته قدامه.
فضل يقلب فيه، ولما وصل لورقة معينة، إيده بدأت تترعش.
قال
دي هي! دي الورقة اللي فؤاد كان بيدور عليها طول السنين دي!
يعني نقدر نفضحه؟
أيوه، لكن لازم نتصرف بحكمة. الأوراق دي لوحدها ممكن ما تكفيش، لأن فؤاد يقدر يدّعي إنها مزورة. إحنا محتاجين الدليل اللي يثبت إنه كان بيحوّل فلوس الشركة لحسابه الشخصي، وشهادة الشخص اللي ساعده في التزوير.
مين الشخص ده؟
أبويا بصلي وقال
أخوه الأصغر، سامح.
اتصدمت.
أخوه؟!
أيوه. سامح كان شغال معاه في الشركة، لكنه لما عرف إن فؤاد بيخطط يورطني في القضية، رفض يساعده. ومن وقتها، فؤاد قطع علاقته بيه وهدده.
سألته
طب نوصله إزاي؟
أنا أعرف مكانه، لكن لازم الأول نتأكد إن فؤاد ما بقاش بيراقبنا.
اتفقنا نتحرك بحذر، ونتواصل مع محامي قديم كان محمود واثق فيه.
لأول مرة، حسيت إن حياتي مش مجرد كدبة، وإن فيه فرصة أرجع حقي وأعرف مين أنا فعلًا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إن فؤاد كان بالفعل عارف إني قابلت أبويا.
بعد يومين، وأنا راجع من مقابلة المحامي، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.
رديت، وجالي صوت مدام نادية.
أحمد، إنت فين؟ أنا لازم أشوفك.
كان صوتها مرعوب.
فيه إيه؟
فؤاد عرف إنك وصلت لأبوك. وهو دلوقتي بيهددني، وبيقول إنه مش هيسيبكم في حالكم.
إنتِ فين؟
في البيت. بس فيه رجالة واقفين بره، وأنا مش قادرة أخرج.
قفلت معاها، واتصلت بالمحامي، وطلبت منه يساعدني نتواصل مع الشرطة.
ما كنتش عايز أروح لوحدي وأدخل نفسي في مواجهة جديدة.
بعد ساعة، كنا قدام بيت مدام نادية.
لقينا الحراسة اختفت، والباب مفتوح.
دخلنا بسرعة، ولقيناها قاعدة في الصالة، ووشها شاحب.
أول ما شافتني، قامت وجريت ناحيتي.
أحمد!
وقفت مكاني، وما قدرتش أحضنها، لكني ما قدرتش كمان أسيبها.
قلت لها
إنتِ كويسة؟
هزت راسها.
أيوه، بس فؤاد أخد مني أوراق مهمة، وكان عايز يعرف مكان أبوك.
بصيت للمحامي.
قالها بهدوء
إحنا لازم نتحرك قانونيًا فورًا، وأي مواجهة مباشرة معاه ممكن تضيع حقوقكم.
مدام نادية قعدت، وبعد لحظات قالت
فيه حاجة لازم تعرفوها. فؤاد مش بس سرق الشركة. هو كمان زوّر أوراق تثبت إن محمود مات، وكان بيستخدم التزوير ده عشان يستولي على نصيبه بالكامل.
أبويا محمود، اللي كان واقف جنب المحامي، قال
وأنا مستعد أشهد بكل اللي حصل.
بصيت لنادية وقلت
وأنا كمان. لكن فيه حاجة لازم تحصل الأول.
بصتلي باستغراب.
إيه هي؟
لازم نعرف كل الحقيقة، من غير أسرار تاني. من النهارده، مفيش حد هيخبي عني أي حاجة.
هزت راسها بالموافقة، وبدأت تحكي للمحامي كل اللي تعرفه.
وفي الأيام اللي بعدها، جمعنا المستندات، ووصلنا لسامح أخو فؤاد، اللي وافق يشهد بعد ما عرف إن محمود رجع وإن عندنا أدلة حقيقية.
كان خايف في الأول، لكن لما شاف الأوراق، قرر أخيرًا يواجه أخوه.
وبعد مراجعة المستندات والتحقيق في الحسابات، اتحدد ميعاد لمواجهة قانونية بيننا وبين فؤاد.
دخلت المكان وأنا ماسك إيد أبويا محمود.
كان فؤاد قاعد على الكرسي المقابل، لابس بدلته الغالية، ووشه ثابت
متابعة القراءة