المطعم

لمحة نيوز

أول ما سمعت إن آدم المنشاوي عايز يشوفني، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت للمدير وقلتله وأنا بحاول أخفي خوفي
هو أنا عملت إيه لكلب الراجل ده؟ ده أنا حتى ما سرقتلوش عظمة!
المدير ما ضحكش، بالعكس قرب مني وقال بجدية
ملك، أنا عايزك تسمعيني كويس. الأستاذ آدم مش من الناس اللي ينفع نرفض طلبهم، وأنا مش عايز أخسر المطعم ولا إنتِ تتأذي.
يعني إيه؟ هو أنا هروح مع ناس معرفهاش بالعافية؟
محدش قال بالعافية، بس الراجل مستنيكي.
بصيت ناحية الباب، لقيت واحد من الرجالة اللي نزلوا من العربية داخل المطعم.
كان طويل، جسمه رياضي، ووشه مافيهوش أي تعبير.
قرب مني وقال بأدب غريب
صباح الخير يا آنسة ملك. الأستاذ آدم مستني حضرتك في العربية.
قلتله
وأنا مش فاهمة هو عايزني ليه.
رد بهدوء
هتفهمي لما تقابليه.
طب والكلب؟ هو كويس؟
لأول مرة الراجل ابتسم ابتسامة بسيطة وقال
هو اللي طلب يشوفك قبل الأستاذ آدم نفسه.
فتحت عيني باستغراب.
هو الكلب بقى بيطلب دلوقتي؟
قال
من ساعة ما حضرتك مشيتي امبارح، وهو رافض يسمع كلام أي حد.
اضطريت أروح أجيب شنطتي، وقبل ما أخرج، المدير مسك إيدي وقال
خلي بالك من نفسك يا ملك.
بصيتله وقلت
ادعيلي أرجعلكم سليمة.
ركبت العربية السودا، ولقيت نفسي وسط اتنين من الحراس، وكل واحد فيهم ساكت كأنه تمثال.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلنا لفيلا ضخمة في منطقة هادية بالتجمع الخامس.
البوابة اتفتحت بمجرد ما العربية قربت، ودخلنا طريق طويل على جانبيه أشجار ونخيل.
نزلت وأنا ببص حواليا بانبهار.
هو ده بيت ولا فندق؟
الراجل اللي كان جنبي رد
بيت الأستاذ آدم.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، سمعت صوت نباح عالي.
لفيت بسرعة، ولقيت أورايون بيجري ناحيتي بكل قوته.
صرخت من الفرحة
أورايون!
جري لحد ما وصل عندي، ورفع رجليه الأماميتين على كتافي، وفضل يلحس وشي وبيخبط بديله في كل حاجة حواليه.
ضحكت وأنا بحاول أبعده عني.
بالراحة يا مجنون! إنت هتوقعني!
لكن اللي شد انتباهي إن كل الرجالة اللي في المكان كانوا واقفين بيتفرجوا علينا بذهول.
واحد منهم قال للتاني بصوت واطي
أنا مش مصدق اللي بشوفه.
رد عليه التاني
إحنا بقالنا أربع سنين بنحاول نخليه يتقبل حد غير الأستاذ، والبنت دي عملت كده في يوم واحد!
وفجأة سمعت صوت آدم من ورايا
واضح إنك وحشتيه.
لفيت ناحيته.
كان لابس قميص أسود وبنطلون غامق، وشعره متسرح للخلف.
قلتله وأنا بمسح إيدي في هدومي
صباح الخير يا أستاذ آدم.
بص للكلب وقال
صباح الخير؟ هو أنا كمان بقيت لازم أستأذن عشان أشوفك؟
أورايون بصله لحظة، وبعدها رجع حط راسه على رجلي!
ضحكت غصب عني.
آدم رفع حاجبه وقال
واضح إنه اختارك خلاص.
قلتله
طب هو ليه كل الناس بتخاف منه بالشكل ده؟
لأنه مش بيحب الغرباء، وبيتعامل مع أي حد يقرب مني باعتباره خطر محتمل.
يعني أنا كده بقيت من أهل البيت؟
بصلي شوية وقال
دي المشكلة اللي جايبك عشانها.
اختفت ابتسامتي.
مشكلة إيه؟
أشارلي ناحية الصالون.
اتفضلي، محتاج أتكلم معاكي.
دخلت الصالون، وكان واسع جدًا، وأثاثه غالي بشكل عمري ما شفته غير في الصور.
قعد آدم على الكنبة المقابلة، وطلب من الخادمة تجيبلي عصير.
قلتله
أنا مش هطول عليك، عندي شغل.
أنا عارف.
عارف إيه؟
فتح ملف كان قدامه، وطلع منه صورة قديمة.
حطها على الترابيزة ولفها ناحيتي.
أول ما شفت الصورة، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
كانت صورة أمي.
أمي اللي ماتت من سبع سنين.
مديت إيدي للصورة وقلت بصوت مرتعش
إنت جبت الصورة دي منين؟
رد بهدوء
دي مش مجرد صورة. دي صورة والدتك مع والدي.
بصيت للصورة كويس.
أمي كانت واقفة جنب راجل كبير في السن، وعلى وشها ابتسامة واسعة.
مين الراجل ده؟
محمود المنشاوي... والدي.
رجعت بصيتله بصدمة.
يعني إيه أمي كانت تعرف أبوك؟
سكت لحظة، وبعدها قال
والدتك كانت بتشتغل ممرضة في مستشفى خاص من حوالي سبعة وعشرين سنة. والدي وقتها كان بيتعالج هناك بعد حادثة عربية.
وبعدين؟
والدتي كانت متوفية، وأنا كنت لسه طفل. والدك كان مسافر بره مصر، ووالدتيك كانت مسؤولة عن رعايتك لوحدها. والدي اتعلق بيها لأنها كانت بتساعده في فترة صعبة من حياته.
قلت بسرعة
طب وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
فتح الملف وطلع شهادة ميلاد قديمة، وورقة تانية عليها ختم مستشفى.
قال
والدتك كانت متبرعة بدمها لوالدي في يوم الحادثة، وبعدها فضلت تتابع حالته. لكن فيه حاجة أهم من كده.
قربت منه بقلق.
إيه؟
والدي كان عنده كلب اسمه أورايون.
اتجمدت مكاني.
بصيت ناحية الكلب اللي كان نايم جنب رجلي.
آدم كمل
أورايون اللي عندنا دلوقتي مش أول كلب يحمل الاسم ده. والدي كان عنده كلب من نفس السلالة، وكان متعلق بيه جدًا. قبل وفاته، أوصاني أحافظ على السلالة دي وأهتم بيها.
قلت باستغراب
يعني إيه؟ أنا مش فاهمة.
والدتك كانت بتحب الكلب القديم، وكانت بتاخده معاها أحيانًا وهي بتزور والدي. والدي كان بيحكيلي إنها كانت الشخص الوحيد اللي الكلب ده بيسمحله يقرب منه غيره.
بصيت للصورة تاني.
بس أنا عمري ما سمعت أمي تتكلم عنكم.
آدم سكت، وبعدها قال
لأن والدتك ماتت وهي شايلة سر كبير.
قلبي بدأ يدق بعنف.
سر إيه؟
طلع ظرف قديم من الملف، وكان مكتوب عليه اسم أمي بخط إيدها.
قال
الظرف ده اتلاقى وسط أوراق والدي بعد وفاته. مكتوب عليه إنه يتسلم لملك عبدالسلام لو في يوم قابلناها.
مديت إيدي وخدته.
كانت إيدي بتترعش وأنا بفتح الظرف.
جواه ورقة صغيرة، مكتوبة بخط أمي.
بدأت أقرأ بصوت منخفض
يا بنتي ملك...
لو الورقة دي وصلتلك، يبقى فيه حاجات كتير أنا ما قدرتش أحكيهالك.
إنتِ طول عمرك فاكرة إن والدك مات قبل ما تشوفيه، لكن الحقيقة إنه سابنا وإنتِ عندك سنتين، وبعدها سافرت وما رجعش.
أنا عمري ما حبيتك أقل من أي أم بتحب بنتها، وكنت بحاول أحميكي من حاجات أكبر من سنك.
في يوم من الأيام، قابلت راجل اسمه محمود المنشاوي، وكان صاحب فضل عليا في موقف صعب.
لو قابلتي ابنه، اسمعيه، لكن ما تثقيش في أي حد بسهولة.
وفي حاجة لازم تعرفيها...
إنتِ مش لوحدك في الدنيا زي ما كنتِ فاكرة.
أمك اللي بتحبك.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني لآدم.
يعني إيه مش لوحدي؟
قال بهدوء
والدتك كانت بتتكلم عن عيلتك القديمة.
عيلتي القديمة؟
فيه مستندات بتشير إن ليكي خالة عايشة، وإن فيه أملاك قديمة كانت مسجلة باسم جدك، لكن بعد وفاته حصلت مشاكل في الورث.
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.
أنا مش عايزة ورث ولا أملاك. أنا عايزة أفهم ليه أمي ماتت وهي مخبية عني كل ده.
آدم بصلي فترة، وبعدها قال
وأنا عايز أساعدك توصلي للحقيقة.
سألته بحذر
وليه تساعدني؟
بص ناحية أورايون.
لأن والدي كان بيعتبر والدتك فرد من عيلته، ولأنه قبل ما يموت طلب مني أدور على بنتها لو قدرت.
سكت شوية، وبعدين أضاف
ولأن أورايون اختارك.
ضحكت رغم توتري.
هو أنا هفضل طول عمري أسمع إن الكلب اختارني؟
لأول مرة ضحك آدم بصوت مسموع.
وقال
غالبًا آه.
بعد ما خلصنا كلام، طلب آدم من السواق يرجعني البيت.
لكن قبل ما أخرج، لقيت أورايون واقف قدام الباب ومش راضي يتحرك.
نزلت لمستواه وقلت
يا حبيبي أنا لازم أمشي، عندي شغل بكرة.
طلع صوت أنين خفيف.
آدم وقف ورايا وقال
ممكن تيجي تزوريه وقت ما تحبي.
بصيتله.

تم نسخ الرابط