المطعم

لمحة نيوز

أزعل.
بعد ما خرجنا من بيت خالتي، كنت ساكتة طول الطريق.
آدم كان سايق بنفسه، وأورايون قاعد في الكرسي الخلفي.
بعد فترة قال
إنتِ كويسة؟
رديت من غير ما أبصله
مش عارفة.
حقك تتلخبطي.
أنا مش فاهمة ليه كل الناس كانت بتقرر عني إيه اللي أعرفه وإيه اللي ما أعرفوش.
آدم سكت شوية.
قلتله
إنت كمان مخبي عني حاجة؟
بصلي بسرعة.
لأ.
متأكد؟
أيوه.
بصيت من الشباك وقلت
أنا مش عايزة أكون مدينة لحد بحاجة. لا فلوس ولا حماية ولا أي حاجة.
قال بهدوء
وأنا مش طالب منك حاجة.
طب ليه مهتم؟
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال
لأنك فكرتيني بوالدتي.
بصيتله.
كمل
أمي ماتت وأنا عندي عشر سنين. كنت وقتها طفل عنيد، وما كنتش بسمح لحد يقرب مني. بعد وفاتها، والدي حاول يعوضني بكل حاجة، لكن الحقيقة إن البيت كان فاضي.
وأنا إيه علاقتي بده؟
لما شفتك مع أورايون، افتكرت إن الحنية لسه موجودة في الدنيا، وإن مش كل الناس بتقرب من غير مصلحة.
ابتسمت بحزن.
يعني الكلب عملنا قصة طويلة أهو.
ضحك.
هو السبب في كل المصايب دي.
بعد أسبوع، قدم المحامي المستندات للجهات المختصة، وبدأت الإجراءات القانونية ضد فؤاد.
لكن فؤاد ما كانش ناوي يستسلم.
في ليلة، وأنا راجعة من عند خالتي، لقيت رسالة على موبايلي من رقم مجهول.
لو عايزة تعرفي أبوكي فين، تعالي للمخزن القديم في العجوزة الساعة عشرة. وتعالي لوحدك.
اتوترت.
كنت عارفة إن دي ممكن تكون خدعة، لكن فكرة إني أعرف مكان أبويا كانت مسيطرة على تفكيري.
اتصلت بآدم.
آدم، فيه رسالة وصلتلي.
حكيتله.
صوته اتغير.
إنتِ مش هتروحي أي مكان لوحدك.
بس ممكن يكون عنده معلومة عن أبويا.
وممكن يكون فؤاد بيحاول يستدرجك.
أنا مش عايزة أضيع فرصة إني أعرف الحقيقة.
رد بحزم
مش هتضيعيها. هنروح سوا، بس هنبلغ الشرطة والمحامي.
ولأول مرة، وافقت من غير جدال.
في الساعة عشرة إلا ربع، وصلنا المنطقة.
كان فيه مخزن قديم في شارع جانبي، والجو هادي بشكل مريب.
آدم نزل من العربية، ورجاله انتشروا في المكان من بعيد، بالتنسيق مع الشرطة.
قاللي
خليكي جنبي، ومهما حصل ما تتحركيش.
هزيت راسي.
دخلنا المخزن، ولقينا راجل واقف في آخره.
كان كبير في السن، وشعره أبيض، وملامحه متعبة.
أول ما شافني، عينيه دمعت.
قال بصوت مرتعش
ملك؟
وقفت مكاني.
كان نفس الراجل اللي في الصورة.
همست
بابا؟
قرب خطوة، لكنه وقف لما شافني مترددة.
أنا آسف يا بنتي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
إنت كنت فين كل السنين دي؟
نزل عينه.
كنت جبان. خفت من فؤاد، وخفت أواجهه، وافتكرت إن اختفائي هيحميكي.
صرخت فيه
يحميّني إزاي؟! إنت سيبتني أعيش عمري كله فاكرة إني مليش أب!
قال وهو بيعيط
عارف. ومفيش كلمة تقدر تصلح اللي عملته.
أمي ماتت وهي بتشتغل شغلانتين عشان تصرف عليا. كانت بتتعب وبتتوجع، وإنت فين؟
ما ردش.
كملت
كنت محتاجة أب في المدرسة، في المستشفى، في كل مرة كنت بخاف فيها. كنت محتاجة حد يسألني مالك، وإنت ما كنتش موجود!
نزل على ركبته قدامي وقال
سامحيني لو تقدري.
كنت واقفة ببصله، ومش قادرة أقرر إذا كنت عايزة أحضنه ولا أمشي وأسيبه.
وفجأة ظهر فؤاد من باب جانبي ومعاه اتنين من رجاله.
قال بسخرية
يا سلام! لمّة عائلية مؤثرة.
آدم وقف قدامي.
انتهى يا فؤاد.
فؤاد ضحك.
إنت فاكر إن ورقة هتوقعني؟
رد آدم
الورقة مش لوحدها. فيه تسجيلات وتحويلات وشهادات، وكل حاجة اتسلمت للجهات المختصة.
فؤاد بص لأبويا بغضب.
إنت اللي خربت كل حاجة يا سامح!
أبويا وقف وقال
كفاية يا فؤاد. أنا سكت كتير، لكن مش هسمح لك تأذي بنتي زي ما أذيت أمها.
فؤاد حاول يخرج من المكان، لكن في اللحظة دي دخلت الشرطة من الباب الرئيسي.
واحد من الضباط قال
فؤاد الدمنهوري، إنت مطلوب للتحقيق في قضايا تزوير واستيلاء على ممتلكات وتهديد.
حاول يعترض، لكنهم قبضوا عليه.
قبل ما يخرج، بصلي وقال
إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟
رديت وأنا بحاول أثبت صوتي
أنا مش بلعب معاك عشان أكسب. أنا بس رجعت حقي، وده كفاية.
بعد القبض على فؤاد، بدأت التحقيقات تكشف تفاصيل أكتر عن التلاعب اللي حصل في أملاك عيلة المنشاوي.
المستند اللي احتفظت بيه أمي كان دليل مهم، ومعاه ظهرت أوراق وتحويلات مالية أثبتت جزء كبير من القضية.
أما أبويا، فطلب مني أقابله بعد كام يوم.
اتقابلنا في كافيه صغير على البحر في إسكندرية.
كان قاعد مستنيني، وأول ما شافني وقف.
قال
كنت خايف ما تجييش.
قعدت قدامه.
أنا جيت عشان أسمعك، مش عشان أقول إن كل حاجة بقت كويسة.
هز راسه.
فاهم.
أنا مش هقدر أنسى السنين اللي فاتت في يوم وليلة.
ومش هطلب منك تنسي.
لو عايز تدخل حياتي، لازم تبقى موجود بجد، مش مجرد كلام ووعود.
دمعت عينه وقال
أوعدك إني أحاول.
قلتله
مش عايزة وعود كبيرة. عايزة أفعال صغيرة تثبت إنك اتغيرت.
مد إيده فوق الترابيزة، لكنه ما لمسش إيدي غير لما أنا قربتها.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن فيه باب ممكن يتفتح من جديد، حتى لو مش هيتفتح كله مرة واحدة.
مرت شهور.
القضية اتقدمت، وأملاك كتير رجعت لأصحابها بعد الإجراءات القانونية.
آدم كان بيساعدني أوصل لحقوقي، لكن عمره ما حاول يفرض عليا حاجة.
وفي يوم، اتصل بيا وقال
عندك وقت النهارده؟
على حسب، عايز إيه؟
أورايون تعبان ومش راضي ياكل.
ضحكت.
إنت بتكلمني عشان الكلب؟
أيوه، عندك اعتراض؟
طبعًا، أنا بقيت دكتورة بيطرية من إمتى؟
قال
هو مش محتاج دكتور، هو محتاج ملك.
ضحكت وقلت
خلاص، هاجي أشوفه.
لما وصلت الفيلا، لقيت أورايون مستنيني عند الباب.
جري ناحيتي، وفضل يلف حواليا لحد ما نزلت على ركبتي وحضنته.
وحشتني يا أبو عيون عسل.
آدم كان واقف بعيد، وبيبتسم.
بعد شوية، قعدنا في الجنينة، وأورايون نايم بينا.
آدم قال فجأة
عندي سؤال.
اتفضل.
إنتِ ليه ما خفتيش منه أول مرة؟
بصيت للكلب وقلت
عشان ما شفتش فيه الوحش اللي الناس كلها شايفاه.
وشوفتي إيه؟
شفت كائن محتاج حد يحسسه إنه مش لوحده.
آدم فضل ساكت.
وبعدين قال
وإنتِ؟ مين بيحسسك إنك مش لوحدك؟
بصيتله.
كنت متعودة أعتمد على نفسي.
وده معناه إنك لازم تفضلي لوحدك؟
ما رديتش.
قرب شوية وقال
ملك، أنا مش هقولك إني شخص مثالي. حياتي مش سهلة، وعندي مسؤوليات كتير، وفيه حاجات في شغلي مش هتكون مناسبة ليكي. لكن أنا عايز أكون واضح معاكي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
واضح في إيه؟
بصلي مباشرة.
أنا بقيت بستنى اليوم اللي أشوفك فيه، وبقيت أفرح لما أورايون يفرح بوجودك، مع إن الحقيقة إني بقيت بغير منه.
ضحكت.
بتغير من كلبك؟
جدًا.
ده محتاج علاج.
ضحك وقال
ممكن نبدأ بالعلاج سوا؟
سكت شوية، وبعدين قال
أنا عايز أتعرف عليكي بعيد عن كل اللي حصل. من غير أوراق ولا قضايا ولا أسرار. عايز أعرف ملك نفسها.
ابتسمت وقلت
طب وإنت فاكر إنك سهل؟
لأ، أنا عارف إني صعب.
وعنيد؟
جدًا.
ومتحكم؟
بحاول أبطل.
ضحكت وقلت
دي بداية مش بطالة.
بدأت علاقتنا بهدوء.
آدم كان بيحاول يخرج من الصورة اللي رسمها لنفسه طول السنين، وأنا كنت بتعلم أثق في حد تاني غير نفسي.
ما كانش كل يوم وردي.
كان ساعات بيغيب بسبب شغله، وساعات يزعل لما أرفض حراسته، وأنا كنت برفض إنه يتعامل معايا كأني طفلة.
وفي مرة اتخانقنا خناقة كبيرة.
كنت راجعة من الشغل، ولقيته باعتلي خمس مكالمات، ولما
تم نسخ الرابط