حصرى السر القديم مشيره محمد
كانت موافقة تاخد شغلانة إنها تحمي ملياردير مشلول، مش عشان هي غاوية بهدلة، لا.. دي كانت بتموت من جواها عشان عيالها ميتين من الجوع، وابنها الصغير نايم بيترعش من الحمى تحت سقف بيخر مية في كل شتْوة. كانت بتقول لنفسها دا مجرد شغل.. مجرد قرشين عشان العيال تعيش.. مجرد ذل يومين وهيعدي.
بس أول ما بدأت تفك زراير قميصه، وشافت العلامة اللي على صدره، ولمحت السلسلة اللي تحت ياقته.. ركبها خبطت في بعضها ووقعت على الأرض وهي بتترعش.. لأن الراجل اللي قاعد قدامها دا هو السر الوحيد اللي قضت 20 سنة من عمرها بتحاول تدفنه بالحيا.
الحكاية من الأول...
بالوما مكانش قصدها تدخل في الحوارات دي، هي كانت محتاجة فلوس وبس.
ابنها براندون كان جسمه مولع نار على مرتبة قديمة وريحتها وحشة، وبنتها إلينا قاعدة على الأرض بتسرح شعر عروسة مكسورة مالهاش راس. الشقة كانت ريحتها كمكمة وشوربة بايظة وطعم الهزيمة.
الثلاجة فاضية.
لا في دكتور، ولا في دواء.
ولا في بني آدم هييجي ينقذهم.
بالوما كانت باعت كل حاجة غالية عندها.. حلق جدتها، والساعة اللي كانت حالفة إنها مش هتفرط فيها أبداً، وحتى الجزمة البراند اللي كانت بتشيلها للمناسبات المهمة أو المقابلات.. كله راح عشان لقمة العيش، وبرضه لقمة العيش كانت بتطلب أكتر.
نزلت الصبح وهي ماشية في الشارع زي اللي
وهي ماشية قدام كافيه شيك، سمعت اتنين ستات بيتكلموا.. واحدة منهم كانت بتشتكي إنها محتاجة ممرضة أو جليسة ضروري، والمرتب خيالي.
بالوما مسمعتش أي حاجة تانية غير جملة مرتب خيالي.
مسمعتش إن الراجل دا مستحيل حد يطيقه.
ولا إن كل اللي اشتغلوا قبله طفشوا.
ولا حتى إنه ملياردير عنده 40 سنة اتشل بعد حادثة.
كل اللي كان في دماغها المرتب.
دخلت بثقة مهزوزة وطلبت الشغلانة. الستات بصوا لها من فوق لتحت.. شافوا ست غلبانة، بلوزتها قديمة، وجزمتها مقطوعة، وعينيها فيها جوع الدنيا.
سألوها عندك خبرة؟
قالت لا.
طب اشتغلتي مع حالات شلل قبل كدة؟
قالت لا.
طب ليه نشغلك إنتي بالذات؟
بالوما كان ممكن تقولهم عشان ابني بيموت وبنتي جعانة، بس قالت جملة واحدة خلتهم يسكتوا
عشان أنا مش همشي.. مش هستسلم.
أخدت العنوان، وراحت القصر. وقفت قدام بوابة حديد أكبر من العمارة اللي ساكنة فيها كلها. قصر من المرمر الأبيض، وشجر متساوي بالمسطرة، ونافورات.. مكان الناس اللي فيه ميعرفوش يعني إيه عيش بكام.
رئيسة الخدم طلعتها أوضة نوم واسعة وحذرتها
إياكي تصعبي عليه.. هو بيكره الشفقة.
ودخلت بالوما وشافت مستر زاراتي.
مكانش زي ما اتخيلت.. مكانش
كان قاعد على كرسي بكهرباء، بس وشه حاد، وشعره أسود، وهدومه غالية جداً.. وفي عينيه نظرة هدوء تخوف.
بص لها وقال ببرود أهلاً.. لقوا واحدة تانية تيجوا يجربوا فيها.
أول ساعة كانت جحيم.. كان بيعدل لها كل حركة، وبيرفض مساعدتها، وبيكلمها كأنها حشرة. بس هي استحملت.. عشان خاطر عيالها، وعشان الستات اللي زيها مبيقدروش يمشوا لمجرد إن الراجل قليل الأدب.
لما جه وقت الحِمى، المساعدين جهزوا كل حاجة وسابوها معاه في حمام واسع كله رخام وفوط بيضاء زي التلج.
زاراتي بص لها وقال بمنتهى الجمود
يلا.. مش إنتي اللي كنتي عاوزة الشغل؟ ورينا.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفك أول زرار.. وبعدين التاني.. وبعدين التالت.
بتقول لنفسها دا شغل.. دا مجرد جسم.. بكرة يخلص.
بس فجأة.. شافت الوحمة.
تحت عظمة الترقوة بشوية.. وحمة صغيرة غامقة على شكل هلال.
إيديها وقفت مكانها.. وجسمها سقع كأنها في وسط التلج.
هي عارفة العلامة دي كويس.. وشافت السلسلة اللي تحت القميص.. السلسلة اللي مستحيل تغلط فيها.
الدنيا لفت بيها، وافتكرت ليلة من 20 سنة.. عاصفة، ووعد، وراجل اختفى، وسر دفنته جوه قلبها السنين دي كلها.
وقعت على ركبها وهي بتنهج، وصوت زاراتي اتغير لأول مرة وسألها بقلق
في إيه؟ جرا لك إيه؟
بالوما معرفتش ترد.. لأن الملياردير اللي المفروض تحميه
بالوما كانت واقعة على ركبها، جسمها كله بيتنفض وصوت سنانها وهي بتخبط في بعضها كان مسموع في الحمام الواسع اللي مفيهوش غير صوت بخار المية. مستر زاراتي وطي براسه شوية، ملامحه الحادة اللي كانت مليانة قسوة وسخرية اتحولت لشك وحيرة.
بصوت واطي زي فحيح الأفعى سألها
انتي مالك؟ جرالك إيه؟ وقعتي كدة ليه كأنك شوفتي عفريت؟
بالوما كانت عاجزة تطلع كلمة واحدة.. عينيها كانت متثبتة على السلسلة اللي مدلدلة من رقبته.. السلسلة دي هي هي، بنفس الخدش الصغير اللي في القفل بتاعها.. السلسلة اللي المفروض كانت مدفونة مع ذكريات ليلة سودة من عشرين سنة.
حاولت تسند نفسها على طرف الكرسي المتحرك وهي بتقوم بصعوبة، وشها كان لونه أصفر زي الليمونة.
قالت بصوت مهزوز وهي بتحاول تداري خضتها
أنا.. أنا أسفة يا فندم.. السكر وطي عندي بس فجأة، مأكلتش حاجة من الصبح.
زاراتي ضيق عينيه وبصلها بنظرة فاحصة، كأنه بيقرأ اللي ورا ملامحها
السكر وطي؟ ولا السلسلة هي اللي خضتك؟ شفتك بتبصي عليها وكأنك تعرفيها.
بالوما قلبها كان هيقف، لفت وشها بسرعة وبدأت تجهز الفوط وهي بتقول بجمود مصطنع
أبداً.. بس افتكرت حاجة قديمة تخص والدي الله يرحمه.. خلينا في الشغل يا فندم، تحب نبدأ؟
خلصت الشغل وهي زي الآلة، إيديها بتلمس جسمه وهي