11 يوم

لمحة نيوز


معايا تمن الأكل بس، ولو فيه زيادة سامحيني.
بصيت له وقلت
حسابك مدفوع يا حاج.
استغرب وقال
مين دفعه؟
أشرت للوزة وقلت
صاحبة المطعم.
ضحك الراجل، ومسح على راسها، وقال
ربنا يباركلكم فيها.
في اللحظة دي دخلت طفلة صغيرة مع والدتها، وكانت ماسكة قطعة بسكوت.
قربت من لوزة ومدت إيدها لها.
لوزة أخدت البسكوت بهدوء، وبعدها قامت ومشت ناحية الباب.
الطفلة استغربت وقالت
يا طنط، هي مش بتحب البسكوت؟
ابتسمت وأنا ببص وراها.
قلت لها
لأ يا حبيبتي، هي بتحبه، بس زمان كانت بتاخده عشان حد تاني كان محتاجه أكتر منها.
الطفلة بصتلي ومفهمتش قوي، لكن أمها ابتسمت ومسحت على كتفها.
أما أنا، ففضلت واقفة أتابع لوزة وهي بتمشي في اتجاه الحديقة الصغيرة اللي جنب المطعم.
كان مراد قاعد على كرسيه قدام الباب، وبينادي عليها.
تعالي يا لوزة، كفاية شغل النهارده!
جريت عليه، وحطت راسها على رجله السليمة.
مراد مسح على راسها وقال
فاكرة يا فاطمة؟ دي كانت بتجيبلي بسكوتة واحدة كل يوم، وكنت بقسمها نصين عشان تكفيني.
قلت له
وأنا كنت فاكرة إنها بتسرق البسكوت مني!
ضحكنا سوا.
وبعدين بصلي وقال
تعرفي إيه أغرب حاجة في الحكاية كلها؟
قلت له
إيه؟
قال
إنك كنتِ فاكرة إنك بتساعدي كلبة جعانة، لكن الحقيقة إن الكلبة هي اللي كانت بتحاول تساعدني أوصل ليكي.
سكت لحظة، وبعدها كمل
لو لوزة ما دخلتش مطعمك في اليوم الأول، كنت زماني مت في العشة دي، ومحدش عرف مكاني.
بصيت له وقلت
يمكن ربنا كان كاتب إننا نتقابل تاني، حتى لو بعد 58 سنة.
ابتسم وقال
يمكن.
آخر مفاجأة
بعد حوالي ست شهور، كنت قاعدة في المطعم وقت المغرب، وبراجع الحسابات مع رجب.
دخل شريف ومعاه ظرف كبير.
قال
يا حاجة فاطمة، بابا بعتلك ده.
فتحته، ولقيت جواه جواب مكتوب بخط مراد.
إلى عصفورتي القديمة...
مش عارف أبدأ منين، لكن عايز أقولك إن السنين اللي فاتت علمتني إن الإنسان ممكن يخسر حاجات كتير، لكن عمره ما يخسر أثر الخير اللي بيعمله.
أنا كنت فاكر إن حياتي انتهت لما وقعت في الغابة، وإن محدش هيفتكرني.
لكن لوزة فضلت تحارب عشاني، وإنتِ فتحتيلي باب النجاة من غير ما تعرفي أنا مين.
عايز أطلب منك طلب أخير.
أنا قررت أخصص جزء من الأرض لعمل مأوى صغير للحيوانات المصابة والكلاب الضالة، وعايز أسميه باسم لوزة.
ونفسي تساعديني في إدارته، لأنك أكتر واحدة فهمت إن الرحمة مش محتاجة مقابل.
أما الجوابات القديمة، فخليها عندك، مش عشان تفتكري حب ضاع، لكن عشان تفتكري إن ربنا أحيانًا بيرجع لنا حاجات من الماضي، مش علشان نعيشها تاني، لكن علشان نفهم حكمته فيها.
صديقك القديم... مراد.
خلصت قراءة الجواب، ودموعي نزلت على الورق.
شريف قال
بابا مستني ردك.
ضحكت وسط دموعي وقلت
قوله موافقة، بس عندي شرط برضه.
ضحك وقال
أكيد شرط لوزة!
قلت
بالظبط، لوزة تبقى المديرة، وإحنا كلنا موظفين عندها!
ضحك شريف بصوت عالي.
وفي اليوم التالي، رحنا الأرض، وبدأنا نجهز المكان.
كانت أرض واسعة، فيها أشجار قديمة ومساحة مناسبة لإنشاء مأوى، وخصصنا جزءًا منها لعلاج الحيوانات المصابة، وجزءًا تاني لإيواء الكلاب اللي ملهاش أصحاب.
وبعد فترة، بقى عندنا مكان بيستقبل الحيوانات المصابة من القرى المجاورة.
مراد كان بيشارك بنفسه في كل التفاصيل، وشريف كان بيتابع المصاريف، وأنا كنت بروح كل يوم تقريبًا ومعايا أكل للحيوانات.
أما لوزة، فكانت بتتحرك وسط المكان بفخر، وكأنها عارفة إن كل ده بدأ بسببها.
وفي يوم الافتتاح، وقف مراد قدام الناس وقال
أنا عايز أحكي لكم حكاية، حكاية كلبة ما كانتش بتعرف تتكلم، لكنها علمتنا معنى الوفاء.
وبدأ يحكي عن الأيام اللي قضاها في العشة، وعن البسكوت اللي كانت لوزة بتجيبه له كل صباح.
ولما خلص، الناس كلها صفقت.
أنا كنت واقفة جنبه، ولوزة قاعدة بين رجلينا.
مراد بصلي وقال
فاكرة أول يوم ناديتك فيه عصفورة؟
ضحكت وقلت
فاكرة، وكنت فاكر نفسك شاعر كبير!
ضحك وقال
لسه عندي كلام كتير ما قلتوش.
قلت له
خليه لوقت تاني، إحنا كبرنا على الكلام الكتير.
رد مبتسمًا
لكن مش كبرنا على إننا نعمل خير.
وبص للوزة ومسح على راسها.
في اللحظة دي، قربت منه وحطيت إيدي على كتفه.
قلت له
عارف يا مراد؟ أنا طول عمري كنت فاكرة إن أجمل حاجة في حياتي هي السنين اللي عشتها مع عبدالعزيز، وده لسه حقيقي. لكن النهارده عرفت إن العمر ممكن يخبيلنا مفاجآت جميلة حتى وإحنا فاكرين إن كل الحكايات انتهت.
ابتسم وقال
أهم حاجة إننا ما نقفلش قلبنا قدام الخير.
النهاية
عدت الأيام، والمطعم الجديد بقى من أشهر المطاعم الصغيرة في المنطقة، والمأوى بقى مكان آمن لعشرات الحيوانات.
جلال الشناوي خسر القضية بعد ما ثبتت مخالفاته، وبقى ممنوع من التصرف في الأرض المتنازع عليها لحين انتهاء الإجراءات القانونية، واتحاسب على التجاوزات اللي ثبتت ضده.
أما أنا، فبطلت أخاف من بكرة.
بقيت أصحى كل يوم بدري، أجهز القهوة، وأفتح المطعم.
لكن المرة دي ما بقيتش بحط فنجانين قهوة بالغلط.
بقيت بحط فنجان ليا، وفنجان لمراد لما ييجي يزورنا.
وفي كل صباح، الساعة 640، كنت ببص ناحية الباب وأفتكر أول مرة دخلت فيها لوزة المطعم.
كان فيه ناس بتفتكر إن الكلاب مجرد حيوانات، وإن الوفاء كلمة بنقولها في الحكايات.
لكن أنا شفت بعيني كلبة فضلت 11 يوم تشيل لقمة صغيرة في بقها، وتمشي بيها وسط البرد والمطر، وهي نفسها كانت مصابة وجعانة.
ما طلبتش مقابل، وما استسلمتش، وما سابتش صاحبها يموت لوحده.
وفي يوم، وأنا قاعدة قدام المطعم، شوفت لوزة داخلة ومعاها كلب صغير مصاب.
حطت راسها على رجلي وبصتلي.
ابتسمت وقلت لها
إيه يا لوزة؟ لسه بتجيبيلي ضيوف؟
رجب خرج من المطبخ وقال
شكلها قررت إن المطعم ده بقى مستشفى الحيوانات الرسمي!
ضحكت وقلت
سيبها يا رجب، يمكن ربنا باعتها عشان تنقذ روح تانية.
وبعدين طلعت طبق أكل وحطيته قدام الكلب الصغير.
لوزة فضلت واقفة جنبه لحد ما بدأ ياكل.
في اللحظة دي، افتكرت كلام مراد
أحيانًا اللي بييجي ياخد منك لقمة، بيكون جاي في الحقيقة عشان ينقذ حياتك.
ومن يومها علقت لافتة صغيرة على باب المطعم، مكتوب عليها
هنا مفيش روح جعانة بترجع من غير أكل.. ومفيش مخلوق ضعيف مالوش مكان.
وعرفت إن بعض الحكايات ما بترجعش علشان تعيد الماضي، لكنها بترجع علشان تفتح لنا باب جديد للحياة.
تمت بحمد الله.
بقلمي مشيره محمد

 

تم نسخ الرابط