11 يوم

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد
الكلبة اللي فضلت 11 يوم تاخد بسكوت من إيدي وتختفي في الغابة.. وفي اليوم ال شدتني من مريولي، ولما شوفت اللي كانت مخبياه وسط الجبل اتصدمت!
اسمي فاطمة عبدالسلام، بس كل الناس بتناديني أم فريدة.
عندي 71 سنة، وبقالي 32 سنة فاتحة مطعم صغير في قرية قريبة من مدينة مرسى مطروح، على طريق إسكندرية مطروح الصحراوي.
المطعم ده جوزي الله يرحمه، الحاج عبدالعزيز، بناه بإيده، وكان دايمًا يقول لي إنه مش مجرد محل أكل، ده عمرنا وتعب سنين طويلة.
جوزي مات من 6 سنين، ولحد النهارده ساعات بصحى الصبح وأحط فنجانين قهوة على الترابيزة، قبل ما أفتكر إن مفيش حد هيقعد قصادي ويشرب الفنجان التاني.
المطعم ما بقاش زي زمان.
الزبائن قلّوا، والمصاريف زادت، وفي شهر سبتمبر صاحب العقار قرر يزود الإيجار 8 آلاف جنيه كل شهر.
كنت قاعدة يومها مع رجب، الطباخ اللي شغال معايا من سنين، وقلت له
مش عارفة يا رجب هنقدر نكمل لحد آخر السنة ولا لأ.
بصلي وقال
ربنا كبير يا ست أم فريدة، ومش هيضيع تعبك.
ابتسمت له ابتسامة باهتة، لأني بصراحة ما كنتش متأكدة من أي حاجة.
أول مرة شفت فيها الكلبة كانت في يوم شتوي شديد، والجو كان مليان رياح وتراب ومطر، والشارع كله كان شبه فاضي.
باب المطعم اتفتح، ودخلت كلبة جيرمن شيبرد كبيرة الحجم، بس جسمها كان هزيل بشكل يخوف.
كانت بتعرج، وبتحاول ما تدوسش على رجلها الخلفية.
والأغرب إن حوالين رقبتها كان فيه آثار دم ناشف ومتكتل حوالين الطوق اللي لابساه، لكن ما كانش فيه أي بطاقة أو علامة تدل على صاحبها.
وقفت قدام الكاشير وبصتلي مباشرة.
لا نبحَت، ولا عيطت، ولا حاولت تقرب من الأكل اللي على الترابيزات.
فضلت واقفة ساكتة كأنها مستنياني أعمل حاجة.
طلعت قطعة بسكوت من العلبة ومديت إيدي بيها ناحيتها.
أخدتها من إيدي بمنتهى الهدوء، ولفت ورجعت من الباب واختفت وسط الأشجار.
رجب كان واقف بيتابعها باستغراب، وقال
شكلها كلبة ضالة يا ست أم فريدة.
قلت له
ربنا يستر عليها، شكلها تعبانة قوي.
افتكرت إن الموضوع انتهى عند كده، لكن تاني يوم الصبح، وفي نفس المعاد بالظبط، الساعة 640، الباب اتفتح ودخلت نفس الكلبة.
وقفت في نفس المكان.
طلعت لها قطعة بسكوت، أخدتها وخرجت.
وتكرر الموضوع يوم ورا يوم.
نفس المعاد، نفس الوقفة، نفس قطعة البسكوت، ونفس الخروج السريع.
لحد اليوم الرابع، بدأت آخد بالي من حاجة غريبة.
الكلبة عمرها ما أكلت البسكوت!
كانت بتاخده في بقها بحرص شديد، وتعدي الطريق الرئيسي، وبعدها تدخل وسط الأشجار الكثيفة وتختفي.
كانت ماسكة البسكوت بطريقة غريبة، كأنها شايلة حاجة غالية عليها وخايفة تقع منها.
وقتها بدأت أسأل نفسي
يا ترى بتعمل إيه بالبسكوت ده؟
وهل فيه حد مستنيها جوه المنطقة الزراعية؟
لكن ما كنتش أنا الوحيدة اللي لاحظت زياراتها.
كان فيه زبون اسمه جلال الشناوي، راجل بييجي كل صباح يشرب قهوته ويشتكي من كل حاجة في الدنيا.
والحقيقة إن جلال كان طمعان في المبنى اللي فيه المطعم من سنين، وكان كل شوية يلمحلي إني هضطر أقفل قريب.
وفي صباح اليوم الخامس، أول ما شاف الكلبة داخلة، قال بصوت عالي
إيه يا ست فاطمة؟ هو المطعم بقى ملجأ للحيوانات كمان؟
رديت بهدوء
دي مش بتعمل حاجة، بتاخد بسكوتة وتمشي.
ضحك بسخرية وقال
أهو ده اللي ناقص! مطعم بيقدم أكل للكلاب! مش غريبة إن الزباين بطلت تيجي هنا؟
وبص للناس اللي قاعدين وأضاف
الست شكلها كبرت وخرفت خلاص!
ما رديتش عليه.
أنا اتعلمت من سنين إن الجدال مع واحد زي جلال مضيعة للوقت.
لكن في اليوم الثامن قرر يعمل مشكلة أكبر.
أول ما الكلبة دخلت، زق كرسيه وقام واقف وقال
أنا بلغت الحي، والمفتش جاي يوم الجمعة يعاين المكان!
وبصلي بابتسامة مستفزة وقال
استمتعي بآخر أسبوع ليكي يا فاطمة، واضح إنك مصممة تقفلي المطعم بنفسك!
ما رديتش برضه.
طلعت البسكوتة واديتها للكلبة، وهي أخدتها ومشيت كعادتها.
لكن الليلة دي، بعد ما قفلت المطعم وروحت البيت، ما قدرتش أبطل تفكير فيها.
11 يوم.
11 قطعة بسكوت.
ولا مرة شفتها بتاكل واحدة منهم!
وفيه حاجة تانية بدأت تشغل بالي.
كان فيه راجل عجوز اسمه عم صبحي، زبون قديم عندي، متعود يقعد في الترابيزة اللي في الركن كل يوم تلات.
كان هادي، قليل الكلام، ودايمًا بيطلب قهوة سادة وقطعة عيش.
لكن بقاله أسبوعين ما ظهرش.
في الأول ما اهتمتش قوي، وقلت يمكن تعبان أو مسافر عند حد من قرايبه.
لكن فجأة لقيت نفسي بربط بين اختفائه وبين الكلبة اللي بتاخد الأكل وتدخل بيه وسط الأشجار.
فضلت أفكر طول الليل.
الكلبة دي جسمها ضعيف وهزيلة، وأكيد جعانة.
أي حيوان جعان كان أكل البسكوتة أول ما ياخدها.
إلا لو كانت مش بتاخدها لنفسها!
يمكن فيه حد تاني مستنيها.
ويمكن الشخص ده هو عم صبحي!
تاني يوم كان اليوم رقم 12.
وفي تمام الساعة 640، الباب اتفتح ودخلت الكلبة.
نفس العرج، ونفس آثار الدم الناشف حوالين رقبتها.
مديت إيدي بالبسكوت، لكن المرة دي ما أخدتهوش.
فضلت باصة لي لحظات، وبعدها عملت حاجة عمرها ما عملتها قبل كده.
عدت من جنب الكاشير ودخلت ورا الكاونتر!
اتخضيت وقلت
إيه يا حبيبتي؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قربت مني، ووطت راسها ومسكِت طرف المريلة بأسنانها وشدته بقوة.
حاولت أبعدها، لكنها سابت القماش وجريت ناحية الباب، وبعدها رجعت بصتلي.
كانت مستنياني أخرج وراها.
في اللحظة دي جلال اللي كان قاعد على ترابيزته اتكلم بعصبية
إياكي تعمليها يا فاطمة!
بصيت له باستغراب.
قال
إنتِ اتجننتي؟ هتجري ورا كلبة في الجبل والجو بالشكل ده؟ إنتِ لو وقعتي واتكسرت رجلك، مين هيلحقك؟ محدش هيعرف حتى مكانك!
بصيت للكلبة.
كانت واقفة عند الباب وبتبصلي بعيون فيها رجاء غريب.
قلعت المريلة وعلقتها على الكرسي، ولبست معطفي التقيل.
وبصيت لرجب وقلت
خلي عينك على الفرن، وأنا راجعة.
رجب اتوتر وقال
رايحة فين يا ست أم فريدة؟!
ورا الكلبة دي، قلبي بيقولي إن فيه مصيبة.
خرجت وراها.
عدينا الطريق الرئيسي، ودخلنا وسط الأشجار الكثيفة في منطقة بعيدة عن البيوت والعمران.
كان فيه طريق قديم كان بيستخدمه عمال المحاجر زمان، لكنه بقى مهجور ومليان طين وحجارة.
كل ما كنا نتعمق جوه، الطريق كان بيبقى أصعب.
الأرض كانت زلقة من المطر، والهوا البارد بيدخل صدري كأنه سكاكين.
ركبي اللي عديت السبعين سنة كانوا بيوجعوني مع كل خطوة، ومرتين وقفت من التعب ومقدرتش أكمل.
لكن الكلبة ما سابتنيش.
كل ما أقف، ترجعلي وتفضل واقفة جنبي، وتطلع صوت خفيف كأنها بتطمني.
ولما أقدر أتحرك، تسبقني بخطوات وترجع تبص وراها عشان تتأكد إني لسه وراها.
كان واضح إنها عايزاني أوصل لمكان معين، ومهما كان اللي مستنيني هناك، هي مش هتتراجع.
بعد حوالي كيلو ونص مشي، وصلنا عند مجرى مية صغير.
وهناك، وسط الشجر، لمحت حاجة غريبة.
كان فيه عشة بدائية معمولة من فروع الشجر، ومغطاة بقطعة مشمع زرقا قديمة ومقطوعة من أطرافها.
في الأول افتكرتها مكان مهجور بيستخبى فيه حد من المطر.
لكن لما قربت شوية، شفت حاجة تحت المشمع.
كان فيه شخص!
راجل عجوز نايم على الأرض، ومتغطي بجاكيت عسكري قديم ومتسخ.
وشه كان شاحب بطريقة تخوف، وجسمه بيرتعش بعنف من البرد.
أما رجله، فكانت مثنية بشكل غير طبيعي.
وقفت مكاني وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
وبعدين عيني نزلت على الأرض حواليه.
كان فيه فتافيت بسكوت متناثرة في كل مكان!
فتافيت صغيرة كتير، بعضها متداري وسط التراب.
وفجأة فهمت كل حاجة.
الكلبة ما كانتش بتيجي المطعم عشان تاكل.
دي كانت بتاخد البسكوت لراجلها!
كل يوم كانت بتعدي الطريق، وتتحمل وجع رجلها المصابة، وتيجي تاخد قطعة بسكوت، وترجع بيها وسط الأشجار عشان تطعم الراجل العجوز.
11 يوم كاملة وهي بتعمل كده!
قربت الكلبة من الراجل، ونامت جنبه وحطت راسها على صدره، كأنها بتحاول تدفيه بجسمها.
كان واضح إنها متعودة تنام جنبه كل ليلة.
وقعت على ركبتي من هول المنظر.
مديت إيدي ولمست وشه.
كان ساقع بشكل مرعب.
وللحظة قلبي وقف، وافتكرت إني وصلت متأخرة.
لكن لما قربت أكتر، لاحظت إن صدره بيتحرك حركة بسيطة.
كان لسه بيتنفس!
بصعوبة، لكنه عايش.
قربت منه وقلت بصوت عالي
يا حاج! يا حاج، سامعني؟ افتح عينك!
بعد لحظات، جفونه بدأت تتحرك، وفتح عينيه بالعافية.
فضل باصصلي كأنه بيحاول يركز في ملامحي.
كان فيه حاجة غريبة في نظرته.
كأنه يعرفني!
وكأنه بيحاول يفتكر اسمي من وسط ذكريات بعيدة أوي.
حرك شفايفه بصعوبة، وطلع منه صوت ضعيف بالكاد سمعته وسط صوت الهوا.
قال
عصفورة...؟
اتجمدت مكاني.
حسيت إن الدم اتسحب من جسمي كله.
عصفورة!
محدش ناداني بالاسم ده من 58 سنة!
ولا شخص واحد!
لأن الاسم ده كان ليه صاحب واحد بس في حياتي كلها.
شخص واحد كان بيناديني بيه زمان، قبل ما تكبرنا الأيام وتفرقنا الطرق.
بصيت في وش الراجل تاني، وقلبي بيدق بعنف.
قلت بصوت بيرتعش
إنت... إنت مين؟!
حاول يرفع إيده ناحيتي، لكن جسمه ما ساعدوش.
والكلبة فضلت لازقة فيه، وبتبصلي كأنها مستنية مني أفهم حاجة.
11 صباح من البسكوت.
كلبة مصابة رفضت تستسلم.
راجل عجوز اختفى من المطعم من أسبوعين.
واسم دلع ما سمعتوش من 58 سنة!
فجأة بدأت أفهم إن الحكاية مش مجرد كلبة بتحاول تنقذ راجل غريب من البرد.
الراجل ده كان ليه علاقة بماضيّ.
ماضي كنت فاكرة إني قفلته ودفنته من سنين طويلة.
بقلم مشيره محمد
فضلت واقفة مكاني مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
عصفورة!
الاسم ده كان مدفون جوايا من أكتر من نص قرن، ومحدش يعرفه غير شخص واحد.
قربت من الراجل العجوز، وحاولت أشوف ملامحه كويس رغم التعب والبرد اللي كان باين عليه.
قلت بصوت مرتعش
إنت تعرفني منين؟ وإيه اللي جابك هنا؟ وإزاي عرفت الاسم ده؟
حاول يرد، لكن صوته كان ضعيف جدًا.
رفع إيده بالعافية وأشار للكلبة اللي كانت نايمة جنبه.
هي... هي اللي أنقذتني.
بصيت للكلبة، ومسحت على راسها وقلت
أنا عارفة إنها أنقذتك، بس إنت مين؟ وليه قلتلي عصفورة؟
الراجل غمض عينيه لحظة، وبعدها قال
أنا... أنا مراد.
قلبي دق بعنف.
مراد!
رجعت خطوة لورا، وحطيت إيدي على صدري.
مراد؟ مراد عبدالجواد؟
فتح عينيه وبصلي.
أيوه يا فاطمة... أنا مراد.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
مراد كان أول حب في حياتي، قبل ما أعرف جوزي عبدالعزيز، وقبل ما أتجوز وأخلف وأعيش السنين اللي فاتت كلها.
كان شاب طيب، ابن عيلة بسيطة من قرية قريبة من دمنهور، وكنا بنشوف بعض في الأفراح والمناسبات العائلية.
كان بيناديني عصفورة، ويقول إن ضحكتي شبه صوت العصافير وقت الفجر.
لكن مراد اختفى من حياتي فجأة وأنا عندي 19 سنة.
في يوم من الأيام، عرفت إنه سافر يشتغل بعيد، وبعدها وصلتني أخبار إنه اتجوز واستقر في مكان تاني.
أنا وقتها زعلت، لكن الحياة ما وقفتش.
اتقدملي عبدالعزيز، وكان راجل محترم وحنين، ووافقت عليه، وعشت معاه أجمل سنين عمري.
لكن دلوقتي مراد قدامي، بعد 58 سنة، في عشة متهالكة وسط الأشجار، ورجله مصابة وجسمه بيترعش من البرد.
قلت له وأنا بحاول أتمالك نفسي
إنت كنت فين كل السنين دي؟ وإيه اللي حصلك؟
حاول يعتدل، لكن صرخ من الوجع.
قلت بسرعة
متتحركش! إنت لازم تتنقل المستشفى حالًا.
طلعت موبايلي، لكن الشبكة كانت
 

تم نسخ الرابط