كامله

لمحة نيوز

 

قميصها البالي لكنها كانت تحمل طفلها بكرامة شرسة. ورأى البيت نظيفا مرتبا إلى حد الهوس لكنه ېصرخ بالفقر في كل زاوية.
أشار إلى الأكياس في يديه وسأل
هل أستطيع الدخول
فتحت ماريا إيزابيل
الباب
مستسلمة.
دخل غوستافو وبدا أن الغرفة الصغيرة تضيق بوجوده. دون كلام كثير بدأ يضع علب الحليب الفاخر على الطاولة الخشبية الصغيرة.
قال كاسرا الصمت
هذه أفضل علامة. وجلبت حفاضات مقاس المرحلة الثالثة آمل أن تناسبه.
كانت ماريا إيزابيل تنظر إلى العلب كما لو كانت سبائك ذهب. ذلك الحليب كان ثروة.
قالت بصوت خاڤت وهي تخفض نظرها والدموع ټحرق عينيها
سيدي لا أستطيع دفع ثمن هذا. طلبت فقط 200 بيزو. هذا أكثر مما ينبغي. أنا لست متسولة.
قاطعها بلطف وهو يقترب خطوة مع الحفاظ على مسافة
أعلم. لا أحد يستيقظ الخامسة صباحا ليعتني بطفله بهذا الحب يكون متسولا. أنت أم. واليوم مالي أنفع هنا منه في حسابي المصرفي.
حضر بنفسه أول رضعة مستأذنا بنظرة لاستخدام المطبخ. راقبت ماريا إيزابيل يديه كبيرتان أنيقتان لكنهما ماهرتان. وعندما أعطاها الزجاجة الدافئة وبدأ سانتياغو يرضع بشراهة عم الغرفة صمت مقدس. كان صوت الطفل وهو يتغذى هو الموسيقى الوحيدة التي لها معنى.
بقي غوستافو دقائق قليلة يراقب المشهد. ولأول مرة منذ سنوات اختفى الفراغ في صدره. لم يبرم صفقة بملايين ولم يفز بجائزة. لقد رأى طفلا يتوقف عن البكاء. وكان ذلك أثمن من كل مبانيه.
قال وهو يضع بطاقة على الطاولة
يجب أن أذهب إلى العمل. إن احتجت أي شيء هذا هو رقمي الحقيقي. لا تترددي.
أرادت ماريا إيزابيل أن تشكره لكن صوتها خاڼها فاكتفت بالإيماء.
كانت الأيام

التالية غريبة. لم يختف غوستافو. عاد بعد ثلاثة أيام لأنه كان يمر بالمنطقة. أحضر فاكهة. وفي الأسبوع التالي جلب ألعابا. لم يحاول تجاوز حدوده ولم يشتر ودها. كان فقط حاضرا.
بدأا يتحدثان. أولا عند الباب ثم جالسين في الحديقة الصغيرة في الحي. كانت هي حذرة تنتظر اللحظة التي سيطلب فيها شيئا مقابل ما قدمه. وكان هو صبورا يهدم حجرا بعد حجر الجدار الذي بنته حول قلبها.
اكتشفت ماريا إيزابيل أن المليونير نشأ بلا أب وأن أمه كانت خياطة وأنه يكره وحدة البنتهاوس. واكتشف غوستافو أن ماريا إيزابيل ذكية تحلم بإكمال دراستها الثانوية تمتلك ضحكة تضيء العصر وتحب سانتياغو بقوة تخيفه وتفتنه في آن واحد.
لكن الفارق بين عالميهما ظل قائما كامنا.
جاءت لحظة الانفجار بعد شهر في ليلة عاصفة. ارتفعت حرارة سانتياغو إلى 39 5 درجة. تشنجات حموية. ركضت ماريا إيزابيل تحت المطر تبحث عن سيارة أجرة لا تتوقف ليلا في ذلك الحي. اتصلت بغوستافو.
وصل خلال خمس عشرة دقيقة مخالفا كل حدود السرعة. رآها مبللة تبكي على الرصيف وهي تحتضن الجسد الصغير المحموم. نزل من السيارة حملها مع الطفل وانطلق إلى أفخم مستشفى خاص في المدينة.
في غرفة الانتظار بينما كان الأطباء يثبتون حالة سانتياغو نظرت ماريا إيزابيل إلى نفسها ملابس مبتلة حذاء قديم محاطة برفاهية باردة. شعرت بأنها صغيرة غير جديرة.
قالت باكية
لا أنتمي إلى هنا يا غوستافو. انظر إلي وانظر إليك. هذا خطأ. أنت تلعب دور العائلة وأنا أعيش كابوسا. عندما يشفى سانتياغو عليك أن ترحل. لا أستطيع الاستمرار في أن أكون مدينة لك بحياتي.
أمسك غوستافو كتفيها وأجبرها على النظر إليه.
كانت عيناه الخضراوان تلمعان.
قال بحدة هزتها
أتظنين أنني أفعل هذا صدقة هل تعتقدين أنني ألغي اجتماعاتي لأجلس في حديقة بحي دوكتوريس بدافع الشفقة
صړخت
إذا لماذا ليس لديك ما تكسبه منا!
خفض صوته وعيناه تترقرقان
لأنكما أعدتما لي الحياة. قبل تلك الرسالة كنت شبحا في بدلة فاخرة. أنتما جعلتماني أشعر بأنني حي. هذا ليس دينا يا إيزابيل. هذا حب. أنا أحبك. وأحب هذا الطفل كأنه من دمي.
ساد صمت
مختلف صمت مشحون.
رأت ماريا إيزابيل لأول مرة لا المليونير بل الرجل. الرجل الذي يحتاج إلى الحب بقدر حاجتها إلى الأمان.
تعافى سانتياغو ومعه ازدهرت العلاقة لا في ظل الإحسان بل في ضوء التكافؤ العاطفي. عادت هي إلى دراستها بدعمه لكنها أصرت على العمل بدوام جزئي. وتعلم غوستافو تغيير الحفاضات وقلة النوم.
بعد ستة أشهر من الرسالة الخاطئة اصطحب غوستافو ماريا إيزابيل إلى غابة تشابولتيبيك. كان سانتياغو يزحف ويضحك وهو يطارد الحمام. جلسا على مقعد تحت ظلال أشجار السرو العتيقة.
أخرج غوستافو علبة صغيرة من المخمل الأزرق. لم يكن خاتما مبالغا فيه بل رقيقا وأنيقا.
جثا على ركبته غير مكترث باتساخ بنطاله المصمم وقال
ماريا إيزابيل أعدك ألا تضطري يوما لإرسال رسالة تطلبين فيها المساعدة. أعدك أن سانتياغو لن يعرف الجوع أبدا. لكن الأهم أعدك أنني لن أكون وحيدا إن قبلت أن تستيقظي معي كل صباح. هل تتزوجين هذا الرجل الذي كان محظوظا برقم خاطئ
بكت ماريا إيزابيل لكن دموعها هذه المرة لم تكن دموع ضعف أو خوف من المجهول ولم تكن دموع امرأة استسلمت لقدر قاس بل كانت دموعا نقية صافية تشبه تلك التي تنهمر بعد عاصفة طويلة لتغسل
كل ما علق بالقلب من تعب وألم. كانت دموعا تطهر الروح وتعيد ترتيب الفوضى الداخلية وتمنحها إحساسا خفيا بأن كل ما مرت به لم يكن عبثا وأن الطرق المکسورة قد تقود أحيانا إلى أماكن لم تكن لتصل إليها لو كان الطريق مستقيما منذ البداية.
قالت وهي تعانقه وقد أغلقت عينيها كأنها تخشى أن يختفي المشهد إن فتحتهما
نعم مليون مرة نعم.
لم يكن في صوتها تردد ولا محاولة لإقناع نفسها بل يقين هادئ يقين امرأة جربت الوحدة والجوع والخۏف وتعلمت أن تميز بين الوهم والحقيقة وبين الشفقة والحب.
لم يكن الزفاف حدث الموسم كما توقعت المجلات ولم يكن مناسبة يتنافس فيها المصورون أو يتزاحم فيها الفضوليون. لم يكن هناك بهرجة ولا أضواء مبالغ فيها ولا دعوات تحمل أسماء ثقيلة. أقيم الزفاف في كنيسة صغيرة في حي روما كنيسة دافئة متواضعة تشبه القلوب التي اجتمعت فيها. حضر الأصدقاء الحقيقيون فقط أولئك الذين شهدوا التعب قبل الفرح والعائلة القريبة التي اختارت أن ترى الإنسان قبل اللقب والرصيد.
كان سانتياغو هو بطل اللحظة دون أن يدري. ارتدى بدلة صغيرة بدت عليه أكبر قليلا من حجمه ومشى بخطوات مترددة وهو يحمل الخاتمين بكل جدية طفولية. وفي منتصف الطريق توقف فجأة محاولا أن يضع أحد الخاتمين في فمه بدافع الفضول البريء فضحك الجميع ضحكة واحدة صادقة ضحكة لم تخطط لها ولم تصنع من أجل الكاميرات بل خرجت من القلب مباشرة.
وعندما أعلن الكاهن اتحادهما زوجا وزوجة وحين انحنى غوستافو وقبل ماريا إيزابيل لم يكن التصفيق الذي ملأ الكنيسة مجاملة اجتماعية ولا تصفيقا مؤدبا يفرضه البروتوكول بل كان احتفاء حقيقيا بمعجزة بسيطة وعميقة في آن
واحد معجزة أن يولد الحب من الحاجة وأن تتحول

 

تم نسخ الرابط