بقالي تسع سنين أهلي مقاطعني. مشيره محمد
بقالي تسع سنين أهلي مقاطعني. اختفوا تماماً من حياتي، وفجأة ظهروا تاني عشان يطالبوني أتنازل عن ورث ستّي الحاجة فاطمة. ولما قلت لأ، أبويا الحاج رأفت هجم عليا بماسورة حديد وسابني غرقانة في دمي وإصابات عيني وعافيتي مشروخة، وهو ما يعرفش إني بقيت سيادة العقيد في القوات البحرية. ولما البوليس وصل، لقوا نفسهم في مصيبة، وبدأوا يترجوني عشان أنقذهم...الباقى فى اول تعليق لو قريته صلى على الحبيب ولو لا اكتب اكمل.
تسع سنين، وأبويا وأمي عايشين في نفس المحافظة، قريبين كفاية إنهم يعرفوا طريقي، وبعاد كفاية عشان يمثلوا إني ميتة.
مكناش من العائلات اللي لما بتتخانق بتعمل فضايح وصوت عالي. الخناق عندنا كان ألعن.. كان سكوت. سكوت مصري أصيل يوجع القلب. سنين طويلة من أعياد ومواسم بتعدي من غير كلمة، رسايل على الواتساب مبيتردش عليها، وسكوت رهيب ممدود بين المحافظات والمواقف والأيام اللي بتجري ومبتستناش حد. السكوت ده مع الوقت اتحول لقطعة موبيليا في البيت، حاجة بتتعود عليها وخلاص.
أنا مشيت من البيت ومعايا شنطة قماش واحدة، ووش خشب، وجوايا غل مش باين عليه إنه غل. كان باين في صورة التزام.. إنك تحط رأسك في الأرض وتشتغل. ركبت عربيتي وطلعت من منطقتنا الهادية اللي بيوتها شبه بعض، عديت من قدام محل السباكة
أبويا كان عاوزني أنزل معاه المحل وأمسك الشغل. وأمي كانت عاوزة الكل يطاطي ويقول تمام لمجرد إن المركب تسير، حتى لو المركب غرقانة كدب. وأختي منى كانت دايماً البنت الدلوعة اللي الكل بيجري يحميها، ويبرر لها بلاويها، ويلحقها. وأنا؟ كان مطلوب مني أتشكل زي ما العيلة عاوزة الأسبوع ده.
بس أنا منفذتش.
اخترت البعد. اخترت الميري.. الميري بنظامه، بصحيانه بدري، بالبيادة اللامعة، بالطوابير، والصباح اللي بتتعلم فيه تشيل نفسك قبل الشمس ما تطلع. مع الوقت، العسكرية ديتني اللي بيتنا معرفش يديهولي مساحة. مساحة أفكر، مساحة ألم جروحي، ومساحة أتحول لبني آدم مبيترعش كل ما يلاقي الحب مشروط بطلب.
الإنسانة الوحيدة اللي معاقبتنيش إني مشيت كانت ستّي.. الحاجة فاطمة.
كانت الوحيدة اللي بتبعت لي جوابات ورسايل لما الكل نسيني. خطها كان بيتهز كل سنة عن اللي قبلها، بس عمرها ما كانت مهزوزة في مشاعرها. كانت تحكي لي عن زرع الياسمين اللي على السور، وعن الجيران في الحتة، وعن الستات بتوع الجمعية الشرعية وصواني الكيكة، وكلام الناس على المصاطب في العصرية. تفاصيل صغيرة.. بس كانت بتخلي كلمة
ولما ماتت، رجعت الحتة.. مكانش فيه حاجة اتغيرت من بعيد.
نفس البوسطة، نفس السوبر ماركت، نفس القهوة اللي على الناصية، وحتى المستوصف القديم اللي بأسانسيره البطيء اللي بيرن قبل ما الباب يفتح. نفس الأرصفة المكسرة اللي عليها ورق شجر دبلان. بس الحزن بيغير الإضاءة؛ الأماكن اللي كنت حافظاها صم بقت فجأة شبه مسرح الجريمة.
مكتب المحامي كان لسه ريحته جاز ومكاتب قديمة. برا كان المطر بينقط على الشباك، وجوا كان ظرف وصية ستي مستنيني على المكتب. وفي كام سطر، الست دي عملت اللي عيلتي كلها معرفتش تعمله في سنين.
اختارتني.. وبوضوح روايات_مشيره_محمد
مش بمنظرة ولا بورث ملايين يطير العقل. سابت لي بيتها القديم، وقرشين متشالين في البنك، وحاجة أهم أمان. البيت اللي في شارع المدارس.. بالبلكونة الواسعة، بالجنينة الصغيرة. المكان اللي شالت لي فيه كل النسخ القديمة مني عشان تحميني، لحد ما أكبر وأبقى الست اللي أنا عليها دلوقتي.
نقلت هناك في سكات.
صلحت مرجحة البلكونة، علقت ستاير جديدة، ونضفت الدولاب اللي كان لسه فيه أطباق بلاستيك من أخر لمة لستّي مع جاراتها. كنت بشتغل من البيت في الأيام اللي مفيش فيها نبطشية، شنطتي وكارنيهي جنبي على التربيزة،
لأول مرة من سنين، حسيت إن السلام مش وهم.. ده حقيقة وملموس.
لحد ما أهلي ظهروا.
من غير سلام، من غير ما يقولوا حمد الله على السلامة أو إحنا آسفين.. داخلين بطلب علطول.
قالوا لي إن أختي منى في مصيبة.. ديون، شيكات، وقرارات غلط فوق قرارات ألعن. وحامل كمان، وضغوطات ومصاريف مابتخلصش. أمي كانت بتتكلم وكأن القلق والدموع دي عملة المفروض أشتري بيها رضاها. وأبويا كان واقف في الصالة بنفس الوش الخشب القديم، وكأن الزمان وقف بيه ورجعنا لخناقة من تسع سنين فاتوا.
كانوا عاوزين البيت يتباع.
ده كان السبب الحقيقي للزيارة. مش صلح، ولا حزن على ستي، ولا ندم على اللي فات. اهتمام مفاجئ بكلمة عيلة بس لما العيلة بقى شكلها عقار يسوى ملايين.
قلت لأ.
مش بزعاق.. وده اللي جننه.
مرفعتش صوتي، مغلطتش في حد، محاولتش أفتح دفاتر قديمة وأفرشها في الصالة وسطنا. قلت لأ بهدوء غريب.. هدوء حد اتعلم في الجيش إزاي يقف ثابت في وسط العاصفة. ستي أخدت قرارها، والبيت ده بتاعي، ومش هيكون صندوق طوارئ لناس مابيتذكرونيش إلا
أبويا