11 يوم

لمحة نيوز


ضعيفة جدًا.
حاولت أتصل بالإسعاف، وفي المرة التالتة المكالمة وصلت.
شرحت لهم المكان على قد ما قدرت، وطلبت منهم يبعتوا عربية إسعاف، وقلت لهم إن فيه راجل كبير مصاب ومش قادر يتحرك.
بعد ما قفلت، رجعت قعدت جنبه.
الكلبة رفعت راسها وبصتلي، فمديت إيدي ومسحت على ودنها.
إنتِ بطلة يا حبيبتي... إنتِ اللي أنقذتيه.
مراد ابتسم ابتسامة ضعيفة وقال
اسمها لوزة.
ابتسمت رغم دموعي.
لوزة؟ اسم جميل.
قال وهو بيحاول ياخد نفسه
لقيتها من حوالي سنتين... كانت صغيرة ومصابة، ومرمية جنب طريق زراعي. أخدتها وعالجتها، ومن يومها وهي معايا. عمرها ما سابتني.
بصيت للطوق اللي حوالين رقبتها، ولاحظت آثار الدم الناشف.
قلت
طب والدم اللي على رقبتها ده؟
اتنهد وقال
من يومين، كان فيه شوية ناس دخلوا المكان اللي كنت قاعد فيه، وحاولوا يطردوني. واحد منهم ضربها وهي بتحاول تدافع عني.
حسيت بالغضب.
مين الناس دي؟ وليه عايزين يطردوك؟
مراد فضلتخ شوية، وبعدها بصلي بنظرة غريبة.
عشان الأرض اللي قاعدين عليها يا فاطمة.
وقبل ما أسأله أكتر، سمعنا صوت بعيد لعربية بتقرب.
كانت عربية الإسعاف وصلت لأقرب طريق ممكن، ومعاها اتنين من المسعفين ورجال إنقاذ من الحماية المدنية.
بدأوا يجهزوا النقالة، ولوزة كانت رافضة تبعد عن مراد.
واحد من المسعفين حاول يمسكها، لكنها زمجرت.
قلت له
سيبها، دي مش هتأذينا. دي صاحبته، وهي اللي جابتنا له.
قربت من لوزة وقلت
تعالي يا لوزة، هنروح معاه. محدش هيبعدك عنه.
الغريب إنها هديت بمجرد ما سمعت صوتي.
نقلوا مراد على النقالة، وطلعنا بيه لحد الطريق الرئيسي، وهناك اتحط في عربية الإسعاف.
ركبت معاه، ولوزة قعدت عند رجليه، وكل شوية ترفع راسها تطمن إنه لسه بيتنفس.
طول الطريق كنت ببص لمراد، وبحاول أستوعب إن الشخص اللي افتكرت إنه خرج من حياتي للأبد رجع يظهر قدامي بالطريقة دي.
ولما وصلنا مستشفى مطروح العام، دخلوا بيه الطوارئ فورًا.
الدكتور طلب أشعة وتحاليل، وبعد الكشف اتضح إن عنده كسر في رجله، وجفاف شديد، وهبوط بسبب سوء التغذية والتعرض للبرد لفترة طويلة.
الدكتور خرجلي بعد شوية وقال
الحمد لله إنكم لحقتوه. لو كان فضل في المكان ده يومين كمان، كانت حالته هتبقى خطيرة جدًا.
سألته
هو هيبقى كويس؟
قال
محتاج علاج ومتابعة، لكن إن شاء الله هيستقر.
قعدت على الكرسي قدام الأوضة، ولوزة نامت عند رجلي.
بعد حوالي ساعة، الممرضة خرجت وقالت إن مراد فاق وعايز يشوفني.
دخلت لقيته صاحي، ووشه بدأ يرجع له لونه.
أول ما شافني قال
كنت عارف إنك هتيجي.
قعدت جنبه وقلت
إنت لسه فاكرني بعد كل السنين دي؟
ابتسم وقال
فيه حاجات ممكن الواحد ينساها يا فاطمة، لكن فيه وشوش بتفضل محفورة في الذاكرة مهما عدى عليها العمر.
سكت شوية، وبعدها سألته
احكيلي بقى... إنت اختفيت ليه؟ أنا فضلت فترة طويلة مستنية أعرف أخبارك.
بص للسقف، وكأنه بيرجع بذاكرته لسنين بعيدة.
وقال
فاكرة يوم ما اتقابلنا قدام بيت خالتك في دمنهور؟
ابتسمت.
فاكرة طبعًا.
أنا يومها كنت جاي أقولك إني هسافر إسكندرية أشتغل مع واحد قريبي، وكنت ناوي أرجع وأتقدم لك رسمي.
قلت له
بس إنت سافرت واختفيت!
هز راسه بحزن.
أبويا تعب وقتها، واضطريت أرجع البلد. وبعدها حصلت مشاكل كبيرة بيني وبين أخويا الكبير على ورث أرض أبويا. كنت فاكر إني هحل الموضوع بسرعة، لكن الخلافات كبرت، واضطريت أسافر القاهرة وأبدأ من الصفر.
طب ليه ما بعتليش خبر؟
اتنهد وقال
بعت يا فاطمة... والله بعت.
بصيت له باستغراب.
إزاي؟
بعتلك جوابين على عنوان بيت خالتك. كنت كاتب فيهم كل حاجة، وكنت طالب منك تستنيني لحد ما أرجع.
حسيت بوجع قديم رجع تاني.
أنا ما وصلنيش منك أي جواب.
بصلي بحزن.
عرفت بعد سنين إن خالتك كانت رافضة جوازنا، وإنها كانت شايفة إني مش مناسب ليكي عشان ظروفي المادية. غالبًا هي اللي خبت الجوابات.
فضلت ساكتة.
مكنتش عارفة أصدق إيه ولا أزعل من مين.
لكن مراد كمل كلامه وقال
لما رجعت بعد سنتين، عرفت إنك اتجوزتي. سألت عليكي، وقالولي إنك عايشة مبسوطة مع جوزك. ما حبتش أكون سبب في أي وجع ليكي، فبعدت.
قلت له بهدوء
عبدالعزيز كان راجل طيب يا مراد، وعشت معاه عمر جميل. ربنا يرحمه.
ابتسم وقال
ربنا يرحمه، واضح إنه كان راجل أصيل.
سكت لحظة، وبعدها قال
بس أنا محتاج أحكيلك عن حاجة تانية. حاجة هي السبب اللي وصلني للمكان اللي لقيتيني فيه.
السر اللي خبّاه مراد كل السنين دي
مراد بصلي وقال
بعد ما سافرت القاهرة، اشتغلت في شركة مقاولات صغيرة، وبعد سنين قدرت أفتح مكتب مقاولات خاص بيا. اتجوزت وخلفت ولد وبنت، وعشت حياة مستقرة. مراتي ماتت من 12 سنة، وابني سافر السعودية، وبنتي اتجوزت واستقرت في إسكندرية.
قلت له
ربنا يبارك فيهم، طب إيه اللي رجعك لمطروح؟
رد وهو بيحاول يعدل المخدة
من حوالي 3 سنين، ورثت قطعة أرض كبيرة عن خالي. الأرض دي موجودة في منطقة قريبة من هنا، وكان فيها بيت قديم ومخزن صغير، وحواليها شجر كتير. كنت ناوي أبيعها وأقسم الفلوس بين ولادي، لكن اكتشفت إن فيه ناس بتحاول تستولى عليها.
سألته
يعني إيه تستولى عليها؟
قال
فيه راجل اسمه جلال الشناوي، صاحب شركة مقاولات، كان عايز يشتري الأرض بسعر قليل جدًا. ولما رفضت، بدأ يضايقني ويهددني.
اتسمرت مكاني.
جلال الشناوي؟!
مراد بصلي باستغراب.
إنتِ تعرفيه؟
قلت له
ده زبون عندي في المطعم! وده اللي بيحاول يخليني أقفل من سنين!
مراد حاول يقوم من مكانه، لكن الوجع منعه.
إنتِ متأكدة إنه نفس الشخص؟
أيوه، أعرفه كويس. راجل بييجي كل يوم تقريبًا، وبيتعامل مع الناس بتكبر، وكل شوية يهددني إنه هيشتري المبنى اللي فيه المطعم.
مراد سكت شوية، وبعدها قال
يبقى الموضوع أكبر مما كنت فاكر.
قلت له
وضحلي يا مراد، إيه علاقة أرضك بالمطعم بتاعي؟
رد
لما رفضت أبيع الأرض، الراجل ده بدأ يدور على أي طريقة يضغط بيها عليا. وعرف إني عايش لوحدي، وإن ولادي بعيد عني. في الأول عرض عليا مبلغ كبير، ولما رفضت، بدأ يهددني إنه هيخليني أسيب المنطقة كلها.
سألته
وإنت كنت عايش في العشة دي ليه؟ ما عندكش بيت؟
ابتسم بحزن.
كان عندي بيت قديم على الأرض، لكن في ليلة حصل حريق في جزء منه، والمخزن اتدمر. ولما حاولت أبلغ عن اللي حصل، اكتشفت إن فيه حد سبقني وقدم بلاغ إني سبت المكان بإرادتي، وإن مفيش أي تعدي على ممتلكاتي.
قلت بغضب
وإنت سكت على حقك؟!
ما سكتش، لكن كنت محتاج أجيب أوراق تثبت ملكيتي، وبعض الأوراق الأصلية كانت في خزانة صغيرة داخل المخزن. لما الحريق حصل، افتكرت إنها ضاعت.
سألته
ولقيتها؟
هز راسه.
أيوه. قبل ما أخرج من المكان، لقيت صندوق حديد صغير كان واقع تحت ألواح خشب. قدرت أطلعه، وكان جواه الأوراق الأصلية وعقود الأرض وشوية مستندات قديمة.
قلت له
طب ما رحتش القسم ليه؟
رد بتعب
رحت يا فاطمة، لكن كل مرة كنت بحاول أتحرك، كان فيه حد يسبقني ويخوفني. وفي مرة اتعرضت للضرب، واتكسرت رجلي لما وقعت في حفرة جنب البيت. ومن وقتها بقيت عاجز عن الحركة.
بصيت له وأنا مش مصدقة.
يعني إنت قاعد في العشة دي بقالك قد إيه؟
حوالي أسبوعين. كنت فاكر إني هقدر أعيش لحد ما أطلب المساعدة، لكن رجلي زادت سوء، والموبايل اتكسر مني وقت الوقعة.
بصيت للوزة اللي كانت نايمة جنب السرير.
وهي اللي فضلت تجيبلك البسكوت كل يوم؟
ابتسم وقال
أيوه. كانت بتخرج تدور على أي أكل، ولما لقت مطعمك قريب، حفظت الطريق. كانت عارفة إنك مش هتأذيها، وإنك كل يوم هتديها حاجة تاكلها.
قلت له وأنا بمسح دموعي
يا حبيبتي يا لوزة، إنتِ عملتي اللي ما قدرش يعمله ناس كتير.
مراد ابتسم وقال
بس فيه حاجة لسه ما عرفتيهاش.
بصيت له.
إيه تاني؟
مد إيده ناحية درج الكومودينو الصغير، وأشار للممرضة إنها تجيب شنطته اللي كانت وصلت معاه.
فتحت الشنطة وطلعت منها علبة حديد صغيرة، قديمة ومليانة خدوش.
قال
دي كانت معايا في العشة، وخبيتها تحت هدومي قبل ما ينقلوني.
فتح العلبة بصعوبة.
كان جواها أوراق قديمة وصور فوتوغرافية، وخطابات مربوطة بشريط قماش باهت.
مد إيده وطلع صورة صغيرة.
ناولني إياها.
أول ما شوفتها، حسيت إن قلبي وقع مني.
كانت صورتي وأنا بنت عندي 19 سنة!
كنت واقفة قدام بيت خالتي في دمنهور، لابسة فستان أبيض بسيط، وشعري مربوط بشريط أزرق.
الصورة دي كنت فاكرة إنها ضاعت من عمري.
قلّبتها، ولقيت مكتوب وراها بخط مراد
إلى عصفورتي... يمكن الأيام تبعدنا، لكن عمري ما هنسى ضحكتك.
عيني اتمَلَت بالدموع.
قلت له
إنت محتفظ بالصورة دي طول السنين؟
قال
دي كانت أغلى حاجة عندي من أيام شبابي.
وبعدين فتح العلبة تاني وطلع جوابين قدام عيني.
قال
دول الجوابين اللي كنت باعتهم ليكي زمان. رجعوا لي بعد فترة، وعليهم ختم إن العنوان غير مستدل عليه.
مسكت الجواب الأول بإيد بتترعش.
فتحته وبدأت أقرأ.
كان مراد بيحكيلي عن شغله، وعن رجوعه، وعن رغبته إنه يتقدملي رسمي.
أما الجواب التاني، فكان مكتوب فيه إنه عايز يقابلني حتى لو مرة واحدة عشان يعرف إذا كنت لسه مستنياه ولا خلاص قررت أبدأ حياة جديدة.
قعدت أعيط في صمت.
مش عشان كنت ندمانة على جوازي من عبدالعزيز، بالعكس، أنا حبيته وعشت معاه حياة جميلة.
لكن عشان اكتشفت إن فيه جزء من ماضيّ اتسرق مني من غير ما أعرف.
مراد بصلي وقال
متعيطيش يا فاطمة، كل واحد فينا عاش نصيبه، وأنا مش راجع أطالبك بحاجة. أنا بس كنت نفسي تعرفي الحقيقة قبل ما أمشي من الدنيا.
مسحت دموعي وقلت له
إنت مش هتمشي من الدنيا دلوقتي، إنت لسه قدامك عمر، ولسه لازم نعرف مين اللي عمل فيك كده.
في اللحظة دي، دخل الدكتور وطلب مني أخرج شوية عشان مراد يرتاح.
خرجت وقعدت جنب لوزة.
وبعد دقائق، رجب اتصل بيا.
يا ست أم فريدة، إنتِ فين؟ أنا قلقان عليكي!
حكيت له بسرعة اللي حصل، وإن مراد في المستشفى.
رجب سكت لحظة وقال
يا خبر! طب إنتِ كويسة؟
الحمد لله، بس عايزاك تقفل المطعم بدري النهارده وتيجيلي المستشفى.
قال
حاضر، أنا جاي حالًا.
بعد حوالي نص ساعة، وصل رجب ومعاه كيس أكل ولوزة أول ما شافته قامت وراحت ناحيته تشم إيده.
ضحك وقال
إيه يا ست الكلاب؟ إنتِ كمان جيتي معانا؟
ابتسمت وقلت
دي بطلة الحكاية كلها.
لكن فرحتي ما كملتش.
لأني أول ما بصيت ناحية باب المستشفى، شفت جلال الشناوي داخل بخطوات سريعة.
كان لابس بدلة غالية، وماسك موبايله، وأول ما شافني وقف مكانه.
قال ببرود
إيه يا ست فاطمة؟ سمعت إنك لقيتي راجل في الغابة وجبتيه المستشفى.
بصيت له باستغراب.
وإنت عرفت منين؟
ابتسم ابتسامة مستفزة.
البلد كلها عرفت، إنتِ فاكرة إن الحكاية سر؟
قلت له
الحمد لله إن الراجل اتلحق، وكان ممكن يموت من البرد.
قرب مني وخفض صوته
اسمعي يا
 

تم نسخ الرابط