​بقالي تسع سنين أهلي مقاطعني. مشيره محمد

لمحة نيوز

أخد ال لأ دي كأنها قلم على وشه وإهانة لكرامته.
ومن بعدها.. الجو اتقلب.
بدأت برسايل بالليل من أرقام غريبة، كلام سم بيتقال في الحتة من ورا ضهري قبل ما يوصلي. بعدين الموضوع قلب لغلاسة.. صندوق البوسطة اتكسر، كانزات سجاير ومخلفات بره البلكونة، وطوبة اترميت في الجنينة. وعربية أبويا الربع نقل بقت تظهر تاني في الشارع.. تقف بعيد شوية عشان ينكر لو اتكلمت، بس قريبة كفاية عشان أشوفها. الجيران بدوا يقولوا لي إنهم بيشوفوا كشافات عربية بتنور بالليل متأخر، وبياعة الخضار وطت صوتها وقالت لي إن أهلي بيقولوا عليا كلام يوجع.. مش في وشي، بس كلام يلطخ اسمي وسط الناس.
كنت بحط رأسي في الأرض وأسكت.
أنزل شغلي، أصلح اللي يتكسر في البيت، أجري الصبح، أرد على إيميلاتي، وأسقي الياسمين.. وسايبة الناس تاكل في بعضها لحد ما تزهق.
بس السلام ده بيبقى هش قوي لما يكون فيه حد قرر إنه من حقه يكسرهولك.
آخر كام يوم قبل المصيبة، الدنيا كانت هادية زيادة عن اللزوم. الهدوء اللي يخوف، اللي تحس فيه إن العاصفة جاية. حتى البيت كان حاسس.. كل خشبة في الأرض، كل سكتة بالليل. كنت أقعد في البلكونة وأسمع صوت تعليقة المفاتيح والنحاس اللي ستي كانت معلقاها وهي بتهتز في الهوا، وأقول لنفسي فيه أهالي بيفهموا الطاعة
على إنها استسلام، والكسرة على إنها طيبة.
أبويا عمره ما سامحني إني مشيت.
ودلوقتي، مش قادر يسامحني إني رجعت.. بس رجعت ست قوية ميعرفش يكسر عينيها ولا يتحكم فيها.
ده كان لب الموضوع.. تحت الفلوس، وتحت مشاكل أختي، وتحت كل شعارات الأصول والعيلة. الموضوع مكانش البيت.. البيت كان مجرد الباب اللي خرج منه الغل والرفض القديم.
الليلة اللي انفجر فيها كل حاجة بدأت زي أي ليلة صيف مصرية حر. النور كان لسه ماراحش تماماً، بواب العمارة اللي جنبنا كان بيغسل العربية، والتلفزيونات صوتها طالع من الشبابيك. فاكرة إني قلت لنفسي في ثانية الدنيا هادية وجميلة إزاي.
وفجأة.. الخبط اشتغل على الباب.
مش خبط حد مستأذن.. ده خبط حد داخل يهد المكان ويقتحم.
اللي حصل بعد كده مشي بسرعة الصاروخ، بس مش زي الأفلام. كان أصغر، وأبشع، وأقرب للوشوش. من النوع اللي بيبهدل الدنيا قبل ما عقلك يستوعب الصدمة. أمي كانت واقفة، وأبويا كان خلاص عامي عينيه الغضب ومبقاش سامع أي صوت للعقل. سنين من الغل، والشعور بالخزي، والعناد، والخيبة انفجرت كلها مرة واحدة في صالة بيتي. وبدأت إيديه تتمد، وسحب ماسورة حديد كان مخبيها وراه.. ونزل عليا ضرب غل وعمى كأني عدو لي في حرب، مش بنته.
وفي وسط الدم والضرب ده كله.. الحقيقة
اللي هو غمى عينيه عنها لتسع سنين دخلت الشقة مع صوت السرينة.
على ما سرينات البوليس والنجدة كانت بتنور أحمر وأزرق ومالية شارع المدارس، كان الجيران كلهم واقفين في البلكونات بيتفرجوا ويعملوا نفسهم مش واخدين بالهم. صوت أمين الشرطة كان عالي، والجيران بتهتف، وأمي بتعيط وتلطم، وأبويا ملامحه مكنتش غضب.. كان مذهول، كأن الأرض اتهزت تحت رجليه ومش عارف يقف فين.
لأن البنت اللي كان فاكر إنه هيخوفها ويكسر عضمها.. مكانتش هي الست اللي الضباط الكبار داخلين يجروا عليها ويدوها التحية العسكرية.
ولما الضباط ورجال المباحث عرفوا وعاينوا الكارنيه، وفهموا هما واقفين في بيت مين وشخصية مين اللي انضربت.. نبرة الليلة دي كلها اتقلبت 180 درجة.
دي كانت اللحظة اللي أهلي بطلوا يتكلموا معايا فيها كأني حتة خردة ملقية، وبدأوا يتكلموا ويتوسلوا كأني طوق النجاة الوحيد والفرصة الأخيرة ليهم عشان ميروحوش ورا الشمس.
أنا هقول حاجة واحدة بس فيه نوع من المعرفة والندم بييجي متأخر قوي فمايصلحش الشرخ اللي حصل، بس بييجي في وقت مناسب كفاية عشان يغير كل اللي جاي بعد كده.
واللي حصل بعد ما أبواب بوكس البوليس اتقفلت.. هو ده الحتة اللي القصة فيها بتبدأ بجد.
روايات_مشيره_محمد
لما أبواب بوكس البوليس اتقفلت
على أبويا الحاج رأفت، صوت اللطم بتاع أمي مكانش مالي الشارع، كان مالي ودني أنا وأنا بمسح الدم من على وشي. الضابط المسؤول في المحضر مكانش مصدق عينه وهو بيبص لكارنيه القوات البحرية بتاعي، ويبص لمنظري، ويبص للحاج رأفت اللي كان قاعد في ركن نقطة الشرطة وعينيه في الأرض، مش قادر يستوعب إن البنت الهربانة بقت سيادة العقيد.
المعاملة في القسم اتقلبت تماماً. رئيس المباحث دخل بنفسه، طلب لي كوباية شاي، وجاب لي الإسعافات لحد عندي. أمي كانت واقفة برا على باب المكتب بتهز قفل الباب وبتبكي
يا بنتي ارحمي أبوكي.. هيروح ورا الشمس! أختك منى هضيع لو البيت متباعش وأبوكي اتمسك!
في اللحظة دي، حسيت إن الوجع بتاع زمان مابقاش يوجع، بقى يثير الشفقة. أبويا اللي كان صوته بيهز البيت، قاعد قدام الضابط مكسور، والضابط بيقوله بلهجة ناشفة أنت عارف أنت ضربت مين؟ أنت مش بس ضربت بنتك، أنت اعتديت على قائد في القوات المسلحة، ودي قضية عسكرية وجناية مش هتشوف فيها الشمس.
أبويا بصلي ولأول مرة في حياتي أشوف في عينيه الرجاء. مكانش فيه غل، كان فيه خوف.. الخوف من السيادة اللي اتقلبت ضد مصلحته. أمي دخلت المكتب على ركبها، وبدأت تبوس إيدي قدام العساكر عشان خاطر ستي فاطمة.. ستي فاطمة مكانتش ترضى بخراب البيوت
يا بنتي.
فتحت شنطتي،
تم نسخ الرابط