روايه كسور لا ترى بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
كسور لا ترى بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
ولدت في عائلة بسيطة عائلة كان كل فرد فيها يحب الآخر أكثر مما يحب نفسه
كان لي أخ أكبر مني بخمس سنوات وأخ أصغر مني بست سنوات وأختان إحداهما في الثامنة من عمرها والأخرى في الرابعة
ربانا أبي وأمي على الحب الحقيقي وعلى الإيثار وعلى أن يكون القلب أوسع من الجرح
أمي ولدت يتيمة الأب ولم يكن لها في الدنيا سوى أخ واحد يكبرها بثمانية عشر عاما
وفي السنة الأولى من زواجها بأبي توفيت أمها فكبرت أمي مبكرا وتعلمت الاعتماد على نفسها منذ الصغر
أما أبي فكان أكبر إخوته
له أخت واحدة فقط كانت تزورنا نادرا بسبب طبيعة عمل زوجها وكثرة سفره
وله أخوان أحدهما كان على خلاف دائم معه والآخر كان يعاني من إعاقة عقلية جعلته بعقل طفل صغير رحمه الله وأجزل له الأجر
قضاء الله أنني لم أعرف جدا ولا جدة لا من جهة أمي ولا من جهة أبي
الجميع كانوا قد رحلوا
كنت طفلة محبة للحياة
أحب الضحك
وأحب المقالب
وأحب إخوتي حد الجنون
كنت أدللهم لدرجة أنهم لا ينامون إلا بجانبي
حتى حين أمرض كنت أراهم يبكون حولي وكأنني أعاني مرضا خطيرا
بينما لم يكن الأمر يتجاوز حمى عابرة أو نزلة برد
كنت أحب هدوء أمي
وأحب ابتسامتها
وأحب قلبها الواسع
وأحب أبي
وأحب صوته حين يضحك خصوصا إذا نجح أحد مقالبي في إخوتي
إخوتي كانوا عزوتي
كبيرهم وصغيرهم
كلهم
هذه كانت لمحة سريعة عن حياتي قبل أن تنكسر
بدأت القصة فعليا حين كنت في السادسة عشرة من عمري
كنت أستعد لامتحان مصيري
وكان أهلي يستعدون للخروج إلى مناسبة عند عمتي
قلت لهم إنني لا أستطيع الذهاب حتى ولو لساعة واحدة
كنت مرهقة ومتوترة
وافقت أمي وقالت إن العاملة موجودة في البيت
كانت عاملة من الهند لكنها كانت حنونة بشكل نادر تخاف علينا كخوف الأم على أبنائها
كنت أذاكر ثم غلبني النعاس وغفوت فوق الطاولة
استيقظت فجأة
فوجدت عمتي أمامي
كانت تبكي
شعرت بالخوف فورا
كان الوقت متأخرا
والليل قد دخل
ووجودها بهذا الشكل جعل قلبي يكاد يتوقف
لم أعرف لماذا جاءت
لكن داخلي كان يصرخ
يا رب يكون شيء بسيط يا رب
نظرت إلي بوجه شاحب وقالت
إنت كبيرة فاهمة وعارفة إن الصبر عند الصدمة الأولى
في تلك اللحظة فهمت كل شيء
هناك موت
لكن من
انهرت
لم تعد قدماي تحملانني
جاءت العاملة وألبستني عباءتي
وزوج عمتي كان ينتظرنا في الخارج
لم أستطع الصمود
استدعوا الإسعاف
حين أفقت
عرفت الحقيقة
أهلي جميعا
رحلوا في حادث واحد
لم يبق لي سوى أخي الأكبر
وكان في غيبوبة
كنت أراه من خلف الزجاج في العناية المركزة
أرى الأسلاك والأنابيب تغطي وجهه
وأتشبث بالأمل
بعد أيام قليلة
قال الأطباء
إنه توفي
رحمه الله
في تلك اللحظة
توقفت الدنيا
لم يعد هناك صوت
ولا زمن
ولا معنى
كنت أشعر أن قلبي يدق
لكن في مكان آخر
بعيد عني
لم أستطع البكاء
ولا الكلام
ولا الصراخ
عادوا بي إلى البيت
جلست عمتي معي أسبوعا
ثم اعتذرت وعادت إلى بيتها
لم أرها بعدها
اتصل زوجها لاحقا يعتذر
وكان يعاني من السرطان وقتها فعذرته
وبقيت وحدي
كنت أتنقل في البيت
أصرخ
وأتساءل
ليه سيبتوني ليه
العاملة كانت تبكي معي
وتقول لي
لازم تكوني قوية عشانهم
كنت أرد عليها
عشان مين أنا ما عاد لي حد
في اليوم التالي جاءت أعز صديقة لي صديقة الطفولة
جاءت مع أمها وأبيها
كانوا جيراننا وأقرب الناس إلينا
قال أبوها بحزم
ما ينفعش تفضلي لوحدك
طلب رقم عمي
لكنني لم أكن أعرفه
اتصلوا بزوج عمتي
ثم بعمي نفسه
فكان رده قاسيا
قال إنه لا يعترف بأخ بهذا الاسم
ولا بابنته
لم أتأثر
كان غريبا عني منذ البداية
قرر جارنا أن أنتقل للعيش مع أسرة صديقتي
حتى أكبر وأستطيع الاعتماد على نفسي
انتقلت إليهم
كانوا أكثر من أهل
ثماني بنات
وأخ واحد
خصص الأب الدور الثاني بالكامل للبنات
وكانوا يعاملونني كابنتهم تماما
يغارون علي
ويخافون علي
ويحمونني
كنت في حزن عميق
لكنني كنت أخجل أن أثقل عليهم بحزني
كنت صامتة أغلب الوقت
هادئة بشكل غير طبيعي
حين جاءت اختبارات الدور الثاني
انشغلت بالدراسة
كنت على وشك إعادة السنة
لكن مديرة المدرسة رفعت طلبا خاصا بعد تقديم شهادات الوفاة
وتمت الموافقة على أن أؤدي امتحانات ملحقة
كنت أذهب أحيانا إلى بيتنا القديم
أنظفه
أبخره
وأجلس فيه لساعتين فقط
أستعيد الذكريات
حتى العاملة دخلت في اكتئاب شديد
وطلبت العودة إلى بلدها
فوافقت
كسور لا ترى بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
كان لي راتب أبي رحمه الله
وجارنا كان أمينا
يأخذ لي ما يكفيني
ويضع الباقي في حساب أمانات
مرت الأيام
أنهيت الثانوية
لم يعد لدي طموح كبير
كنت أعيش على الامتنان فقط
بعد التخرج
نادتني أمي الثانية وقالت
تعالي أبوك عايزك
نزلت
وجدت زوجها بعينين دامعتين
قال لي بهدوء
إنت غالية علي زي بناتي
ثم أخبرني أن صديق ابنه يريد التقدم لي
وطلب مني التفكير والاستخارة
لم أشعر بشيء
وافقت
كنت أبحث فقط عن عائلة
عن أمان
تزوجت في الثامنة عشرة
اسمه أحمد
كان كريما حنونا
يقول لي
أنا مش عايز أشوف دمعة منك
لكن
كانت أمه تسيطر على العائلة كلها
ومنذ اللحظة الأولى
لم تحبني
حين اقتربت لأسلم عليها رفعت يدها فجأة وقالت ببرود قاس
إوعي إوعي تلمسيني ناقص بس بنت شوارع تيجي تلمسني
شعرت أن أنفاسي انقطعت
غصصت حرفيا
نظرت إلى زوجي انتظرت كلمة إشارة اعتراضا صغيرا
لكنه صمت
كان الجميع جالسين
أخواته الاثنتان وإخوته الاثنان مع زوجاتهم
أبوه كان متوفيا
لحظة صمت ثقيلة سقطت على المكان
ولا أحد تكلم
صعدنا إلى الغرفة
وبعد دقائق سمعتها تنادي زوجي
انزل اتعشى معانا لوحدك إحنا متعودين ناكل أهل بس ما بنحبش حد غريب يقعد وسطنا
كلماتها كانت تكسرني ببطء
كأنها تقطع روحي قطعة قطعة
دخلت غرفتي
وانهرت
شعرت أن الدنيا اسودت في عيني
جاء زوجي ليحتضنني
فابتعدت
لم أكن أحتمل اللمس
قلت له بصوت مخنوق
سيبني أنا هنام
اتصل بأهله وقال إننا متعبانان ولن نتعشى
حاولنا النوم
لكن النوم لم يأت
منذ ذلك اليوم
وضعتني أمه في رأسها
كانت تتعمد إهانتي في كل مرة أدخل أو أخرج
ترفض أن أجلس معهم على المائدة
تغضب لأن زوجي يأكل معي في الغرفة
تقول له بسخرية
غيرتك عليها بزيادة غيرتك على بنت الشوارع دي
كانت تحاول دائما أن تزوجه ابنة أختها
أحيانا تجلبها إلى الصالة
وتجلس معها وتتجاهلني
وتبدأ في استرجاع ذكريات قديمة
فاكرة لما كنتوا صغيرين فاكرة لما كنا
كانت تستمتع بإذلالي
مرت الشهور
وأنا أتحمل
حتى حملت
حين علمت بحملي
انفجرت
بدأت تسبني
وتصرخ
أهو