كامله
كانت الأمطار ټضرب بإلحاح النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف في شقة البنتهاوس بحي بولانكو أحد أكثر أحياء مدينة مكسيكو فخامة. ومن هناك بدت أضواء العاصمة كنجوم بعيدة باردة لا يمكن بلوغها. كان غوستافو هيريرا في الخامسة والثلاثين من عمره يتأمل المدينة وهو يحمل كأسا من النبيذ لم يكن يشتهي حتى تذوقه. انعكاس صورته على الزجاج أعاد إليه مظهر النجاح بدلة إيطالية أنيقة بلا عيب ساعة يساوي ثمنها ثمن منزل صغير ووحدة لا يمكن لأي كشف حساب مصرفي أن يملأ فراغها.
أمضى غوستافو العقد الأخير من حياته وهو يبني إمبراطورية في قطاع الإنشاءات. حاز احترام شركائه وإعجاب موظفيه وحسد منافسيه. غير أنه حين يعود إلى منزله لا يجد سوى الصمت رفيقا له. كانت الجدران المزينة بجوائز الأعمال والفن الحديث تفتقر إلى دفء الصور العائلية. فقد ټوفيت والدته قبل عامين ورحلت معها آخر بقايا الحب غير المشروط الذي عرفه في حياته. ومنذ ذلك الحين تحولت علاقاته إلى معاملات فارغة نساء انبهرن باسم هيريرا وبطاقة ائتمان بلا حدود لكنهن كن عاجزات عن رؤية الرجل الذي كان في الخفاء يزور المستشفيات ودور الأيتام بحثا عن معنى يمنحه لثروته.
تمتم مخاطبا الفراغ وهو يضع الكأس على طاولة من الرخام
ما جدوى كل هذا ولمن أبني إن لم يكن لدي من أشاركه
في تلك الليلة من ليالي أكتوبر كان البرد الذي يسكن صدره أشد قسۏة من برد الخارج.
وعلى بعد عدة كيلومترات في غرفة رطبة ضعيفة الإضاءة في حي دوكتوريس لم يكن الجو جو وحدة بل كان توترا خالصا. كانت ماريا إيزابيل البالغة من العمر أربعة وعشرين عاما فقط تهدهد طفلها سانتياغو ابن الأشهر
نظرت ماريا إيزابيل إلى علبة الحليب الصناعي على طاولة السرير. كانت فارغة. فارغة تماما. هزت العبوة بأمل عبثي في أن تجد شيئا من المسحوق عالقا في القاع لكن لم يجبها سوى الصوت المعدني للفراغ. كانت قد فقدت عملها في متجر البقالة في الأسبوع السابق بعد أن تغيبت لرعاية سانتياغو حين أصيب بالحمى. أما والد الطفل فقد اختفى فور رؤيته نتيجة اختبار الحمل الإيجابية. كانت وحيدة تماما.
همست وهي تبكي ودموعها تنساب على خديها وتمتزج بعرق اليأس البارد
سيهدأ الأمر يا حبيبي سيهدأ.
كان طبيب الأطفال في المركز الصحي واضحا سانتياغو بحاجة إلى حليب خاص لزيادة وزنه حليب يكلف ما كانت تكسبه خلال ثلاثة أيام عمل. فتحت محفظتها فوجدت ثلاثين بيزو وبعض العملات المعدنية. لم تكن تكفي حتى لأرخص أنواع الحليب فضلا عن النوع الخاص.
الكبرياء ترف لا يستطيع الفقراء أحيانا تحمله لكن ماريا إيزابيل كانت قد تمسكت به كآخر ما تملك. غير أن رؤية طفلها يمص قبضته الصغيرة بحثا عن الطعام أسقطت كل حواجزها. تذكرت ورقة مجعدة في قاع حقيبتها كانت إحدى الجارات قد أعطتها رقم امرأة يقال إنها تقرض المال أو تساعد الأمهات العازبات. فقط في الحالات الطارئة كانت قد قالت لها.
كانت يداها ترتجفان بلا سيطرة تحت ضوء المصباح الوحيد الخاڤت. كان جوع سانتياغو ساعة رملية توشك على النفاد. طلبت الرقم في هاتفها القديم ذي الشاشة المتشققة. خانتها أصابعها بفعل التوتر والإرهاق فانزلقت على لوحة الأرقام. رقم واحد فقط رقم
كتبت وقلبها يكاد يقفز من صدرها
عذرا على الإزعاج أنا يائسة. طفلي بحاجة إلى حليب
خاص ولا أملك المال. أنا أم عاملة وأقسم أنني سأعيد المبلغ. أحتاج فقط إلى 200 بيزو حتى لا ينام طفلي جائعا اليوم. أرجوك.
ضغطت زر الإرسال وأغلقت عينيها وقد اجتاحها مزيج من الغثيان والأمل.
في الطرف الآخر من المدينة اهتز هاتف غوستافو على الطاولة الرخامية. عقد حاجبيه بدهشة. في هذا الوقت هل هي مشكلة في أحد المشاريع أم طارئ مصرفي فتح الهاتف وقرأ الرسالة مرة ثم مرة أخرى.
لم تكن رسالة احتيال ولا نصا عاما مكررا. الأخطاء الإملائية صراحة الطلب توقيت الإرسال كل شيء كان ېصرخ بحقيقة مؤلمة. شعر غوستافو بقشعريرة لا علاقة لها بالمكيف. كان بإمكانه تجاهل الرسالة أو حظر الرقم أو الذهاب للنوم في أغطية من القطن المصري الفاخر. لكن صورة رضيع يبكي استقرت في ذهنه ولم تفارقه.
نهض فجأة. لم يكن يعرف من تكون تلك المرأة ولا أين تعيش لكنه كان يعلم أن القدر قد طرق بابه تلك الليلة متخفيا في صورة خطأ هاتفي. وما لم يكن يدركه غوستافو هو أن الرد على ذلك النداء لن ينقذ طفلا في تلك الليلة فحسب بل سيدفعه للسير مباشرة نحو إعصار عاطفي سيختبر أحكامه المسبقة ويكسر تحصينات قلبه ويغير مسار حياته إلى الأبد.
لم يرد غوستافو على الرسالة. كان يعلم أن الكلمات لا تشبع البطون. وبدلا من ذلك استخدم الموارد التي يتيحها له موقعه. باتصال واحد بأحد معارفه في الأمن الخاص تتبع الموقع التقريبي للرقم. حي دوكتوريس. حي صعب صادق قاس مع الحياة. تأكدت شكوكه لم تكن شبكة احتيال بل إشارة صادرة من بناية قديمة.
من دون تردد نزل إلى المرآب.
الفائدة. ركب شاحنته الصغيرة التي يستخدمها لتفقد الأراضي الوعرة. وقبل مغادرته بولانكو توقف عند صيدلية تعمل على مدار الساعة. لم يشتر علبة حليب واحدة بل عشرا. واشترى حفاضات ومناديل وأدوية أساسية. ملأ المقعد الخلفي بكل ما أوصت به البائعة لطفل في عمر ستة أشهر.
كانت الرحلة انتقالا بين عالمين من الشوارع الواسعة المشجرة إلى الأزقة الضيقة المليئة بالحفر والكلاب الضالة. وعندما وصل إلى العنوان كان الفجر قد بدأ يرسم السماء بلون بنفسجي شاحب. كان الصباح قريبا لكن الظلام في ذلك الشارع بدا وكأنه يرفض الرحيل.
وجد بابا معدنيا صدئا وطرق عليه بقبضته ثلاث طرقات جافة.
في الداخل فزعت ماريا إيزابيل. لا أحد يطرق الباب في الخامسة صباحا إلا ومعه المشكلات. محصلون صاحب المنزل أو ما هو أسوأ. ضمت سانتياغو بقوة وكان قد غلبه الإرهاق فغفا بين نوبات بكائه.
سألت بصوت مرتجف دون أن تزيل سلسلة الأمان
من الطارق
جاءها صوت عميق هادئ لكنه حازم
صباح الخير. اسمي غوستافو. تلقيت رسالتك الليلة الماضية. أظن أنك أخطأت الرقم لكن جلبت شيئا للطفل.
توقف قلب ماريا إيزابيل لحظة. أخطأت الرقم ضربها الخجل كصڤعة. لقد طلبت مالا من غريب. لكن واقع سانتياغو فرض نفسه. فتحت الباب قليلا.
ما رأته أربكها. كانت تتوقع جارا أو شخصا من الحي لكنها وجدت رجلا طويل القامة يرتدي ملابس بسيطة لكنها من جودة تعرفها من المجلات. لم تكن عيناه الخضراوان تنظران إليها بشفقة أو فضول بل بقلق حقيقي عاجل تقريبا.
رأى غوستافو الأم الشابة الهالات السوداء